أمي زنوبة، الله يرحمها ويبشبش الطوبة اللي تحت راسها، كان عندها قدرة كبيرة «وعاء فخاري» بترمي فيها بعض الأشياء اللي ممكن تحتاجها بكره وكانت مسمية القدرة دي «بطرمان الخزين».
وأمي زنوبة، الله يرحمها، كانت أخت أمي هانم الكبيرة وكنت أوقات أسمع أمي بتقول لها «يا امه» وأنا كنت باحبها بجنون لأنها نافورة حنان وعطاء لا تتوقف ويمكن ده اللي ما خلانيش دققت معاها في عبارة -بطرمان- لأن البرطمان بيبقي مصنوع من الزجاج مش من الفخار علاوة علي إنها كانت بتقول «برطمان» مش برطمان وبرضه ما كنتش باصحح لها لأني كنت باحبها قوي وشايفها «كاملة الأوصاف» وما كامل إلا سيدنا محمد عليه وعلي أهله وأصحابه أفضل الصلوات وأزكي السلامات.
اليومين دول بس افتكرت «بطرمان الخزين» تبعي وأنا بصراحة ما عنديش أي خزين غير الشوية بتوع سبعينيات القرن العشرين، حيث يقع الحدث الأضخم والأهم في حياة مصر المحروسة اللي هو -الانتفاضة المجيدة- للطلبة المصريين
أنا شفت شباب الجامعة الزين
«أحمد وبهاء»
والكردي وزين
حارمينهم حتي الشوف بالعين
وفي عز الضهر مغميين
عيطي يا بهية علي القوانين
>
«أحمد وبهاء» دول هما أحمد عبد الله رزة وأحمد بهاء الدين شعبان، والاثنان من أهم وأبرز قيادات الحركة الطلابية وعشان كده لما كتبت عن جلال الجميعي اعتذرت عن احتمال نسيان أحد من هذه الكوكبة الرائعة من شباب مصر النجيب، وتحججت طبعًا بالزهايمر الذي حاول إبراهيم منصور أكثر من مرة إقناعي بأنه «مرض العظماء».. وبيني وبينك أنا ماعنديش دليل علي إصابتي بهذا المرض اللي ممكن اتعايق بيه مثلاً لأن ده المرض اللي بيقول فيه المتنبي:
ومن نكد الدنيا علي الحر أن يري
عدوا له
ما من صداقته بد
>
القصد.. أنا أول ما قالوا لي بهاء علي التليفون قلبي وقع في ركبي :
-يا نهار أبوك إسود - يا بو النجوم.. بقي يا حمار تنسي بهاء، وبهاء بالذات! أكيد بيتكلم عشان يعاتبني، بس تصدق إن دا حلو قوي؟ أول مرة ح أشوف بهاء واسمعه بيعاتب ويشكو من التجاهل!! أصله عمره ما عملها.. عمري ما شفتك يا بهاء إلا متحمس ومتفائل رغم هدوءك وحلمك الأرستقراطي الجميل وصلابتك الأسطورية وابتسامتك اللي تشبه شلالات النيل أيام الفيضان.
كان أحمد بهاء الدين عضوًا بارزًا في جامعة أنصار الثورة الفلسطينية في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وكانت جماعة أنصار الثورة الفلسطينية هي البؤرة التي تفجرت منها الانتفاضة المباركة لشباب مصر المحروسة في أوائل السبعينيات من القرن العشرين الماضي.
-آلو مين؟
- أنا بهاء يا عم أحمد..
- يا حبيب قلبي إنت فين يا بهاء؟.. إنت واحشني قوي..هو أنا ماباوحشكش!
-بتوحشني جدًا طبعًا رغم إني متتبعك يوميًا في الدستور.
قلت في عقل بالي «آه.. جينا للعتاب واللوم».
وقلت محاولاً التمهيد للاعتذار:
- معلش والنبي يا بهاء إذا كان فيه حاجة كده ولا كده أنا أصلي مزنوق اليومين دول في امتحانات زينب.
ضحك وقال:
- ياريت كل المزنوقين في مصر يكتبوا زيك يا عم أحمد.
قلت في عقل بالي «جينا بقي للتريقة» وأكمل:
-ربنا يخليك لينا يا عم أحمد دانت بالنسبة لنا الونس ومصدر التفاؤل والفرح في هذا الزمن الحزين.
قلت له وأنا مش مصدق نفسي:
- أنا كل دا يا بهاء؟
قال لي:
- وأكتر من كده يا عم أحمد.
-يعني إنت مش زعلان من اللي باكتبه في «الدستور»؟
- ضحك.. وقال : زعلان! دانت يا عم أحمد من الحاجات القليلة المفرحة في بلدنا الحزينة.
قلت له بارتياح حقيقي:
-طمنتني الله يطمنك.
وفوجئت ببهاء بيقول لي:
- طبعًا أنا مش ح أفكرك يوم 5 يونيو يبقي مرت سنتين علي رحيل زميلنا الدكتور أحمد عبد الله رزه.
يااااه ! بتجيب منين كل هذا الكم من الحب والعطاء للآخرين.. والله العظيم طول ما فيكي يا مصر يا محروسة عيال زي أحمد بهاء الدين شعبان ما يتخاف عليكي أبدًا.




بقلم أحمد فؤاد نجم

جريده الدستور