التقدم الذي تخلفنا عنه

إن المتأمل في أحوال المسلمين ،يجد أنهم قد أصبحوا عالة على غيرهم من الشعوب في تصريف أمور الدنيا : من صناعة وزراعة وتجارة وخبرات فنية . فما هو السبب في هذا التخلف المادي بل والتخلف الديني؟

بعد أن ضعف الإيمان في النفوس ، وضعفت الصلة بالله، وضعفت الأخلاق والسلوك بدأ الفساد يدب شيئاً فشيئاً ، حتى خَلَفَ خَلْفٌ أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فتظالم الناس، وكثرت الذنوب ، ونشأ الصراع بين المسلمين ، وتفشى الجهل بأمور الذين والدنيا معاً، وكثرت البدع والخرافات، وفَقَدَ المسلمون وحدتهم وأخوتهم ، وذهبت بذلك قوتهم ، وأصبحوا ينحدرون من سيء إلى أسوأ.

الاستعمار عمّق جذور التخلف فاستجبنا له:
وإذا كان الله يقول : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) سورة النساء 141
فإن المسلمين بعد أن فقدوا الإيمان الصحيح وحلت محله الخرافات والبدع – إلا من رَحِمَ الله – أصبحوا مُهيئين لقبول حُكم الكافرين ، الذين بذلوا كل جهودِهم لُمحاربة كل ما ينهض بالمسلمين في أمر دينهم ودنياهم ، ونتيجة لضعف الإيمان وجد منا من استجاب لمؤامرات الكافرين وأعانهم على إنجاح مؤامراتهم ضد المسلمين.

أسباب التقدم في الدين والدنيا:
إن الأسباب التي تنهض بالمسلمين في أمر دينهم تتمثل في تعمق الإيمان في نفوسهم ، وتقوية صلتهم بخالقهم ، وإخلاص عبادتهم له سُبحانه، وإتباع شريعته والتخلق بأخلاق الإسلام، وتربية الأجيال على هذا كله، فإن فعلوا ذلك اجتمعت كلمتهم وقويت شوكتهم ، ونصرهم الله على عدوهم.
وتتمثل الأسباب التي تُحقق النهضة في أمر الدنيا في أن يُحسن المسلمون الانتفاع بما أودع الله في أرضهم من خيرات.
وهم يحتاجون لتحقيق هذا إلى أسباب من أهمها:

1- توفير الخبرات الفنية والأيدي العاملة المُدربة.
2- توفير الأموال والمواد الخام.
3- توفير المصانع والأسواق المُستهلكة لما تنتُجُه المصانع.
4- وجود النظام العادل الذي يُشجع العمل ، ويمنع الظلم والطغيان.

ولا شك أن هذه الأسباب من أنواع البر الذي يحثنا ديننا على الأخذ بها وتحقيق التعاون للقيام بها خاصة والحاجة إليها ماسةٌ، لأن المسلمين إن أهملوها – كما هو الواقع – احتاجوا وذلوا للكافرين ، والله يقول : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج) سورة الحج 78

إن الله قد أمرنا أن نتعاون على البر الذي يتسع لهذا كله ويتسع لغيره ، ونهانا عن الإثم والعدوان بكل صوره، قال تعالى: ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) سورة المائدة2

بإمكاننا مثلا أن نقيم كلية الشريعة ، أو الهندسة ، أو الصيدلة ، أو العلوم ، أو الزراعة أو الطب في كُلِّ شهرٍ، لو دفع كل يمني نصف ريال، ومن هذه الكليات نستطيع أن نحصل على الخبرات الفنية اللازمة لإيجاد الصناعة ، ونستطيع أن نكشف خيرات البلاد ، وأن نحسن الانتفاع بها، وبإمكاننا أن نجد المدربين للأيدي العاملة.

لو دفع كل يمني ريال في كل شهر ، عندئذ نستطيع أن نقيم شركة أو مصنعاً نافعاً فكيف لو دفع كل منا ما يستطيع؟!

