يولد ملايين الناس ويموتون دوماً وقلة فقط هم الخالدين بسيرتهم وإنجازاتهم التي لاتموت بتناقلها بين الأجيال المتتابعة ! ، ومن سنتحدث عن قصته واحد منهم وهو مؤسس فن الجت كن دو (Jeet Kune Do ) وهو فارس فنون القتال بروس لي ، ورحلته مع فنون القتال تتعدى مانعرفه من خلال الأفلام البسيطة الغير مفهومة بالنسبة للملايين التي تركها بروس لي في حياته القصيرة ، ورغم قصر حياته إلا إنه يعد مثلاً للروح المقاتلة والثبات والكفاح من أجل المبدأ والرسالة ، كما أن قصته تحمل في طياتها عشرات الدروس المخفية التي يحتاجها كل من يواجه مشكلة في حياته من أي شكل ومهما اختلفت ماهيتها !


النشأة : ولد ( لي جان فان ) في مستشفي بالحي الصيني في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة ، ووفقاً للمعتقدات الصينية فلقد ولد في ساعة التنين ! ، بين السادسة والثامنة صباحاً وفي سنة التنين أيضاً ( 27 نوفمبر 1940 ) وعاد إلى الصين وهو بعمر ثلاثة أشهر ، لينشأ هناك نشأة تسببت في صناعة بروس لي ، في عمر صغيرة التحق بروس لي بمدرسة الماستر الراحل ( يب مان ) معلم فن الوينج تشن ( العبقري ) وهو فن من أروع وأعنف الفنون القتالية ، وهو الذي بنى عليه بروس لي فلسفته القتالية الجديدة كما هو واضح مع كل الإختلافات المعروفة في الفلسفة القتالية ، وكان بروس لي يتميز بروحه وإصراره وحدثت خلافات ونزاعات أدت إلى طرده من مدرسة الوينج تشن ، وقيل كثيراً أنه كان مشاغباً وسريع الغضب رغم شخصيته المحبوبة الجميلة ، وتسبب هذا في تورطه بقتال مع إبن رئيس عصابة خطيرة في هونج كونج ، وقد ضربه بروس لي ضرباً شديداً ، مما جعل والده يشعر بالخوف عليه من إنتقام المجرمين ، وقرر تهريبه إلى الولايات المتحدة ، كي ينقذه من المأزق الذي وقع فيه ، وبالفعل رحل بروس لي تاركاً هونج كونج وتوجه للولايات المتحدة ملبياً رغبه أبيه وأمه حاملاً معه أحلامه و100 دولار أميركي ، وقد أرسله والده لصديق قديم له يعيش بسان فرانسيسكو ويعد فترة غادر بروس لي إلى سياتل ليعمل لدى صديق آخر لوالده وكان إسمه ( روبي تشاو ) سنة 1959 تقريباً .


ورغم غربته والإضطهاد الذي يلقاه الصينيون ، قدّر بروس لي قيمة ( العقل ) والعلم والإستزادة منه والتحق بالثانوية ثم بعد ذلك أكمل في جامعة واشنطن ليحصل على دكتوراه في الفلسفة ! ، وكان هذا إنجاز رائع ساعد في رأيي في تكوين هذه العقلية ومساندة هذه الروح التي لاتقهر ، وفي خلال الدراسة تعرف على زوجته ليندا وتزوجا رغم معارضة الجميع في عام 1964


أنجب بروس لي طفلان ( براندون لي ) و ( شانون لي ) ولقد توفى براندون لي لاحقاً في ظروف غامضة وفي بداية عقده الثالث ، ويبدو وكأن هذا قدر متوارث من أبيه !!! ، وبقيت شانون لي على قيد الحياة وكلاهما كانا أبطالا في فنون القتال وصنعوا بضعة أفلام ، وبوسط معترك الحياة والكفاح وأثناء الدراسة بدأ بروس لي يعمل معلماً لفنون القتال ، وبدأ طلابه في الزيادة ولكن بروس لي ليس من الأشخاص الذين يحملون العلم وينقلونه كما هو وكأنه روتين أو حمل ثقل من مكان لآخر ، لا بل رأى أنه يستطيع التغيير في فلسفة القتال ويصنع ما هو أفضل ، ومن البديهي أن يحظى بهجوم عنيف من أساتذة فنون القتال فالكل سوف يقول من هذا الفتى الذي يزعم أنه ( سيغير ) فنون القتال للأفضل !!


