بنجمين فرانكلين



كانت الحياة في أمريكا خلال القرن الثامن عشر أبسط بكثير مما هي عليه اليوم. لم يكن فيها أدوات حديثة، أو مياه جارية أو لوازم كهربائية، حتى أن الولايات المتحدة لم تكن قائمة.

كانت حرب الاستقلال والدولة التي نشأت بعدها رهن المستقبل. أي أن الأمريكيين حينها كانوا مستعمرين بريطانيين من أتباع ملك إنجلترا، وكانت غالبيتهم العظمى من المزارعين والتجار.

كانت مدينة فيلاديلفيا مركزا ثقافيا وتجاريا للمستعمرات، وكان يسكن في هذه المدينة كاتب وناشر وعالم ورجل الدولة.

تبدو مجموعة كبيرة.

ترى هل كانوا يعرفون بعضهم؟

ليست هذه مجموعة من الأشخاص، بل جميعهم في رجل واحد. وقد ثبت أن كان هذا الرجل مخترعا كبيرا. بل هو من أوائل مخترعي أمريكا. وكان اسمه بنجيمين فرانكلين.

=-=-=-=-=-=-=

كان أمريكيا عالي الذكاء، وعميق الفضول، واسع الاهتمامات، متعدد المواهب. إنه بنجمين فرانكلين.

واسع الاهتمام، هكذا يقولون عني. من أبرز اهتماماتي تذوق الأطعمة الشهية. ولكني أؤكد لكم أني لم أكن شخصا بدينا كما ترونني الآن.

ولد فرانكلين في بوسطن وتحديدا في مستعمرة مساتشوسيس يوم السابع عشر من كانون الثاني يناير من عام ألف وسبعمائة وستة. جاء والده إلى أمريكا من إنجلترا، وفتح دكانا يبيع في الشموع والصابون.

كان فرانكلين يحب المطالعة، ولكنه لم يجيد الحساب، أراد والده إرساله للتعلم، ولكن عدم تحمله مصاريف الدراسة جعله يخرجه من المدرسة في العاشرة لعمل في صنع الشموع والصابون.

يبدو أنه ليس عملا سيئا.

كنت أكره رائحة الشحوم التي تصنع منها الشموع، ورائحة السوائل المغلية التي يصنع منها الصابون.

كان أخي الأكبر جيمس طابعا، وعندما أصبحت في الثانية عشرة ساعدني والدي كي أصبح تلميذا لديه، حتى يعلمني مهنة الطباعة.

كانت الطباعة في تلك الفترة مفتاحا للمعلومات، إذ كانوا يطبعون أشياء مثل الصحف والبيانات والتقارير والوثائق القانونية.

صيغ تعلم فرانكلين في عقد رسمي مدته تسعة أعوام. حتى بلغ الحادية والعشرين.

كان عملا شاقا تعلمت المهنة خلاله بسرعة وبراعة، ولكن جيمس عاملني كالعبيد. حتى كان يضربني.

رغم هذه الظروف القاسية، أبدى بنجمين في السادسة عشرة من عمرة كثيرا من الاحترام والخيال، اللذان رافقاه طوال حياته. عندما أصدر أخيه صحيفة نشر فيها مقالات يرسلها القراء، تحمس فرانكلين لفكرة نشر مقالة يكتبها بنفسه، ولكنه أدرك بأن جيمس لن ينشر أي شيء يكتبه. ولكنه حل هذه المشكلة بزج مقالته سرا من تحت باب المطبعة بعد توقيعها باسم مستعار هو فاعل خير صامت.

ذكي جدا.

أعتقد أن هناك عدة سبل للإبداع.

وأخيرا ضاق ذرعا بسوء معاملة أخيه، فقرر الفرار قبل انتهاء فترة تعليمه.

تعلمت خلال خمس سنوات كل ما أمكن عن مهنة الطباعة، كما جمعت مبلغا بسيطا من المال، وكانتلدي أفكار طموحة للقيام بها وحدي، خصوصا وأني أصبحت في السابعة عشرة.

قررت البحث عن مستقبلي في نيويورك ولكني لم أجد عملا هناك لهذا توجهت إلى فيلاديلفيا.

