شخصيةٌ يندر مثيلها، وقد يستحيل أن يكون لها شبيه".. هكذا قال عنه محامٍ رآه ولم يترافع عنه.. "كان يصلي الصلوات الخمس في خمس محافظات".. هكذا قال القريبون منه والمعايشون له.. "أستطيع أن أشهد شهادةً يحاسبني الله عليها أن الشهيد عبد الفتاح إسماعيل كان من أصلب الإخوان المسلمين- الذين دخلوا السجن الحربي- إرادةً، إن لم يكن أصلبهم على الإطلاق".. هكذا قال عنه أخٌ له عاش معه أيام المحنة الرهيبة.

إنه الشيخ الشهيد: عبد الفتاح عبده إسماعيل

من مواليد كفر البطيخ- محافظة دمياط- عام 1925م.

يعمل: قباني وتاجر حبوب وأغلال.

ثالث ثلاثة عُلِّقوا على أعواد المشانق في 29/8/1966م.



نموذج الداعية المجاهد

تقول عنه الحاجة زينب الغزالي: "كان الشهيد عبد الفتاح إسماعيل من أخلص المريدين لحسن البنا والمقرَّبين إلى قلبه.. وبرهنت الأحداث أنه كان جديرًا بهذا القرب وهذه الرعاية من الشهيد حسن البنا، فبعد خروجه من السجن في سنة 1956م كان مصممًا تصميمًا لا يداخله شك أو ضعف أو تردد على إعادة الإخوان المسلمين إلى ما كانت عليه لتؤدي واجبها نحو الله سبحانه".



وهذا حق فقد كان ثالث ثلاثة بدأوا العمل على إعادة تنظيم الإخوان خارج السجون والمعتقلات بعد خروجهم منها عام 1956م وهم:

الأخ الشهيد: عبد الفتاح عبده إسماعيل.

الأخ: محمد عبد الفتاح شريف- من إخوان البحيرة.

الأخ: عوض عبد العال- من إخوان المنصورة- دقهلية.



وكان الشهيد عبد الفتاح هو "دينامو" تنظيم سنة 1965م، وكان له دورٌ كبير في توحيد الإخوان من الإسكندرية حتى أقاصي الصعيد، وكان يُضرب به المثل في القدرة على الحركة، حتى قيل إنه كان يصلي الأوقات الخمسة في خمس محافظات!!



تروي عنه الحاجة زينب الغزالي، وقد كان بينهما تعاون كبير على العمل للإسلام، فتقول: "كان أول لقاء لي به في عام 1957م وفي موسم الحج.. كنت في ميناء السويس على رأس بعثة الحج لجماعة السيدات المسلمات، وكان معي في المودِّعين شقيقي محمد الغزالي الجبيلي، فوجدته مقبلاً عليَّ في صحبة إنسان يكسو وجهَه نورٌ ومهابةٌ يغض بصرَه، قدمه لي أخي قائلاً: الأخ عبد الفتاح إسماعيل، كان من أحب شباب الإخوان إلى الإمام الشهيد حسن البنا، كان فضيلة المرشد يحبه ويؤثره، وله فيه ثقة مطلقة، وقد طلب مني أن أقدمه لكِ بهذه الصورة حتى تعرفيه، وحيَّاني الأخ وهو يقول سأكون إن شاء الله معكم في الباخرة، فرحَّبْت به وانصرف.



وصعدنا إلى الباخرة وتحركت بعيدًا عن الشاطئ، وانشغلتُ بمطالب البعثة، بعثة حج السيدات المسلمات، وعندما ذهبتُ إلى حجرتي بعد تناول الغداء سمعت طرقات على الباب أذنت بالدخول فتكرر الطرق ثانيةً ولكن الطارق كان يذهب بعيدًا عن فتحة الباب، ولما سمع صوتي يأذن بالدخول للمرة الثالثة.. دخل فوجدته الأخ الذي قدمه لي شقيقي على رصيف الميناء.. قال في إخباتٍ وهو يطرق إلى الأرض بعد أن ألقى عليَّ السلام: "أنا أعلم بحمد الله أن بينك وبين الإمام الشهيد حسن البنا بيعةً بعد طول خلاف"، ولما سألتُه عن مصدر معلوماته أجاب: "الإمام الشهيد نفسه- طيب الله ثراه، فسألتُه عما يريد، أجاب: أن نلتقي في مكة لوجه الله نتحدث فيما كان البنا يريده منك إن شاء الله.. كانت كلمات سهلة العبارات طيبة النوايا لينة، لكنها مع بساطتها قويةٌ صادقةٌ ثقيلةُ التكاليف تحمل معنى الأمر ولا تترك مجالاً للتفكير.



