رينيه شار الشاعر المتوحد .. جوهري الكلمة

نهاد الحايك - بيروت
مجلة " افاق عربية " السنة الثالثة عشرة - حزيران - 1988


حياته

ولد رينيه شار في 14 حزيران 1907في " ايل - سور- لا- سورغ " وهي قرية صغيرة في منطقة فوكلوز الفرنسية ، حيث قضى اغلب ايامه ، ونهل من طبيعتها وحيه ومفرداته . على الرغم من الصعوبات المالية التي برزت عند وفاة والده عام 1918 تابع دراسته ، وأتم قراءات عديدة لشعراء رومنطيقيين - المان وفرنسيين - خاصة . نشر عام 1928 اول مجموعة شعرية بعنوان " اجراس على القلب " لكنه اتلف فيما بعد كل النسخ . عام 1929 وبعدما اتصل ببول ايلوار الذي سيبقى شار من اقرب اصدقائه ، جاء الى باريس والتحق بالحركة السوريالية .
قرأ رامبو والفلاسفة ماقبل سقراط . شارك بروتون وايلوار في وضع المجموعة الشعرية : " تمهـّل اشغال " وفي تحرير مجلة : " السوريالية في خدمة الثورة " وساهم بانتظام بنشاطات المجموعة . نشر عام 1934 مجموعة : " المطرقة بدون معلم " وهي تعكس تأثره بالسريالية ، ثم عاد الى " ايل - سور- لا- سورغ " .
اثناء الحرب العالمية الثانية انضم رينيه شار الى المقاومة ضد الاحتلال الالماني لبلاده ، تحت اسم مستعار هو " القائد الكسندر" وقد قال عن تلك المرحلة : " عانيت كثيرا من احتلال الالمان ، وصلفهم وكبريائهم وعجرفتهم ، الى ان قررت الانضمام الى صفوف المقاومة ، علما ان الامور السياسية لم تكن تستأثر بشيء من اهتمامي ، قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية " انذاك قتل العديد من رفاقه ، واصيب هو بجروح خطرة عام 1944. عامئذ استأنف النشر بعد توقف منذ عام 1939، وتتالت عدة مجموعات مهمة ( وحدهم باقون 1945، غضب وسر 1948،
الصباحيون 1950 ) لفتت اليه الصداقات : ( جورج باتاي ، البير كامو ، براك ، ماتيس ، نيكولا
دوستال ..) ووضع الفنان بيار بوليز موسيقى لمجموعته : " المطرقة من دون معلم " سنة 1955 السنة التي التقى فيها لأول مرة الفيلسوف مارتن هايدجر ، حيث نشأت بينهما صداقة ومراسلة متحمسة . في الستينات صدرت له مجموعتان ، هما : " الكلمة في ارخبيل " و" حضور مشترك " فرضتا نهائيا صوت الشاعر .
لكن سرعان ما أدرك رينيه شار ان الشعر هو مملكة من دون سلطان . كان يقول : " لايوجد شاعر، بل فقط الشعر ، ولايوجد مناضل .. بل قضية الانسان فقط " ولم ينخرط في أي حزب سياسي ، رافضا ان يحدد نفسه ضمن اطار ، لذلك ترك السوريالية والسورياليين . ترك باريس وعاد الى ينبوعه الاول " ايل - سور - لا- سورغ " ينشد البكارة الاولى والطهر وصدق الارض وجمالها ورموزها الغنية ، وانتهى عهد الانتماءات وانطفأت اصوات رفاقه القدامى ، ووحده ، مسكونا بارادة التوحد ، اختار " الداخل " حيث بامكانه أن يسكن من دون الاصطدام بزوّار غير مدعوين . عندئذ ظهر هاجس القوة : في الفعل ، والحب ، والكلمة ، زرع المغامرة والسؤال . في كل مسامه تشرّب كل ما هو نبات وجماد وحيوان ، واستلهم الليل والأشياء والعناصر والضوء والأرض .
عاد الى ينبوعه الاول فاتضح له العجب المولـّد من العلاقات الوثيقة بين الحياة والموت : " إبدأ بالوثوق من أن الليل ينتظرك دائما.." : " نحن عابرون ، نجدّ في العبور ، وفي فرض حرارتنا.."
واستدار شار صوب ذاته : يداه ممدودتان الى لامتناهيات معروفة منه وحده . منذ عام 1965 لم يخرج من عزلته في ايل - سور- لا- سورغ ، الا نادرا . غير ان هذه العزلة لم تبعده عن قضايا المجتمع الكبرى ، التي بمناصرته إياها ، كان يؤكد انتمائه الوحيد والنهائي الى الارض والانسان .
رفض الظلم الذي تعرض له الانسان في اسبانيا ابان العهود الملكية ، فغنى الثورة الاسبانية ، ودعا في قصائده الشعب الاسباني الى النضال في سبيل التحرر من قيود الملكية المتحجرة ، وظل يقدم دعمه المستمر لمناصري البيئة في حملاتهم ضد اقامة المنشآت النووية . وكتب قصيدة عام 1959 لمناسبة رحلة اول رائد فضاء سوفياتي حول الارض ، منبها فيها العالم الى أن الأرض تبقى الأهم في حياة الانسان ، فالفضاء خواء وفراغ ولاقيمة للانسان خارج حاضنته الاولى : الأرض .
نشأت بين رينيه شار ، وبين النحات جياكوميتي ، صداقة عميقة ولغة مشتركة . ذلك أن شار كان ينحت لغته الشعرية مثلما ينحت جياكوميتي منحوتاته ، التي تختصر بايجازه وحركاتها المرهفة كلاما كثيرا في فن النحت . هكذا رينيه شار : انه نحـّات الكلمة ، من غير تصنـّع . يقول ادق اللحظات الشعرية وأعمقها واكثرها تعبيرا ، بأقل ما يمكن من الكلام . شعره ايحاء .
نشرت اعماله الكاملة عام 1983 في مكتبة لابلياد - باريس ، وعام 1987 ، أي قبل سنة من وفاته ، تزوج رينيه شار من ماري كلود دو سان ، المسؤولة عن قسم الصحافة في منشورات غاليمار ( وهو بذلك يذكرنا ببورخس ، الكاتب الارجنتيني ، الذي تزوج هو الآخر قبل أشهر من وفاته ، من
رفيقته ماريا كوداما )