مدينة أخيه الحبيب؟

هذه سخرية بعد كل المشاكل التي كانت مع أخيه.

مشيت مسافة تقارب خمسين ميلا في أجزاء من نيوجرسي، وبعد ذلك ركبت زورقا لبقية المسافة. وصلت إلى فيلاديلفيا وليس معي سنتا واحدا، ولكني عثرت هناك على عمل كمساعد في مطبعة.

نجح فرانكلين رغم حداثته في فيلاديلفيا، وقد عثر أخيرا على شريك أقام معه مطبعة خاصة.

أول عمل قمت به هو طباعة الأوراق النقدية لبنسلفانيا. وأخيرا أصبحت الطابع الرسمي لجمعية بنسلفانيا، ومنها إلى مستعمرات ماريلاند ونيوجرسي وديلاور المجاورة.

ثم بدأ فرانكلين بطباعة بنسلفانيا غازيت، وهي صحيفة أخذت تنتشر في أرجاء المستعمرات. وهكذا أصبح شخصية محترمة لها نفوذها.

أثناء عمله في الطباعة أخذت طبيعته الإبداعية تجد متنفسا آخر. من بينها رغبته الشديدة في تقاسم الأفكار والمعلومات.

أطلقت ناديا أسميته جونتو، وذلك بهدف مناقشة أفكار أخلاقية وفلسفية وسياسية، إلى جانب شؤون الأعمال.

أقام فرانكلين مكتبة اشتراكات انطلاقا من أعضاء الجونتو، يدفع كل من ينضم إليها رسما، ليستعير بالمقابل الكتب التي تشتريها الكتبة. من هنا نشأت شركة مكتبات فيلاديلفيا.

هل تعني أن فرانكلين اخترع المكتبات؟

أقيمت المكتبات منذ ما يزيد عن ألف عام، ولم تكن جميعها خاصة. ولكن الكتب في أمريكا كانت باهظة الثمن، لا يستطيع شراءها إلا الأغنياء، فكانت هذه أول مكتبة عامة في المستعمرات الأمريكية، سمحت للمستوطن العادي الحصول على كتب من مختلف الأنواع.

أي أنه لم يخترع المكتبة، بل توصل إلى طريقة مختلفة في استعمالها.

يبدو أن الاختراع يتخطى حدود الأشياء والآلات.

آمنت بضرورة تحسين الناس لأوضاعهم عبر التعليم، وبعد ذلك يطبقون ما يتعلمونه لتصبح حياتهم أفضل، وحياة العالم أفضل. لهذا بدأت بنشر تقويم رتشارد المسكين.

من هو المسكين رتشارد؟

وما هو التقويم؟

رتشارد المسكين هو شخصية اصطنعها فرانكلين، والتقويم هو كتاب ينشر مرة في العام ويحتوي على تقويم ومعلومات حول مواضيع مثل مراحل المد والجزر ومراحل القمر ومواسم المحاصيل والمناخ.

كنت كثير الاهتمام بالمناخ وقد درسته عن قرب. حتى أني طاردت الإعصار القمعي على حصاني مرة لمعرفة سبب دورانه بهذه الطريقة. حاولت في التقويم أن أتوقع المناخ.

أثار فرانكلين عدة تساؤلات حول المناخ، وقد أدرك أن قدرته على توقع المناخ ببعض الدقة سيعود بالنفع الكبير على الجميع وخصوصا المزارعين. كان من أوائل الأمريكيين الذين أجروا دراسات علمية مكثفة في محاولة لإيجاد عناصر تؤثر في المناخ.

استعنت بشخصية المسكين رتشارد كوسيلة لإسداء النصائح، عبر مجموعة من المقولات والأمثلة الشعبية التي شملتها في التقويم.

تحولت الأمثلة والأقوال التي جمعها إلى جزء من الثقافة الأمريكية، ومنها مثلا..:

لا يوجد أي مكسب، بدون ألم.

و..:

النوم والصحو باكرا ضمانة للصحة، والثروة، والحكمة.

سمعت شيئا كهذا.

نشر فرانكلين تقويمه سنويا من عام ألف وسبعمائة واثنين وثلاثين إلى عام ألف وسبعمائة وثمانية وخمسين. حتى قيل أن الناس في المستعمرات كانوا يقرءون رتشارد المسكين أكثر من أي كتاب آخر باستثناء الإنجيل.