وفي ليلةٍ من ليالي ذي الحجة كنتُ على موعد بعد صلاة العشاء مع فضيلة المرحوم الشيخ الإمام محمد بن إبراهيم، وعند انصرافي من مجلسه أخذت طريقي إلى باب السلام، وكان في نيتي أن أطوف حين أوقفني صوت يناديني باسمي محيِّيًا بتحية الإسلام، والتفتُّ فإذا به عبد الفتاح إسماعيل، وسألني عن وِجهتي ولما عرف أنها الطواف ثم دار البعثة صحِبني إلى المسجد وطُفنا بالبيت معًا، وبعد صلاة سنة الطواف جلسنا تجاه الملتزم وأخذ يتحدث فيما يريد.



سألني عن رأيي في قرار حل الإخوان، أجبت أنه قرار باطل شرعًا.. قال: هذا الأمر الذي أريد بحثه معك.. وبعد ركعتَي الطواف جلسنا خلف مبنى زمزم بالقرب من مقام إبراهيم، وأخذ يتحدث عن بطلان قرار حل جماعة الإخوان المسلمين، ووجوب تنظيم صفوف الجماعة وإعادة نشاطها، واتفقنا على أن نتصل بعد العودة من الأرض المقدسة بالإمام حسن الهضيبي- المرشد العام- لنستأذنه في العمل، وقال عندما هممنا بالانصراف: يجب أن نرتبط هنا ببيعة مع الله على أن نجاهد في سبيله، وبايعنا الله على الجهاد والموت في سبيل دعوته.



وتكمل الحاجة زينب الغزالي شهادتها عنه فتقول:

"في يوم من الأيام كنت على موعد مع الشيخ عبد الفتاح عبده إسماعيل.. فحضر إلى بيتي في الساعة السابعة صباحًا وأخبرنى زوجي أن الشيخ في حجرة الصالون فذهبت إليه فوجدته نائمًا من الإجهاد على أحد المقاعد فأخذت بطانية وغطيته بها وقلت لمديرة البيت عندما يصحو الأخ عبد الفتاح جهِّزي له الإفطار.. ولما استيقظ وقدِّم له الإفطار قال لها إن لديه موعدًا ولا بدَّ أن يراني بسرعة!!.



فجاءت وأخبرتني فلما طلبتُ منه يتناول إفطاره قال: أنا على موعد في مسجد الملك بعد ربع ساعة، وأعطاني مبلغ 300 جنيه أمانةً، وكان قد مضى عليه 24 ساعةً لم ينم ولم يأكل فطلبت إلى خالتي أم عبده- مديرة البيت- أن تضرب له كوبًا من الزبادي وعسل النحل فشربه وأعطيته جنيهًا، وقلت له: اركب تاكسي حتى تلحق موعدك، فقال: هل هذا الجنيه من الثلثمائة؟ فقلت: لا.. هذا من جيبي الخاص لتركب تاكسي، فقال لي: أضيفيه للمبلغ الذي هو لحساب الإخوان.. أما نحن فلن نركب تاكس .. والذين ركبوا العربات واستعملوا التاكسيات استرخوا ولم يعودوا يصلحون للعمل..!!

قلت: مستحيل أن تدرك موعدك بغير التاكسي!!

فقال: الذين ينتظروني هم من جند الله وسينتظروني حتى أصل إليهم.

فقلت: أنا أركب العربة ولم أسترخِ ولم أقعد عن العمل، بل تراني مصرةً على أن أستمر أعمل لدعوتي!!

فقال: هذا ابتلاء نحجتِ أنتِ فيه وربما لا أنجح أنا فيه.. وخرج ليدرك موعده".



العالم العابد

كان الشيخ عبد الفتاح عابدًا.. يقوم من الليل يصلي حتى ظن كثير من الإخوان أنه لا ينام، وقد رغب الكثيرون في السكنى معه، وكان وكان من أحرص الإخوان على تنفيذ السنة فقد طالت لحيته بحكم تركها دون حلاقة فترات طويلة فكانت شعورنا تطول اللحية والشارب وشعر الرأس، ولكن الشهيد عبد الفتاح كان يحف شاربه بنتف شعر الشارب رغم ما في ذلك من ألم.


الشهيد أثناء المحاكمة

"وجاءت مذبحة السجن الحربي، ووقف عبد الفتاح إسماعيل كالطود الراسخ ثابتًًا على عقيدته، مدافعًا عنها، لا تخيفه السياط، ولا ترعبه الكلاب التي كانت تحبس معه بالأيام محرومة من الطعام لتفتك به.. فقد كان من بين وسائل التعذيب التي تعرض لها الشهيد عبد الفتاح الكلاب المتوحشة التي أطلقوها عليه لتمزق جسده.. فلم يستسلم لنهش الكلاب ولم يفزع منها.. ولكنه أطبق بيديه على عنق أحدها حتى خنقه!!



