الصحراء

سنخرج في هذه المادة بجولة في الصحراء، وسنوجه الكاميرات على المشهد العام، وعلى النباتات، وعلى حيوانات صحراء سونورا.

الصحراء، بكل واحاتها، وكثيب الرمال فيها، صحراء سونورا، ووديانها، وصبارها البالغ من العمر مئة عام. كلها تبعث على الاثاره.

مساحات كئيبه، وشاسعة من الاراضي، تسلط عليها شمس حارقه...

هناك شيء من الواقع في هذه الصوره، الا انها لا تعكس الحقيقة كامله، لان بعض المناطق الصحراوية خصبة لدرجة مدهشه.

نقطة التوافق بين جميع الصحارى هي انها جميعا قاحله. ولا تكاد تتلقى اكثر من خمسة وعشرون سنتيمترا من المطر سنويا. هناك عناصر كثيرة تساهم في شح المطر هذا. اولها ان الصحارى تقع على خط تصيبه الرياح الجافة.

والحقيقة ان التيارات القادمة من المناطق القطبية جليديه، فتبرد العواصف التي تضرب الشواطيء الغربية لهذه المناطق. علما انه كلما بردت العواصف، كلما قل ما تحمله من رطوبه. فهي بارده، كتلك الرياح التي تعصف بشمال افريقيا مثلا، فتبقي على ظروف اكبر صحراء في العالم، وهي الصحراء الكبرى.

كما توجد بعض الصحارى في اواسط القارات بعيدا عن مصادر المياه الكبرى، وهي المحيطات. احد الامثلة على ذلك نجده في صحراء غوبي، التي تمتد عميقا في قلب القارة الاسيويه.

الجبال هي حواجز فاعلة اخرى ضد انتشار الرطوبه. الرياح الرطبة مثلا، تضرب جبال روكي حين تدخل القارة الامريكيه. وبما انها ترتفع كي تعبر الجبال، تبرد.

تتجمد الرطوبة التي تحملها هذه العواصف وتنطلق على الجانب الغربي منها. على شكل مطر وثلوج. الهواء الذي يغني الجانب الاخر من الجبال، خالي من المياه، يجفف الوديان، ليسهم في وجود الصحارى الامريكيه،بما في ذلك صحراء سونورا.

الى جانب الجفاف، تتقاسم الصحارى ميزة اخرى، وهي الحرارة البالغه. وجود جزيئات من المياه معلقة في الهواء، عادة ما يخلق درعا واقيا يصفي اشعة الشمس. اما في المناطق الصحراوية فمستوى الرطوبة منخفض جدا، لتخفض من كثافة اشعة الشمس.

في الصيف يمكن ان تصل حرارة الهواء الى خمسة واربعين درجه. كما تتتخطى حرارة الارض احيانا السبعون درجه مئويه. اضف الى ذلك ان غياب طبقة الرطوبة في الهواء تسبب انخفاض الحرارة المتراكمة طوال اليوم مع هبوط الشمس مباشرة. فبعد يوم حار خلال النهار يمكن ان تنخفض درجة الحرارة عشرة درجات مع حلول الليل.

مواسم الشتاء والصيف تتغير جذريا في الصحارى. ففي الشتاء مثلا، قلما تتلقى صحراء سونورا التي تشمل الحدود الغربية بين الولايات المتده والمكسيك، كميات من المطر، او حتى الثلوج.

هذه الامطار تعزز مستوعبات المياه. ولكن مع حلول الربيع عندما يطول النهار ويقتضب الليل، يعود الجفاف الى السطح. وفي اواسط الصيف تتراكم كميات من الغيوم الناجمة عن اجتماع الهواء الساخن القادم من الصحراء والهواء البارد القادم من الجبال، لتتجمع في السماء.

وعادة ما تنفجر هذه الغيوم بعواصف رعدية عنيفه. الا ان الشتاء يحمل القليل من المياه فيفشل في ترطيب الارض العطشاء.

تتميز صحراء سونورا بطوبوغرافية فريده. فهي مساحات طويلة ومنخفضه محاطة بسلسلة من الجبال. هذه الطوبوغرافيا المتأثره باحوال الطقس في المنطقه، تقطنها كائنات متنوعه، عادة ما تسكن السهول الحارة والجافة، او الجبال الباردة والرطبه. كل من هذه المناطق يخص نباتات وحيوانات مختلفة ومتنوعه.

