عاش الناس قبل زمن ليس ببعيد حياة أبسط بخطى غير متسارعة. كان هذا قبل عصر الكهرباء والسيارات والطائرات.

كانت إنجلترا مع نهاية القرن السابع عشر من أقوى البلدان الأوروبية، إذ أخذت توسع نفوذها في أطراف العالم. ولكنها رغم التحول إلى قوة عظمى، بدأت إنجلترا تفقد إحدى أهم مواردها الطبيعية.

كانت الغابات الشاسعة التي غطت غالبية أراضيها قد استنزفت، استعملت إنجلترا الغابات لبناء سفن أسطولها الشهير، وتشييد المنازل وتدفئتها، وطهي الطعام حتى أخذت تواجه أزمة في الطاقة.

أزمة في الطاقة؟ في ذلك الوقت؟

أعتقد أنها أشياء لا تتغير.

لكن إنجلترا تملك الكثير من الفحم، كما أن حرق الفحم يمنح من الطاقة أكثر من حرق الخشب، ما جعلها تستخرج الفحم من المناجم كمورد جديد للطاقة.

ولكن الحفر عميقا لاستخراج الفحم يسبب مشاكل أخرى، كانت المياه من أبرزها. طافت المياه الجوفية في المناجم، ما حال دون الوصول إلى الفحم الثمين.

فحاء الحل بضخ المياه خارج المناجم.

إنه حل بسيط.
فعلا، أنهى المشكلة.

ولكن ضخ المياه خارج المناجم لم يكن سهلا، إذ كان يتم بالعمل البشري أو بالدواب، التي كانت تتعب من هذا العمل الشاق، ولم تتمكن من موازاة المياه النابعة من هناك.

عام ألف وسبعمائة استبدل عدد من المناجم مضخات العضلات باختراع جديد. إنه المحرك البخاري، وهو آلة قادرة على تحويل الطاقة إلى حركة. وهكذا تمكن المحرك البخاري من ضخ المياه إلى خارج المناجم، ليحل بذلك محل العمل البشري.

ما كان أحد ليتخيل حينها أن عمل شخص واحد في المحرك البخاري، سيؤدي إلى ما يعرف بالثورة الصناعية.

=-==-=-

تمكنت المحركات البخارية الأولى من إنجاز أعمالها، ولكنها كانت آلات بسيطة وبطيئة لا يمكن الاعتماد عليه، كما كنت خطيرة جدا. والأهم من هذا أنها تحرق كميات هائلة من الفحم.

ما جعل تحسين المحرك البخاري تحديا هائلا، ولك أكثر ما أحبه جيمس وات، هو التحديات.

عندما تعلمت طريقة عمل المحرك البخاري، أدركت أنه يستطيع العمل بطريقة أفضل. صحيح أنه يستهلك الفحم ويحول السخونة إلى طاقة بخارية، ولكني اكتشفت أنه يبدد الكثير من الطاقة.

أي أن نجاح المحرك البخاري يستدعي منه مزيدا من القوة والفعالية في آن معا. فقررت تحسين المحرك، وحل هذه المشكلة.

أخذ يركز على المشكلة.

رغم عدم تدرب جيمس وات على العلوم، إلا أنه تمتع بعقلية فضولية، أجرى من خلالها العديد من التجارب، كأي عالم حقيقي آخر، وقد طور هذه العادات في سن مبكر.

تلقيت تعليما مدرسيا محدودا، وكان أبي معلما في النجارة، لهذا فضلت مساعدته والعمل في ورشتي الخاصة في العليّة.

والحقيقة أنه كان شديد المرض في صغره، إذ عانى من آلام الأسنان والصداع القوي، فقرر والداه إخراجه من المدرسة وتعليمه في المنزل.

عندما بلغت الحادية عشر قر والدي أني تحسنت وأستطيع العودة إلى المدرسة. كانت هذه كارثة.

لم يتعلم وات شيئا من المدرسة لحياته، فلم يعرف معنى المزاح، ولم يتقن اللعب، فسخر منه الجميع بلا رأفة.

مررت في المدرسة بأيام صعبة جدا ولكني تحسنت مع مرور الوقت، كما وجدت تسلية جديدة، وهي العبث بأدوات الملاحة كالبوصلة والتلسكوب التي يصلحها والدي.

تبين أن جيمس كان يتقن استعمال يديه، كما برزت فيه دقته العالية.

ماتت أمي وأنا في الثامنة عشرة، فانتقلت إلى غلازغو للسكن مع أقاربي هناك.