عالمه الشعري

هذا هو المناخ الذي يتفتح فيه رينيه شار على الأشياء والكينونة . ومغامرته ، كالشاعر رامبو ، تبدأ بحبور صباح ما : أمامنا وفينا يبدو العالم : يظهر بروعة براءة جديدة . واليقظة الصباحية تعني للأنا ، أي لذات الشاعر ، اعادة اكتشاف لماهيتها وبداية جديدة لها ، تعني التقاطا مفاجئا ومندهشا لجوهر هذه الأنا . تـُحدث اللحظة الصباحية قطعا بينها وبين اللحظات السابقة ، تصرف الوقت وتمحي الماضي . ان اول هبة من هبات اليقظة هي النسيان ، والخلاص من النوم البطيء والثقيل : انها مغامرة الصباح الأصلية يوردها رينيه شار في قصائده ، وجعل رجاله يعبرون عنها ، خاصة في كتابه " الصباحيون " .
شار لديه موهبة الاحساس بالاشياء او الحلم بها بصورة فورية : موهبة امتلاك الاشياء في شبابها ، في اللحظة الخاطفة التي تولد فيها ، وحيث يبدو لنا وجودها مشرعا على اللانهاية ، ولكن يجب معرفة اي اتجاه سينفتح نحوه هذا الوجود ، لأن اللحظة لايكفيها الظهور ولا الولادة ، بل يجب أن تستمر ، أي لا أن تبدأ فقط ، بل ان " تكون " باستمرار .
بعد الاضطراب الصباحي تتتالى ساعات متمهلة ، وأكثر امتدادا ، حيث لاينفجر الوقت ، بل يسيل . لكن شار ليس شاعرا " قـَبـْوِلاديا " وقليلا ما يهتم بالحنين . ويمكننا القول انه يعترض على اغراءات العاطفة ، ويرى وجوب الحفاظ على استعدادنا لأن نولد ، ونولد من جديد ، وأن نظهر بين الحين والحين مغسولين وجددا . ولعل اخطر مافي الوجود ان نترك شعورنا يشيخ ، ذلك أن الفرح مهما كان عارما مشتعلا ، يخفت اذا طال ، ونسقط في البلادة ، أي في شبه موت حي . أما دواء هذه الحالة فهو تحريك الوقت ، ومنعه من النوم ، واجباره على الولادة من جديد دون توقف . وبالتالي قتل اي محاولة اطالة . هذا المجهود يجب ان يـُبذل في قلب الفرح الحساس ، منذ لحظة الفرح الصباحية الاولى :

" رميت بكل ثقل رغبتي ، على جمالك الصباحي ،
كي ينفجر .. ويهرب "