من ناحية اخرى يمكن لنفس النوع من الطقس ان يؤدي الى طبيعة ارضية مختلفه، حسب التشكيلات الجيولوجية التي تتأثر بها. ما يعرف بالصحراء المرسومة شمال شرقي اريزونا مثلا، تتشكل من تلال قاحله، والنباتات غير موجودة نهائيا في هذه الصحراء.

تتشكل تلال هذه الصحراء من صخور ترسبية جافه، وغنية بالطين ذو الاصول البركانيه. حين يتعرض هذا الطين للرطوبة يصيبه التشقق الذي يقضي على اشكال الحياة فيه.

وهذا ما يحول دون تمكن النباتات من غرس جذورها، سوى بعض العليق والاعشاب التي تتمكن من البقاء على قيد الحياة.

رغم غياب النباتات، تحتفظ الصحراء المرسومة بجمال طبيعي خلاب. فتلالها ذات الاطراف المترامية تعكس الوان تدهش الناظر.

تعود الوان قوس قزح هذه الى العديد من مركبات المعادن في الصخور، ومن بين هذه المعادن اكسيد الحديد والمنغانيز. فتنعكس الالوان تدريجيا بين البرتقالي الاحمر، وحتى الرصاصي.

الاسود والرمادي يأتيان من مواد حيوانية ونباتيه، اما الابيض فيحتوي على الجيبسون، وهي املاح بيضاء كالثلج.

بشكل او بآخر، تغطي الصحارى ما نسبته اربعة عشر بالمئه من سطح الارض على هذا الكوكب.

الصحراء الشرقية هي واحده من المناطق الاكثر عزلة في العالم.

الطاقة السنوية للشمس في الصحراء تستطيع ان تبخر مئتي ضعف المعدل السنوي للامطار.

صحراء سانورا ليست قاحلة لهذا الحد. حتى يمكنك ان تصفها بالخصبه، لانها تأوي اكثر من الفين وخمسماية نوع من النباتات.

سخاء وتنوع حياة النباتات التي تمكنت من الازدهار في اماكن معزولة كالصحراء، تثير الدهشة فعلا.

والحقيقة ان هذه النباتات طورت تقنيات البقاء على قيد الحياة للتأقلم مع الطقس الصحراوي القاسي. بعضها ينتصر على الظروف الصعبة بمجرد تجاهلها. هذا هو حال النباتات الموسمية كالبرقوق، الذي تنام بذوره حتى تجهز الظروف الملائمة كي تنبت.

بعض البذور الموسميه، يمكنها ان تنام لعدة اعوام. ولكن حالما تكون ظروف نموها جاهزه، ينهض العديد منها من التراب.

نباتات اخرى كحال الاوكوتيلو، تسقط اوراقها حين يجف التراب. ولكن بعد سقوط المطر تظهر كميات من اوراق اوكوتيلو الصغيرة على اغصان النباتات الشائكه. حسب وتيرة سقوط المطر، يمكن للاوكوتيلو ان يمر بعدة مراح من التورق على مدار العام.

البالو فيردي، مغطى ايضا بأوراق صغيرة خضراء تماما كالاوكوتيلو، وهي تسقط مثله ايضا حين يجف التراب. ولكن رغم عرائها، وبفضل الكلوروفيل الذي في سيقانها، تستمر البالو فيردي بالحصول على غذائها من خلال عملية الاعتماد على الضوء.

بعض الصبار، كما هو حال الاغاف، يأتي بأسمه من انسجته السميكة والاسفنجية المشبعة بالماء. هذه الانسجة الفريدة من نوعها، تستطيع ان تحمل كميات كبيرة من الماء.

الغشاء الخارجي للنباتات مغطى بمادة شمعيه تحول دون تبخر هذه المياه. يجمع الاغاف كل ما يمكنه من مياه، عبر نظام من الجذور السطحيه.

يحتفظ الكاكتوس بكميات المياه في سيقانه وافرعه، وليس في اوراقه. والحقيقة ان ليس لهذه النبتة اوراق، بل جداول مغطات بالشوك. وتستخدم هذه الدروع الشوكيه، لصد عدوان الحيوانات العطشه.

تبلغ انواع الكاكتوس في القارة الامريكية ما يزيد عن الف نوع في اشكال ومظاهر مختلفه.كاكتوس البراميل مثلا لا يملك الاذرع، وينمو جانبيا، بدل نموه نحو الاعلى.

اما فاكهة الصبار بالمقابل فهي تنمو بأشكال ثلاثية تنتهي اذرعها بسلاسل طويلة متدليه مغطاة بذقن من الشوك الذهبي. فروع الشوك تتحطم بسرعه، لتلتصق بسهولة بكل ما يلامسها.