حصل هذا عام ألف وسبعمائة وأربعة وخمسون الذي عرف بفترة استكشافات رست خلالها في غلازغو سفن من مختلف أنحاء العالم. وكانت أيضا مرحلة استكشافات علمية.

قررت متابعة حبي للدقة والعمل في صناعة الأدوات العلمية، كالساعات والموازين والبوصلة وما شابه، حاولت البحث عن صانع أدوات يقبلني تلميذا، حتى أدركت أني لن أجد التدريب اللازم إلا في لندن.

تبين لوات أن التعلم في لندن ليس سهلا. وعلم أن قوانين محددة تسيطر على تجارة صنع الأدوات، وأن هذه القوانين تجعل من الصعب عليه العثور على صانع أدوات يقبل به تلميذا.

هذا صعب جدا. كيف يفترض به أن يبدأ؟

توصلت إلى اتفاق مع شخص يعلمني الصنعة، ولكنه اشترط العمل معه لمدة عام واحد فقط. ولكن بما أن التعلم يحتاج إلى سبع سنوات، قمت بعمل خاص بي.

هذا ما أصفه بالتفوق.

يتطلب التعلم سبع سنوات، ولكن وات كان أكبر سنا من جميع التلامذة، كما أن عمله السابق مع والده، جعله يعرف أكثر بكثير.

عملت بشدة ولفترات أطول لتعلم أكبر قدر ممكن خلال الفترة القصيرة التي أملكها، ولكن ضغط العملالشاق سبب لي الضعف والاشتياق إلى الوطن. مع انتهاء ذلك العام عدت فورا إلى وطني في اسكتلندا.

عند عودته إلى هناك ساعده صديق العائلة في الوصول إلى جامعة غلازغو، وقد حالفه الحظ بوجود مشروع بانتظاره هناك. أرسل تاجر اسكتلندي في جاميكا حمولة من الأدوات العلمية إلى الجامعة، لكنها تعطلت خلال أسابيع من الملاحة. فرست مهمة إصلاحها على الشاب جيمس وات.

وأخيرا أصبحت صانع أدوات، أعطتني الجامعة غرفة أقيم فيها ورشتي.

ليس هذا ما أعتبره عملا مناسبا.

أعرف ولكن يبدو أن أحب ذلك.

تحمس وات جدا، فانكب على عمله الجديد باندفاع كبير. ساعده ميوله إلى الكمال في إصلاح وتطوير جميع الأدوات التي وصلت إليها يديه.

أهم ما في هذا العمل هو أن الجامعة جعلتني على اتصال بعدد من أهم العلماء في العالم.

أحيانا ما يتوقف الناس في ورشته لمشاهدته يعمل، حتى أصبح شهير جدا في الجامعة.

استغل وات جميع الفرص المتوفرة للقراءة والتعلم من زملائه، حتى تنبه الجميع إلى ذكائه وبراعته.

كان الدكتور جوزيف بلاك من بين الذي أعجبوا بوات، وهو من أبرز العلماء في الجامعة، إذ كان طليعة في أبحاث السخونة والطاقة.

تخصص الدكتور بلاك في الكيمياء وقد أجرى أبحاثا تشمل السخونة والماء والبخار.

أعجبت جدا بعمل بلاك حتى نفذت تجاربه بنفسي. تعلمت الكثير عن السخونة كمصدر للطاقة.

لم يقتصر اهتمام وات في هذه الفترة على الجانب العلمي من السخونة والبخار، بل ضم قوة البخار.

مبدأ بسيط، عند غليان الماء يتحول إلى بخار، يحتل البخار مساحة أكبر من الماء، ولكن إذا حبست البخار في مستوعب يتحول إلى ضغط هائل، يمكن استعماله لتحريك الأشياء.

عرفت قوة البخار منذ زمن بعيد، ولم يكن تطويعها شيء جديد.

عام ألف وستمائة وثمانية وتسعون، قدم توماس سافري أول محرك بخار عملي للعالم. وبما أنه صمم لضخ المياه من مناجم الفحم، عرف محرك سافري حينها بصديق المناجم.

ولكن الحداد الإنجليزي توماس نيوكامن كان أول مخترع توصل إلى محرك بخاري استعمل على نطاق واسع في مناجم الفحم عام ألف وسبعمائة واثني عشر.

كان محرك نيوكامن أكبر حجما وأكثر تعقيدا من محرك سافري، ولكنه استخدم كسابقه في ضخ المياه إلى خارج المناجم.