ويشهد الأخ جابر رزق فيقول: "لقد رأيته عدة مرات في مكتب شمس بدران ممزقَ الوجه والكتفين وممزقَ الأقدام.. مكسور الذراع مكسور الساق".



وتشهد السيدة زينب الغزالي على وحشية التعذيب وثبات الداعية المجاهد فتقول: "وقال شمس بدران: هات عبد الفتاح يا حمزة.. وبعد لحظات عاد حمزة البسيوني بعبد الفتاح إسماعيل، كان يكسوه وقار الصادقين، ونور الموحِّدين، يلبس حلةَ سجن زرقاء، ممزقة، وآثار التعذيب تنطق بمدى ما لاقاه هذا المجاهد الصادق المؤمن الموحد.. وقال يوجه القول إليَّ: "السلام عليكم".. قلت: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته".



وقال شمس بدران: ماذا كنت تعمل عند زينب الغزالي يا عبد الفتاح؟! لماذا كنت تذهب إليها؟! ويرد عبد الفتاح بلسان صدق وحق غريب على الجاهلين: أختي في الله.. كنا نتعاون على أن نبني الشباب المسلم على مبادئ القرآن والسنة، وبطبيعة الحال كان ذلك سيفضي إلى تغيير الدولة، من دولة جاهلية إلى دولة إسلامية.



ويقول شمس بدران في غلظة: أتخطب؟! أنت لست على المنبر يا ابن الـ.. اخرج.. اخرج.. ويخرج عبد الفتاح إسماعيل كما جاء.. بعد أن وجَّه القول إلي: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".. فقلت: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته".. وأخذت شمس بدران ثورةٌ عارمةٌ فجَّرت القذارة على لسانه، فانساب بأبشع الألفاظ وأقذرها!!



واسترحت.. نعم استرحت لشموخ الرجولة في عبد الفتاح إسماعيل، مأخوذة بذروة الإيمان فيه، وقلت في سرِّي: "الحمد لله أن لله رجالاً.. اللهم احفظهم لدعوتك يا الله.. هناك الموحِّدون الصابرون.. رواد الطريق وطلاب الحقيقة".



ويروي الأخ جابر رزق: "كان الشيخ عبد الفتاح مهيبًا، لا أذكر أنه قد تعرض لإهانات الحراس رغم كثرتها بالنسبة للإخوان، وأذكر أن الأخ محمد رحمي وجد في زنزانة الشيخ عبد الفتاح بعد صلاة الفجر وبعد الانتهاء من عملية "دورة المياه"، وضبطه أحد العساكر، وعلم بذلك صفوت الروبي ويبدو أن الشيخ عبد الفتاح كان مرصودًا حتى إنه أسكن معه أحد أفراد القضية ممن يمكن أن يستفاد منهم في معرفة حياة الشيخ عبد الفتاح وكان جزاء الأخ محمد رحمي أنه كان الشخص الوحيد الذي لم يستطع حضور المحاكمة إلا بعد أيام طويلة، ولكن الشيخ عبد الفتاح لم ينله أي سوء".



ويكمل الأخ جابر شهادته فيقول: "أذكر مرةً أن دخل حمزة البسيوني السجن في الصباح وهو يركب حصانًا أحمر.. وبعد أن خرج الطابور الكبير وكنت أسير مع طابور "العواجيز"، وهو طابور أخف من الطابور السريع، يضم أصحاب العاهات.. والأمراض وكبار السن ولا يسير فيه إلا من صرح له الطبيب بذلك، وبدأ طابور "العواجيز" في الخروج، فوقف حمزة البسيوني يستعرض الطابور بنفسية الساخر المتشفي، وأراد أن يسخر من الشيخ عبد الفتاح فسأله:
- كويس كده يا شيخ عبد الفتاح؟!



- فابتسم الشيخ عبد الفتاح وأشرق وجهه بنور ابتسامته وقال: الحمد لله على كل اللي يجيبه ربنا!! إحنا راضيين بكل اللي يجيبه ربنا!!".



حب الشهادة والفرح بها

كان الشيخ عبد الفتاح عبده إسماعيل يرنو بقلبه إلى "الشهادة" ويتمناها من أعماق فؤاده، وكان يغبط أخاه الشاعر الشاب أول شهداء المحنة محمد عوَّاد على فوزه بالاستشهاد تحت ضربات التعذيب الوحشية التي حقَّقت له أمنيةً طالما تمناها.. "وعندما نطق قاضي المحكمة الهزلية الفريق الدجوي بالحكم المعد سلفًا وهو الإعدام.. صاح قائلاً: "الله أكبر.. فزت وربِّ الكعبة!!".