الاغصان التي تسقط تنبت جذورا حيثما وقعت، لتصبح نبتة جديده. يتوالد صبار التادي بير، وهو من فصيلة فاكهة الصبار ايضا ، بالطريقة ذاتها.

صبار الاجاص يحمل هذا الاسم لان اوراقه الشائكة على شكل الاجاص.

الا ان اكثر الصبار شيوعا واستقامة في صحراء سونورو، هو صبار ساغوارو. عادة ما يصل ارتفاع الساغوارو الناضجة الى ما يقارب الخمسة عشر مترا. وهي اشبه بشمعدان عملاق بالنظر الى اذرعها وطولها الفاره. من بين عشرات ملايين البذورالتي تنتجها شجرة الساغوارا طوال حياتها، هناك احتمال واحد بأن تتمكن احداها من التحول الى نبتة تبلغ سن النضوج.

اما التي تتمكن من البقاء على قيد الحياة فهي عادة ما تحتمي بظل شجرة اشبه بالبالو فيردي. تنمو الساغوارا ببطء شديد، فهي لا تحمل الزهور او الفاكهة حتى تبلغ الخمسين عاما من العمر. وحين تبلغ الخامسة والسبعين تبدأ فروعها الاولى في الظهور. وعادة ما يبلغ معدل عمر الساغوارا بين المئه وخمسين والمئتي عام. الجذع اللحمي للساغوارا مغطى بالاخاديد.

هذا الشكل المشابه للاكورديون لا يبدو هكذا اثناء مرحلة التوسع، كما انه يزداد عمقا حين ينقبض في مواسم الجفاف.

حين تمتليء بالماء، يمكن للساغوارا الناضجة ان تزن اكثر من ثمانية اطنان. لتحمل هذا الوزن الهائل، يعتد وسط النبتة بقفص من الاخشاب الكفيلة هذه الاوزان.

بفضل قدرتها الفريدة على تخزين المياه يمكن للساغوارا ان تحتمل عامين دون سقوط المطر. وهي تتمكن من ذلك بفضل اقفال مساماتها طوال النهار، التي عادة ما تستخدم من قبل النباتات، لتبادل الغازات اثناء عملية الغذاء. الا ان الساغوارا تفتح مساماتها اثناء الليل، لتدخل عبرها ثاني اكسيد الكربون.

تفاعل العملية الغذائية لا يتم حتى اليوم التالي، حين تصبح الطاقة الشمسية في متناولها. ثم تنتظر النبتة حتى حلول الظلام كي تطلق الاوكسجين الذي ينتج عن عملية التنفس.

طورت نباتات الصحارى اساليب عبقرية متعدده للتعايش مع الشروط القاسية التي تكلفنا نحن معشر البشر جهودا مضنيه.

يعتقد خبراء الزراعة ان الميسكيت، وهي شجرة صحراوية خضراء، يمكن ان تتحول في المستقبل الى غذاء بشري. فثمارها تجمع بسهوله كما تنتج زهورا من انواع ممتازه. لهذا ربما نلجأ يوما لزراعة الصحراء. اما في الوقت الحالي، فأن نباتات الصحراء تغذي عشرات الانواع من الحيوانات.

سكون مفجع يسيطر تماما تحت اشعة الشمس الصحراوية الحارقه. والحقيقة ان الكائنات التي تسكن الصحراء تتميز بهدوئها وسكينتها، كما تظهر للعلن بأقتضاب. ففي الصحراء لا يتجول المرء كثيرا، لان أشعة الشمس لا توفر احدا. يتم الصيد في الليل، او عند الفجر والغروب، حين تكون درجة الحرارة ابرد.

ربما كانت القوارض الاكثر جهوزية للعيش في الصحارى. فحراشيفها او ما يعلو جلدها من قشره، يحميها من الجفاف. والسلحفاة مثلا تستفيد من العازل الذي تتمتع به صدفتها.

كما ان الصدفة تحميها من الهجمات المفاجئة للحيوانات المفترسه. يمكن لسلحفاة الصحراء ان تشرب كميات هائلة من الماء، حين تجدها. فتزيد وزنها بنسبة ثلاثين بالمئه. المياه التي تخزنها، تؤخذ من النباتات التي تتغذى عليها، وهي تخزنها في الاوعيه.

السحالي هي اكثر القوارض الصحراوية شيوعا، وهي حيوانات ذو دم بارد. لا بد لها ان تتنقل بين الظل والشمس كي تحافظ على درجة الحرارة في جسمها.