وكما يعلم الكثير أن فنون القتال الصينية آن ذاك كانت تعمل بنفس الأسلوب القديم المتوارث منذ آلاف السنين حتى بعد طمس الحكومة الصينية الشيوعية لمعالم الكونغ فو الحقيقي خوفاً من رهبانه ومعلميه إلا أن بروس لي رأى أنه لابد من أن يتخلص المقاتل من الطريقة التقليدية ويعمل كي يكون أسرع وأفضل وأكثر فاعلية ، وكانت خلفيته في الوينج تشن في رأيي هي التي ساعدته في تكوين شكل عام أو مسار عام لطريقته في القتال JKD ، وباختصار اعتمد فيها بروس لي على ازالة كل التعقيدات والقيود من الفنون القتالية واستخلص منها ماهو مفيد وفعال ولم يجعل لها شكل معين أو ( فورم ) معين أو قيود معينة مثل باقي فنون القتال الصينية والغير صينية ، وهذه قمة العبقرية القتالية !!


وبمجرد الإنتهاء من حلمه بدأ في تطبيقه وتعليمه وواجه ماكان يتوقعه ، وأثبت للعالم كله عن طريق القتال ، أن فلسفته ناجحه وصحيحه ، وبدأت شهرته في الذيوع وبدأ فنه في الإنتشار


وفجأة وجد بروس لي ميتاً إثر نزيف في المخ عن عمر يناهز 33 سنة فقط ، وهو في قمة ثراءه ومجده وقوته ، ولكن موته أيضاً عبرة ودرس كبير ، أنه مهما بلغ الإنسان من قوة ومقدرة وعظمة وشهرة فإنه قد يموت بكل بساطة ، و لن يشفع له أي شئ عند الموت ، وإلى هذه اللحظة موته أكبر لغز وقيلت فيه روايات عديدة كلها محتملة


قيل أنه قتل بواسطة خبراء في الكونغ فو ، وهذا يفسر طريقة الموت العجيبة ، وقيل أنه سم إنتقاماً منه وقاتليه من داخل هوليوود ، وقيل أنه اغتيل من قبل قوة عالمية خفية أدركت مدى خطورته وخطورة عقله وأسلوبه في القتال إن تطور أكثر من ذلك ،حيث أنه كان رمزاً للثورة والوقوف ضد الجهل والظلم حتى الموت وبعنف عجيب ! ، والعديد من القصص ، ولكن على أي حال مات حاملاً سره معه إلى قبره تاركاً كنزاً عظيماً جداً يتلخص في ماخطته يداه وفنه الذي تركه ويكفي أنه حرر المقاتل من أغلال التقليدية وأطلقه إلى فضاء اللاحدود والقوة اللامحدودة للجسد والروح وبكل تأكيد العقل ، ويكفي قراءة تعليقاته ونصائحه التي ظل يدونها باستمرار ، لتدرك أنه جمع كل مفاتيح النجاح والعظمة إلا مفتاحاً واحدًا بكل أسف ، ولم يكن مجرد رجل عاش ليموت فقط وهو بشكل أو بآخر لايزال حياً في قلب كل مقاتل وكل محب لفنون القتال وفلسفتها ، وللأسف كم رجل يولد يحمل رسالة تغير أي شئ في أي شئ ، وحتى من يولدون هكذا كثير منهم يسقطون في نصف الطريق أوبدايته حتى وقلة هم من يكونون أسطورة ، والكل يبحث عن أسباب النجاح السحرية رغم أنه يراها بعينه في كل شخص مثل بروس لي في مختلف الأزمنة والعصور !