هكذا تتهدم الصباحات الحقيقية ، وتقبل بالتلاشي ، وبأن لاتضيِء الا لحظة خاطفة عند الصباح ، لكي تحفظ لنا مستقبلا ناصعا مليئا بالحظوظ الصباحية . ان اولى مزايا الصباحيين هي العطوبية :" فما أن يغسلهم الفجر من همومهم ، ويمنحهم صحة وبراءة جديدتين ، حتى يتحطموا ويتلاشوا بعد ساعتين "
الكائن هو - في نظر شار ، كما في نظر ديكارت - نوع من الخلق المتواصل : هو واقع تعيد خلقه كل ثانية ، وتدعم واقعيته . سوى أن الفرق يكمن في أن الخالق الذي يجعلنا نستمر في الكينونة ، ليس هنا ارادة علوية مفارقة ، ننتظر اوامرها كالضحايا ، بل هي القوة الحية فينا: قوة الرغبة التي تدفعنا الى أن نتغير باستمرار ، وبتغيـّرنا، أن نغيـّر العالم المحيط بنا ، وأن نمنحه هبة اللامنتظر ،
وذخرا من البراءة ، والا لن يكون بين الانسان والاشياء اي علاقة ذات قيمة .يفضل شار ، على السير الدائري الذي يعيدنا الى نقطة البداية ، يفضل الخط المستقيم . في طريق
نمشي عليه من دون هدم . فقط لمجرد لذة الموت عند كل خطوة ، والولادة عند الخطوة التالية . هكذا تتقدم الحياة ، من رفض الى رفض ، ومن اكتشاف الى اكتشاف :

" الحاضر هو الموجود في الوسط ،
والمتعطش دوما الى السهم ،
وهو المرفأ الطبيعي لكل الانطلاقات .. "
هكذا يحدد شار ، بالحاح وقوة ، سلوك الحركة . ويتحدث بشاعرية فائقة عن تجذر هذا السلوك في الاحلام الجديدة الناقد جورج مونين ، حيث لاحظ ميل شار الى الانهار والمياه الجارية ، فحركة مياه النهر هي صورة رائعة لزمن سيـّال وشفاف : كل ثانية تأتي بمياه جديدة ، وبنداوة لم يذقها احد بعد . ولعل ما يبهج هنا ، هو الاستعادة الابدية للحركة والوشوشة :

" ايتها الضفاف التي تنهار كالزينة ،
لتملأ كل المرآة :
ياحصى يتمتم فيه المركب ،
الذي يشد عليه التيار ويرفعه :
ياعشبة ، ياعشبة دوما مسحوبة ،
ياعشبة بدون هدنة :
ماذا يحل بخليقتكِ في العواصف الشفافة ،
حيث رمى بها قلبـُها .. "

المياه الجارية هي بدون ذاكرة ، تغسلنا من كل ما كنـّاه ، وكل مرور لها يمحي المرور السابق . يقول شار عن قريته :

" السورغ تدحرج عقلي
على ادراج النسيان .."

هذه الحجارة ، وغالبا الحصاة الصغيرة المتلألئة في قعر المياه ، هي آخر آثار الحياة الجامدة ،لمعان قاس يصمد في قلب السيلان الشامل ، تاركا هذا السيلان يجرفه ، كأنما ليشهد بطريقة افضل على قوّته : ان سحر المياه الجارية يولد احلاما بكرا ، تعبـّر عنها هذه السطور لشار :

" بلمحة كانت تمحي الجبل ،
طاردة نفسها من منحدراته الام .
لم تكن فيضا يواجه مصيره .
بل حيوان لايوصف ، صرنا له الكلام والجوهر .
اي تدخل كان بإمكانه إرغامنا ؟
هرب البخس اليومي والدم المراق ،
أُعيد الى حرارته ، كنـّا وقد تبنانا الملح
وصـُقلنا حتى اللامنظور ،
كنا انتصارا لن ينتهي .. "

الريح ترتبط بالحجارة ، وبأقسى ما في الأرض ، لتقودنا رغما عنا الى " سهول الهواء ، والصمت الاوحد " وكما عند سان جون بيرس ، للريح عند شار مهمة اولى في خربطة الترتيبات القائمة ، وفتح افق حياة حقيقية ، ولكن هنا دون أن تبث فيها بذور أي خصوبة . فما يطير يساوي هنا ما هو غير ثابت وفوضوي : ان العبور الريحي يوقظ فينا ميلا فطريا الى الحرية ، وحاجة الى حريتنا وحرية الاخرين .
" اريد ان اكون لكِ الحرية ، وريح الحياة " هكذا يقول شار للمرأة المحبوبة ، لأن الحب هو بالضبط نوع من الهبوب الجارف الذي ، حتى لو كنا مخلصين ومتعلقين بشيء واحد ، يجددنا في العمق باستمرار. من هنا قسم العاشق لمعشوقته :

" بعيدا عنكِ
فليتحول جسدي الى شراع يكره الريح "