ارتبطت مناجم الفحم بالمحركات البخارية منذ البداية، فالمناجم تحتاج إلى المحركات البخارية لتجفيفها، والمحركات البخارية تحتاج إلى الفحم الحجري كي تعمل. وقد أحرق محرك نيوكامن كميات كبيرة من الفحم.

لا أعرف إن كنت مخطئة ولكن يبدو أن المحرك البخاري كان متوفرا قبل وصول وات بفترة طويلة.

فعلا، ما الذي بقي عليه الآن؟

صحيح أن المحرك البخاري كان متوفرا منذ عقود قبل مجيء وات إلى غلازغو، ولكن ضربة حظ أخرى لفتت انتباه وات إلى المحرك البخاري بطريقة بارزة.

كان لدى جامعة غلازغو نموذجا صغيرا للمحرك البخاري. ولكنه معطل، فأرسل للتصليح لدى صانع أدوات في لندن، لكنه عجز عن ذلك. ونظرا لشهرتي في إصلاح الأشياء، طلبوا مني القيام بالعمل.

جاء في الوقت المناسب إلى المكان المناسب.

سبق أن سمعت بمحرك نيوكامن البخاري، ولكن النموذج الجامعي هو أول ما رأيت.

تعامل وات مع المشكلة على طريقة العلماء، فجرب الآلة وسجل ملاحظاته التفصيلية. أدرك انه بحرق الفحم يحول محرك نيوكتمن المياه إلى بخار، كما أن كثافة البخار وتبريده يساعدان على انطلاق المحرك وتشغيل المضخة.

تمكنت من تشغيل النموذج الجامعي، ولكني اكتشفت أثناء ذلك أنها ليست آلة جيدة.

لم يكن محرك نيوكامن فعالا، بل عديم الفعالية، فاعتبرت أنه يبدد ثلاثة أرباع الطاقة التي ينتجها.

لا أستغرب أن يحرق الكثير من الفحم.

كان يجب أن أجعله أكثر فعالية، وقد أدركت أن طريقة القيام بهذا تكمن في استغلال أفضل للسخونة المنتجة عبر غلاية المحرك البخاري. نرى أن اسطوانة محرك نيوكامن تتناوب باستمرار بين الحرارة والبرودة، مع دخول البخار الساخن، ومن ثم برودته وتكثيفه. القيام بهذا مرة بعد أخرى يبدد الطاقة.

فكرت بالأمر مليا، حتى أقلقني ليلا نهارا، وفي أحد أيام الآحاد، خرجت في نزهة، وجدت الفكرة. إضافة مكثف منفصل.

تبدو فكرة بسيطة.

إضافة مكثف منفصل. لماذا لم أفكر بهذا؟

توصل وات إلى ما لم يتنبه إليه الانسان العادي، وهو يكمن في استغلال أفضل للسخونة الناجمة عن المحرك البخاري.

بدأت بحماسة هائلة أصنع نموذجا من بعض الموات التالفة، بما في ذلك كشتبان الخياطة لدى زوجتي.

جاء النموذج فجا ولكنه نجح.

حصلت على ترخيص بالتصميم عام ألف وسبعمائة وتسعة وستون، وبدأت العمل بنموذج واسع النطاق في نفس العام.

تقدم وات بالاعتماد على نفسه قدر المستطاع، ولكنه يحتاج إلى المال للتقدم أكثر، أو إلى شخصية تجارية لم يكن وات يتمتع بها. وأخيرا عثر وات على الدعم اللازم لدى ماثيو بولتن، وهو مهندس وصناعي من بيرمنغهام في إنجلترا. كان بولتن يملك مصنعا وهو ثري جدا. لقد رأى الجدوى التجارية في محرك وات البخاري، وأصبح مستعدا لتصنيعه وتسويقه. انتقل وات إلى برمنغهام، لينشئ هناك ما عرف بشركة بولتن & وتات.

يبدو فريق رائع، العالم والتاجر.

لم يكن ماثيو بولتن غريبا عن مبدأ استعمال قوة البخار، وقد أجرى عدة أبحاث قبل لقائه بجيمس وات، حتى أنه استشار بنجامين فرانكلين بهذا الشأن.

سرعان ما بدأت مع بولتن في إنتاج محرك أكثر تقدما، مع أني لم أكر راضيا عنه.

يبدو أنه لا يرضى أبدا أليس كذلك؟

دفعه السعي إلى الكمال نحو تحسين محركاته بعدة أساليب، الكبيرة منها والصغيرة. إلا أن بولتن كان متشوقا لإيصال السلعة إلى الأسواق. كان دائم الترقب لما يفعله وات، على أمل أن يكون كل تعديل يجريه على التصميم هو تعديله الأخير.