وكأنه الأكثر مبيعا.

كانت منجم ذهب لفرانكلين، ولكنه لم ينشرها من أجل المال وحده، بل اراد مساعدة الناس أيضا. قام فرانكلين بعدة أشياء لجعل فيلاديلفيا أفضل مكان للعيش.

نسقت مجموعة حراس مأجورة تقوم بدوريات ليلية في المدينة. حتى أني أقمت أول شركة إطفاء فيها، ولم يكن لديها إلى دلاء من المياه لتمريرها بين الرجال. كما أقمت شركة تأمين ضد الحرائق. وكثيرا ما قلت أن درهم وقاية خير من قنطار علاج.

يبدو أنه كان حلاّل مشاكل حقيقي.

أعتقد أن هذا ما يفعله جميع المخترعين فهم يحلون المشاكل بطريقة أو بأخرى.

مع أنه كان في البداية بعد. قدم فرانكلين اقتراحا بتعبيد شوارع فيلاديلفيا وتنظيفها.

تنبهت إلى أن تماسك المجتمع وعمله المشترك، سيعود على المواطن العادي ببعض الفوائد والخدمات التي لا ينعم فيها إلا الأثرياء وحدهم.

وقد جاء بفكرة إنشاء أكاديمية تولت إلى جامعة بنسلفانيا، وبعد سنوات قليلة ساهم بتأسيس أول مستشفى أمريكي في فيلاديلفيا.

حين تحسن للآخرين، تحسن لنفسك أيضا، فالأشياء التي تؤثر في المجتمع تؤثر على جميع من فيه.

في مجال آخر من اختراعاته العبقرية كرس فرانكلين اهتمامه بمسألة هامة تتعلق بالتدفئة المنزلية.

رأى فرانكلين أن غابات بنسلفانيا تقطع من أجل الوقود، ثم تنبه إلى أن المواقد تبدد غالبية الحرارة الناجمة عن حرق الأخشاب.

اخترعت مدفأة على الخشب توضع في وسط الغرفة لتوزيع الحرارة من حولها، فتضمن مزيدا من الدفء، بكمية أقل من الوقود.

وهكذا ولدت مدفأة فرنكلين الشهيرة التي أضيفت إليها بعض التعديلات واستمرت بتدفئة المنازل الأمريكية لمائتي عام. وما زال تصميمها الأساسي قائما حتى اليوم.

لا شك أنه جمع ثروة هائلة منها.

ما يثير الدهشة بفرانكلين كمخترع هو أنه لم يحصل على براءة في أي اختراع توصل إليه. وكأنه لم يسع إلى جمع المال.

فكرت على الشكل التالي: أستخدم يوميا أشياء كثيرة مما اخترعها الآخرين دون أن أدفع ثمنها، فلماذا أجبر الناس على دفع ثمن أفكاري؟ يكفيني التمتع بتقديم المساعدة للآخرين.

عام ألف وسبعمائة وثمانية وأربعون أدرك فرانكلين أنه بحالة مالية آمنة. فقرر بيع المطبعة وتكريس بقية حياته للتجارب والأبحاث.

قررت أن أصبح أستاذ عصري. كثيرا ما قلت أني أفضل العيش مفيدا وأموت غنيا.

لا شك أن هذا الرجل فريد من نوعه.

طبيعة فرانكلين الفضولية دفعته لإجراء البحوث والتجارب على قوة مدهشة غامضة، تعرف باسم الكهرباء.

لم يعرف الكثير عن الكهرباء في بداية القرن الثامن عشر. ولكن أبحاث فرانكلين غيرت هذا الواقع وساعدت في إعادة بناء العالم.

قلة من العلماء كانوا يتعاملون مع الكهرباء جديا في عصر فرانكلين.

بما أنهم لم يدركوا حقيقة ما يتعاملون به من صدمات كهربائية، كان المجربين مثل فراكلين يعرضون أنفسهم لمخاطر يجهلونها.

أجريت مئات التجارب، مرة بعد أخرى سجلت فيها بدقة وحللت النتائج.

يتحدث كالعلماء فعلا