في صلح الحديبية :



وأمامنا مثل آخر يدل على مرونة الرسول وبراعته وتفضيله المصلحة البعيدة المدى على المصلحة المؤقتة التي يمكن أن تكسب بالعاطفة ، ولكنها تفوت كثيراً من المكاسب السياسية ، ففي صلح الحديبية كان الرسول لا يريد القتال بل يريد الطواف في الكعبة ،فلما أصرت قريش على المنع صمم الرسول على قتالهم ، ووجد من المسلمين كل استعداد للفداء ، وبايعه المسلمون بيعة الموت المشهورة ببيعة الرضوان ، حتى إذا أبدت قريش رغبتها في الصلح على الشروط المعروفة ، وهي شروط لم يرضها المسلمون أول الأمر ، بل ، بل رأوا فيها ضعفاً وذلة ، ولكن القائد الرسول الذي يمتد بصره إلى ما لا يمتد إليه بصر جنوده المؤمنين ، أصر على قبول الشروط ، فلم يجد المسلمون بداً من القبول ، وتبين فيما بعد أن هذه الشروط كانت سبباً من أسباب تعجيل النهاية المرتقبة للوثنية في جزيرة العرب ، وأن صلح الحديبية كان الخطوة الأولى لفتح مكة واستسلام الوثنية العربية استسلاماً لا قيام لها من بعده أبداً .

هنا يجب أن يذكر الدعاة أن على القائد ، أن يجنب الدعوة المتاعب الكثيرة بأقل التضحيات، وأن يخضع للظروف مع حسن الاستعداد والاستفادة ، كما فعل رسول الله حين رأى إصرار قريش على أن لا يدخل الرسول ذلك العام مكة أبداً ، فرجع عنها هو وصحبه بعد أن أوشكوا على وصلها ، وكان قادراً على أن يدخلها عنة واقتداراً، ولكن المعركة يومئذ ستكلف المسلمين كثيراً من التضحيات ، وما كسبه الإسلام من صلح الحديبية ، كان أعظم سياسياً ودينياً وعسكرياً مما كان يكسبه لو دخل المسلمون آنئذ مكة عنوة ، وما هو إ انتظار سنتين بعد ذلك حتى دخل الرسول مكة فاتحاً ، وقد استسلمت قريش ، ثم دخلت في دين الله أفواجا


إن على القائد ألا يضيق ذرعاً بحماسة جنوده ،كما تحمل الرسول شدة عمر ومعارضته يوم صلح الحديبية ،وعلى الجنود أن لا يشقوا عصا الطاعة حين يحزم القائد أمره .


المصدر : كتاب شخصية الرسول وأثره

الدكتور: مصطفى السباعي