كان وات متمسكا بهواجسه في الحصول على كفاءة أكبر من محركه البخاري..

كنت بعيدا عن الرضا. فكرت بمشكلة وضع الكباس في الاسطوانة، هنا أضعت الفعالية التامة، لم تكن مشكلة علمية، بل مشكلة في التصنيع.

واجه وات مشكلة في حدود صناعة صهر المعادن، لم تكن مسابك الحديد حينها قادرة على صنع اسطوانات هائلة تفي بمتطلبات وات واحتياجات محركه. بقيت عدة فراغات صغيرة بين الكباس والاسطوانة، ما يؤدي إلى تسرب الطاقة والفعالية من هذه الفراغات الصغيرة.

ولكني رفضت الاستسلام، عثرت على أفضل معلم حديد في إنجلترا تمكن أخيرا من التوصل إلى الأسطوانة الدقيقة التي أحتاج إليها في محركي.

هذا هو العمل الجماعي.

بل هو عمل بخاري.

حل عام ألف وسبعمائة وسبعة وسبعون، وهي السنة التي بيع فيها محرك وات الجديد.

أصر بولتون على ضرورة إشرافي على تركيب أول محرك بخاري في مناجم كرونوال الإنجليزية، أحببت العمل جدا في تلك الآلة، ولكني مقت فكرة استعراضها أمام زبون يدفع الثمن.

يبدو أن وات أمضى فترة طويلة في ورشته.

تقول تقديرات وات أن بولتون ادعى الكثير عما يمكن لها المحرك أن يقوم به من أعمال. ولم يكن أصحاب المناجم واثقون من قوله. خصوصا وأن محرك وات كان شبيه جدا بمحرك نيوكامن الذي لديهم.

خشيت جدا من ألا يعمل المحرك، ولكنا عند تشغيله تأكد لنا بوضوح أنه سجل تفوقا كبيرا على المحرك البخاري القديم، فلم يذهب كل تعبي سدا.

توصل جيمس وات إلى محرك لا يستهلك إلا ربع كمية الوقود اللازمة لمحرك نيوكامن. وأخيرا توصل وات إلى الهدف الذي عمل من أجله طوال عدة سنوات، وذلك بصنع محرك بخاري فعال. توالى الطلب على المحرك الجديد من مختلف مناجم الفحم. ما أدى إلى ازدهار شركة بولتن & وات.

تابع وات سعيه إلى الكمال عبر تركيزه على التوصل إلى أفضل محرك بخاري لمناجم الفحم.

ولكن ماثيو بولتن فكر بمسائل أخرى، إذ أخذ يفكر بسبل لاستخدام المحرك البخاري في مجالات أخرى. أي أنه كان ينظر نحو المستقبل، الذي لم يكن في الواقع إلا ما يعرف بالثورة الصناعية.

الثورة؟ هل يتحدثون هنا عن الحرب؟

لم تكن الثورة الصناعية حربا، ولم تحصل بين ليلة وضحاها، مع أنها غيرت العالم إلى الأبد. الثورة الصناعية هي اسم لمتغيرات عميقة، أدت إلى استبدال القوة البشرية والحيوانية بقوة الآلات. كانوا في الماضي يصنعون كل شيء يدويا، من أدوات إلى أثاث وملابس وغيرها، وذلك على يد الحرفيين. أما اليوم فالآلات تصنع كل شيء، هذه هي الثورة الصناعية، انها الانتقال من الصناعة اليدوية إلى صناعة الآلات، كما أن يرمز محرك وات البخاري إلى قلب الثورة وعضلاتها.

بدأ محرك وات يستعمل في أي مكان بالاعتماد على الفحم. وقد استخدم بداية في المناجم التي هي مورد الطاقة، ثم استعمل في مصانع الحديد التي ساعدت في صهر اسطوانات المحرك ومكابسه الهائلة.

ولكن ماثيو بولتن أدرك أن هناك أعداد ضئيلة من مناجم الفحم الحجري ومصانع الحديد، ما يعني أن عدد زبائن محركه البخاري أصبح محدودا. وهكذا ساعدته نظرته التجارية في العثور على فرص أكبر وآفاق أوسع.

بدأ ذلك في مصانع النسيج. كانت الحياكة في الماضي من أعمال النساء والفتيات في المنازل. ولكن عام ألف وسبعمائة وسبعون، شيدت مصانع تحول القطن إلى خيوط، بينما تقوم أخرى بتحويل الخيوط إلى قماش.

