يترك الأجداد آثاراً تخلد حضارتهم وإنجازاتهم ، والشعر الجاهلي هو تراثنا العربي وهو الأثر العظيم الذي تركه أجدادنا لنا ويقول بن الإسلام يقول ابن سلام: "وكان الشعر في الجَاهلية عند العرب ديوان علمهم ومنتهى حكمهم به يأخذون وإليه يصيرون" ، فإن الشعر عند العرب له منزلة تفوق منزلة الأبنية والآثار الأخرى ، ورغم إهتمام العرب العظيم بالشعر إلا أننا لم نقف على محاولاتهم الأولى وبداياتهم في كتابة الشعر، وماوصل إلينا هو فقط شعر سليم الوزن وتام ، ومن العجيب أنهم قلما دونوا الشعر في العصر الجاهلي ولكن كان الحفظ هة الوسيلة لحفظ وتداول الشعر ، وحاول بعض العلماء الإجتهاد لمعرفة نشأة الشعر العربي وقال بعضهم أن شعراء العرب عندما سمعوا حوافر الإبل قلدوها وصنعوا الأوزان الشعرية ، وقيل أن أصل الأوزان الشعرية هو السجع الذي تطور بعد ذلك إلى الرجز ثم انبثقت منه البحور الشعرية الأخرى وهكذا

والدليل على قدم الشعر الجاهلي قول امرؤ القيس مثلاً :

عُوجَا على الطّلَلِ المُحيلِ لَعَلَّنَا ** نَبْكِي الدِّيَارَ كَمَا بَكَى ابنُ حِذَامِ

فهنا يقول امرؤ القيس أن ابن حذام بكى قبله الديار ولم يصلنا من شعر بن حذام شئ ، وأبيات مشابهة تقر بقدم الشعر لعنترة وغيره

ووصلت إلينا بعد ذلك أشعار المهلهل بن ربيعة وامرئ القيس وغيرهم من شعراء الجاهلية، فأول من قصد القصائد وأكثر من قول الشعر الذي وصل إلينا هو المهلهل بن ربيعة التغلبي الرَّبَعِي، وعلى هذا تكون قبيلة ربيعة هي أول قبيلة عرف فيها الشعر، ومن شعراء هذه القبيلة في العصر الجاهلي: طرفة والحارث ابن حلزة والأعشى وعمرو بن كلثم. والشاعر الثاني الذي يلي المهلهل في القدم امرؤ القيس وهو شاعر قحطاني أصله من اليمن ولكنه عاش في نجد بين القبائل العدنانية، وشعره أقدم شعر جيد.

والقبيلة الثانية هي قبيلة قيس فقد اشتهر من شعراء هذه القبيلة في العصر الجاهلي عدد كبير منهم النابغة: الذبياني والنابغة الجعدي ولبيد بن ربيعة. وتأتي قبيلة تميم في الدرجة الثالثة فالشعر العربي نشأ ونقل عن هذه القبائل الثلاث، وهذا لا يمنع أن تكون قبيلة مضر بجميع فروعها تقول الشعر، وأن القبائل العدنانية والقحطانية فيها شعراء في العصر الجاهلي.

ومواطن نشأة الشعر الجاهلي بلاد نجد والحجاز والبحرين (شرقي الجزيرة العربية)، أما اليمن وعمان فلم تكونا موطناً لنشأة الشعر العربي؛ أما اليمن فكانت لغته في الجاهلية اللغة الحميرية، وأما عمان فكان يخالط سكانه الفرس والهنود.

ومن خلال تتبعنا لنشأة الشعر واكتماله يظهر لنا أن امرأ القيس هو رائد الشعر الجاهلي، لأن شعره هو أول شعر قوي مكتمل يتناقله الرواة.

وقد عاش امرؤ القيس في النصف الأول من القرن السادس لميلاد المسيح ويأتي بعد امرئ القيس من الشعراء المشهورين الحارث بن حِلِّزَة اليشكري البكري الرَّبَعِي. ويلي الحارث بن حلِّزة عمرو بن كلثوم، وبرز عنترة العبسي بعد عمرو بن كلثوم، ويلي عنترة زهير بن أبي سُلْمَى؛ فقد ذاعت شهرته على رأس المائة السادسة لميلاد المسيح، واشتهر لبيد بن ربيعة العامري الذي أدرك الإِسلام. فهؤلاء الشعراء وغيرهم هم الذين وصلت إلينا أشعارهم، وكلهم قد عاشوا في العصر الجاهلي، وأقدمهم لا يتجاوز خمسين ومائة سنة، فتكون مدة العصر الجاهلي خمسين ومائة سنة