تبدو آثار شار اليوم ، كنضال مثابر ضد السهولة ، ولايملك حظوة التمتع بشعره الا القلة القليلة من القراء ، لأنه شعر متحصن بكثافة معانيه . فشار لم يكتب الا خلاصات الحالات والافكار والصور ، لكن هذه التعمية هي فلسفية اكثر منها شكلية . فالسرّ هو سر وقائي ، لا بل هو افضل من ذلك بالنسبة الى شار الذي يقول : " ان السر هو نعمة حقيقية " .
كان رينيه شار دوما يستدرك ، يعيد النظر دوما، يعيد البحث في القصيدة ولانهائيتها . تشبـّع من المأساة الاغريقية ، ومن هيرقليط ، ومن نيتشة ، ومن آشيل وهولدرلن ، فاعطى الفلسفة قيمة معدن لا عيب فيه . اعاد اليها الشعر ، وغذاها بأوتار مجهولة ، وبجذور شمولية ، وكالكيميائي الذي يشتغل للأميرات ، ظل بلا انقطاع يصفـّي رمل النهر ..


مختارات

ليعش

هذه البلاد ليست الا امنية الفكر ، مضادا لقبر . في بلادي تـُفضل دلائل الربيع الرقيقة ، والعصافير غير المكسوة جيدا ، على الاهداف البعيدة .
الحقيقة تنتظر الفجر قرب شمعة .
زجاج النافذة مهمل : ما همّ المتيقظ ؟
في بلادي لاتطرح الاسئلة على رجل منفعل .
مامن ظل ماكر على الزورق الغريق .
لانعبر الا ما يـُرد مزادا .
اوراق ، اوراق كثيرة على اشجار بلادي ، والاغصان حرة بأن لاتحمل ثمارا .
لانؤمن بحرية المنتصر .
في بلادي نشكر .


................

العري الضائع

سيحملون الغصون ، اولئك الذين تعرف مكابدتهم ان توهن الليل الكثير العقد ، الذي يسبق البرد ويتبعه . تنال كلمتهم الوجودَ من الثمرة المتقلبة ، التي تنسلها وهي تتمزق : انهم ابناء حرام للحزّة والعلامة اللتين رفعتا الى المثابات دائرة جرة الانضواء المزهرة : هيجان الرياح ابقاهم عراة ، يطير ضدهم زغب اسود ..

.....................

اعلان عن الاسم

كنت ُ في العاشرة . كانت السورغ ترصـّعني ، والشمس تغني الساعات على ميناء المياه الوديع .
رسـّخ الطيش والالم الديك الحديدؤعلى سقف البيوت ، واحتمل احدهما الآخر ، لكن اية عجلة في قلب الولد المترقب كانت تدور اقوى ، كانت تدور اسرع من عجلة الطاحونة في حريقها الابيض ؟

..................

نصيحة الحارس

ياثمرة تنبجس من السكين .
ياجمالا طعمه الصدى .
يافجرا شدقه كماشة .
ياعشاقا يـُراد فصلهم .
يا امرأة ترتدي وزرة .
ياظفرا يحك السور :
غادروا ، غادروا ...

..............................

حضور مشترك

مستعجل انت للكتابة ،
كما لو كنت متخلفا عن الحياة :
اذا كان الامر هكذا واكب ينابيعك .
اسرع
اسرع في نقل حصـّتكَ من الخارق والتمرد والانعام .

فعلا انتَ متخلف عن الحياة ،
الحياة الفائقة الوصف .
الوحيدة التي تقبل الاتحاد معها :
تلك المرفوضة عنك يوميا من الاشخاص والاشياء ، والتي تحصل بشقاء عن نتف ناحلة منها هنا وهناك ، بعد صراعات ضارية .
خارجها كل شيء لايعدو كونه نزاعا خاصا ، ونهاية خشنة .

اذا صادفتَ الموت اثناء عنائك ،
استقبله كما العارق يجد المنديل الطري جافا بانحنائك :
اذا اردت الضحك قدم خضوعك ، لا اسلحتك اطلاقا .

انت خـُلقتَ لأوقات غير عادية .
غيـّر نفسك : اختف بلا اسف ،
حسب رغبة القسوة الخفيفة .

قطعة بعد قطعة تتواصل تصفية العالم ، بلا انقطاع :
بلا ضلال
ابعد الغبار
لن يكشف اتحادكما احد .

...................................


مرثا

مرثا ، يامن لاتستطيع هذه الجدران العتيقة امتلاكك : ياينبوعا تتمرى فيه ملكيتي الوحيدة :
كيف انساكِ وليس عليّ أن اتذكركِ ؟
انتِ الحاضر المتراكم : سنتحد دون ان نتلامس ، ولا ان نحتاط ، مثلما تعطي نبتتا خشخاش في
الحب زهرة شقائق عملاقة .
لن ادخل قلبك لأحدد ذاكرته . لن احتفظ بفمكِ لأمنعه من الانفتاح على زرقة الهواء وعطش الرحيل
. اريد ان اكون لك حرية الحياة وريحها ، التي تعبر عتبة كل يوم ، قبل ان يصبح الليل مفقودا .