عندئذ نختصر طريق النهضة المادية في سنوات معدودة.لقد جعل الله بلاد المسلمين غنية بالثروات، ولكننا لضعفنا عَجَزْنا عن الانتفاع بهذه الخيرات، إلا تحت إشراف غيرنا من الكافرين.

محاربة المستعمرين لأسباب تقدم المسلمين:
لقد خضعت مُعظم بلاد المسلمين عشرات السنين لحكم الكافرين الذين لم يتركوا فُرصة لحرب الإسلام والمسلمين إلا وانتهزوها، فحاربوا الدين في كثير من الميادين، ومن أهمها:
1- إلغاء الشريعة من أن تحكم بلاد المسلمين.
2- مُحاربة التعليم الديني في المدارس والمعاهد والجامعات.
3- محاربة علماء الإسلام العاملين.
4- إنشاء الأحزاب الإلحادية المُحاربة للدين.
5- تشجيع البدع والخرافات ، والمتاجرة باسم الدين.
6- إفساد المرأة وأحوال الأسرة ، ونشر الخلاعة والفساد الخُلقي.
7- بعث أسباب الخلاف والفرقة والعداوة بين المسلمين.

ولقد حذرنا الله من طاعة أهل الكتاب، فقال سُبحانه: ( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يَرُدّوكم بعد إيمانكم كافرين) سورة آل عمران 100

وأما مُحاربة المستعمرين لقوة المسلمين المادية فقد كان من أبرزها:
1- إيجاد الحدود المُفرقة الفاصلة بين المسلمين.
2- الاستيلاء على ثروات المسلمين.
3- إيجاد جيل من أبناء المسلمين رباهم على يد عملائه من المُنَصِّرِينَ ( المبشرين) والمستشرقين، وأوهموهم أن تقدم المسلمين لا يكون إلا بمحاربة الدين وإفساد المرأة باسم ( تحرير المرأة) من قيود الأخلاق والفضيلة والعفة، وبإباحة الخمور والزنا وبمحاربة الشريعة واستبدالها بالقوانين الوضْعية.

وبدلاً من أن يتوجه هؤلاء إلى إقامة المصانع والشركات ، والكليات والجامعات والمختبرات توجهوا إلى محاربة الشعوب الإسلامية، في عقائدها وأخلاقها وشريعتها ومبادئها، وأصبح المُصلى في نظر هؤلاء رجعيا ًمتزمتاً، والعربيد تقدمياً متحرراً.

أين المصانع؟ .... أين الشركات؟..... أين المختبرات؟..

لقد صرفنا المستعمرون وتلاميذهم عن الأخذ بأسباب التقدم المادي الصحيح.

4- جعل أعداء الإسلام المسلمين معتمدين عليهم وعلى مصانعهم وإنتاجهم.

وعلينا أن نفهم أن التقدم الذي وقع في بلاد الكافرين لم يكن بفضل الكفر، لأن الكفر قديم من قبل ظهور الإسلام، ولم ينتج الكفر لأهله في القديم طائرات أو صواريخ أو كهرباء أو غيرها، لكن تقدمهم المادي تحقق لهم لأنهم أخذوا بالأسباب التي جعلتهم يتمكنون من النعم التي بسطها الله لعباده فقال سبحانه: ( كلا نُمِدُ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا) سورة الإسراء 20
فأخذوا عطاء الله لأنهم عملوا ، وحُرمنا لأننا تكاسلنا.

طريق النجاح:

ويوم أن يتمسك المسلمون بدينهم على الوجه الصحيح ، وعندئذ يعود لهم مجدهم وينصرهم الله على عدوهم ، فيسهل لهم عندئذ أن يأخذوا بكل أسباب النجاح في أمور الدين والدنيا.

( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب )

وسلام على المرسلين ، والحمد الله رب العاليمن.

من كتاب الإيمان
للشيخ: عبد المجيد الزنداني