كل هذا بدون المحرك البخاري؟

اعتمدت أولى مصانع الأنسجة على قوة الماء في تشغيل آلاتها، ولكن كلما خف منسوب المياه في الجدول، توقف المصنع عن العمل. كانت هذه قصور جدية تسبب مشاكل كبيرة.

هنا يأتي دور وات.

طلب مني بولتن تكييف المحرك البخاري لدفع آلات غزل هائلة ومصانع النول. نجحت في ذلك تماما. يعود الفضل إلى المحرك البخاري في تمكين معامل النسيج بدون قوة مائية بالكامل.

تابع وات عمله الدؤوب في تحسين المحرك حتى توصل إلى إنجازات أخرى، يبرز من بينها الحصول على قوة أكبر من محركات أصغر. ومع مرور الوقت بدأ البعض يفكر بوضع المحركات البخارية في السفن.

والحقيقة هي أن الناس في أوروبا والولايات المتحدة جربوا هذه البواخر.

ولكن روبرت فولتن، وهو أمريكي عمل في باريس، اشتهر فيما بعد ببصنع المراكب البخارية.

كان فولتن مخترع لامع حاول بناء غواصة عندما تقرب منه مواطن من نيويورك، أراد استخدام المراكب البخارية تجاريا في نهر هودسون، وكانت مشكلته الوحيدة عدم امتلاكه لمركب بخاري.

شيد فولتن نموذجا تحطم بالكامل عند تجربته في نهر السين.

تأكد فولتون أنه تعلم من خطأه، فطلب محرك بخاري من بولتن & وات، ثم عاد إلى الولايات المتحدة.

ثم شيد هناك باخرة كليرمونت التي بلغ طولها مائة وخمسون قدم. أطلق أحد المشككين على السفينة لقب حماقة فولتن، ولكن عام ألف وثمانمائة وسبعة، وبالاعتماد على محرك بولت & وات البخاري، تمكنت كليرمونت من القيام برحلة من نيويورك إلى ألبيني. بسرعة خمسة أميال ثابتة في الساعة، ليبدأ بهذا عصر المراكب البخارية.

أي أن المحركات البخارية وصلت إلى البحر.
عتقد أنها لم تتوقف هناك.

سرعان ما تمكن المحرك البخاري من التوصل إلى وسيلة نقل أخرى هي القطار.

سرعان ما أخذت القطارات تنتشر في أوروبا والولايات المتحدة في آن معا، لتنقل البضائع والركاب.

في أواسط القرن التاسع عشر انتشرت السكك الحديدية في كل مكان، محمولة على المحركات البخارية. ولكن ركوب القطار حينها لم يكن ممتعا كما هو اليوم. لأن اشتعال الفحم كثيرا ما أمطر الركاب بغبار أسود، كما كان الدخان لا يحتمل.

كما تسببت الثورة الصناعية بزيادة تلوث الهواء، إذ كانت المداخن في المناطق الصناعية توشح السماء بالسواد، كما تسببت بأمراض رئوية بين العمال والمواطنين العاديين.

أدى انتشار قوة البخار إلى ازدهار المصانع الهائلة. فانتقل العديد من المزارعين الفقراء للعمل في المدن القذرة المزدحمة. لم تكن ظروف المصانع أفضل من حالات تلك المدن. كانت ساعات العمل طويلة، حتى شاع العمل من الفجر حتى المغيب. لم يتطلب العمل أي براعة، وكثيرا ما كان بالغ الخطورة.

ظننت أن محرك وات شيئا جيدا.

لا شك أن محركات وات جلبت العمل لملايين البشر الذي صنعوا الثروات الهائلة لأصحاب المصانع. ولكنه كغيره من التكنولوجيا الحديثة، جلب معه أيضا عواقب غير متوقعة.

على أي حال، اعتقد أن المحركات البخارية قد اختفت.

صحيح أن غالبية آلات اليوم تعمل كهربائيا، ولكن لا يمكن القول أن المحركات البخارية لم تعد في هذا العالم، على اعتبار أن مضخات بخارية هائلة ما زالت تعمل في غالبية مولدات الطاقة الكهربائية حتى اليوم.

يكفي القاء نظرة سريعة على لمبات الإنارة حتى نتذكر مساهمات جيمس وات في علوم الطاقة ومصادرها.

وات طبعا.

نعم، أعرف هذا منذ البداية.

إنه تذكار بسيط ولكنه هام، لإنسان استعان بإصراره ودقته الهندسية في حل المعضلات، وقد ساعد في ذلك على انطلاق الثورة.

--------------------انتهت.

إعداد: د. نبيل خليل