غالبية السحالي ليست سامه، اما الغيلا المتوحشة فهي الشواذ. بحراشيفها البراقة والملونه، تعض وتهاجم ضحيتها لتغمد انيابها وتبث السم الممزوج باللعاب في الجرح .

لكن لا داعي للخوف من الغيلا لانها بطيئة وشديدة الخوف.

استعمال السموم هي احدى السبل الفعاله، بالنسبة للحيوانات المفترسه. اما قمة الكفاءة في هذه التقنية فهي لدى الافاعي. لهذا الثعبان فك متحرك يساعده على ابتلاع ضحايا عادة ما تكون اكبر منه حجما.

زوج من الانياب الطويلة والحاده تتدلى من فكه الاعلى، تخرج السموم من غدد خلف عيني الثعبان، وهي تنساب عبر تجويفات الانياب لتحقن في الضحيه. تعتبر هذه السموم عنيفة جدا، فعندما تدخل الى مجرى الدم تتوجه الى جهاز التنفس لتوقفه تماما.

بعض الثعابين كالافعى المجلجله، تمتلك اعضاءا تمكنها من اكتشاف وجود الضحيه، اذ لديها تجويفات على جانبي انفيها. تغطي جدران هذه التجويفات اغشية حساسة تجاه الحراره.

تمر الحرارة التي تطلقها الضحية على شكل اشعة تحت الحمراء عبر الفتحات حتى تصل الى الغشاء، الذي يتمكن بدوره من تحديد مكانها بمجرد بضع درجات، وحتى ثلاثين سنتيمترا. يمكن للافعى ان تحدد حجم الضحية كما واتجاه حركتها.

حين يهددها الخطر، تؤدي حركة عشوائية من اعصابها الى تحريك نهاية ذيلها.

يتشكل نهاية ذيل الافعى من مجموعة من اسطوانات جافة ومجوفة من الجلد. حين تحرك الافعى ذيلها، تحتك الاسطوانات المتماسكة بين بعضها البعض.

يؤدي ذلك الى ان تصدر صوتا مجلجلا حملت الافعى المجلجلة اسمها تيمنا به.

على خلاف القوارض، تحتاج الثديات من ذوات الأجسام الحارة الى الماء للاحتفاظ بحرارة اجسادها. فأر الكنغارو، هو نموذج عن الحيوان الصحراوي المتأقلم. فنظام هضمه وتبويله يساعداه على البقاء حيا بأستهلاكه ما يحتاجه من ماء مما يأكله فقط.

البيكاري هو نوع اخر من الثديات، وهو الخنزير البري الوحيد في الولايات المتحده. يتغذى على الاعشاب. وهو يحفر الارض بحثا عن الاعشاب الرطبه والحبوب والبذور. وعادة ما يكون مصدر غذائه وشرابه من الكاكتوس، الذي يأكله بعوده وشوكه كاملا.

يبعث البيكاري مادة تتميز برائحة قوية تسمى بالقناع. وهو يغعل ذلك لتحديد المنطقة التي يعتبرها ملك له. ذلك ان رؤيته ضعيفه، فتساعده هذه الرائحة في التعرف على القطيع والانضمام اليه.

تسكن في الصحراء اعداد من الطيور المولودة هناك او الزائرة ، فنقار الخشب مثلا يبني عشه في كاكتوس الساغوارا. لانه بارد في النهار، ودافيء في الليل. لهذا يعتبر الكاكتوس ، ولاية الطيور في اريزونا.

فهي عادة ما تبني عشها في الفروع الشائكة لأشجار الكاكتوس.

تحلق الصقور صاحبة الذيل الاحمر فوق مناطق امريكا الجنوب غربية، متأثرة بأعمدة الهواء الساخن، لتتأملها جيدا بحثا عن الطعام. وتعتبر الطيور والقوارض الصغيرة اطباقها المفضله.

عابر الطرقات، ذلك الطير الذي جعلت منه الرسوم المتحركة الاكثر شهرة، قلما يطير، فهو يفضل الركض اكثر. وهو قادر على التحرك بسرعة قد تصل الى الخمسة وعشرون كيلومترا في الساعه، لهذا يمكنه الامساك بالحشرات والسحالي.

اخذا بعين كل ما سبق، نستطيع القول ان الصحراء القاحلة كما تسمى ليست خالية تماما كما نعتقد.

والان امل ان تكون روائع صحراء سانورا قد جعلتك اكثر وعيا لاهمية حماية البيئه