اهتم علماء النفس وخبراء التربية ببحث العلاقة بين الذكاء والإبداع ..
وما إذا كان الطفل الذي يتمتع بقدر عالِ من الذكاء مبدعاً بالضرورة ,
وإنَّ الطفل الذي وهبه الله قدرات إبداعية لابد أن يكون ذكياً ..
والواقع أنَّ الخطوة الأولى في بحث الارتباط بين الذكاء والإبداع هي التوصل إلى تعريف محدد واضح لهذين المصطلحين ,
فالذكاء هو مجموع القدرات العقلية المرتبطة أساساً بالمعلومات السابقة المتوافرة لدى الفرد , بينما الإبداع هو " تفكير تغييري " يهدف إلى تشكيل تكوينات جديدة من عناصر قديمة , أي أنه التفكير الذي لايقبل ثبات التكوينات القديمة واعتبارها هي وحدها الصواب ,
فالإبداع هو العملية التي ينتج عنها عمل جديد مقبول وذو فائدة .
ومن هنا فإن الشخص المبدع هو الذي يتعرف على المشكلات , ويستطيع الربط بين الأفكار بمرونة تمكنه من وضع احتمالات متعددة بحيث لايتجمد في نمط واحد , وبالإضافة إلى ذلك فإنه يجب أن يكون ماهراً , قادراً على التنسيق بين أفكاره بحيث تظهر في حلول نهائية للمشكلة التي يعالجها ,
وهذا كله يتطلب قدراً من الذكاء .
ويرى الدكتور محمود _ أستاذ رياض الأطفال _ :
أن هناك بالفعل علاقة بين الإبداع والذكاء , ولكن ليس معنى ذلك الإبداع يتولد تلقائياً من الذكاء , ويقع اكتشاف ملكة الإبداع لدى الطفل على عاتق الأسرة , فيجب على الأم أن تلاحظ قدرات طفلها , وأن تتيح له فرص للتعبير عن نفسه , لتكتشف موهبته التي هي طريقه إلى الإبداع , ولايمكن للطفل أن يبدع إلا إذا نشأ في بيت يمتلئ بالحب والهدوء والود والإستقرار , فكلها عناصر مهمة ولكنها لاتتحقق إلا إذا اقتربت الأم من طفلها وجدانياً ,
وشاركته في ألعابه واهتماماته .
وللأسف يولد الأطفال أذكياء , ويظلون كذلك حتى سن 5سنوات , ثم تخبو لديهم شعلة الذكاء , وربما تنطفئ , لأن هواية الطفل لم تجد من يكتشفها ويتعهدها بالتنمية والرعاية , أو لأن الطفل وقع تحت ضغط السيطرة والتسلط من جانب الوالدين ...
مسؤولية المدرسة
وإذا كنا نلقي على عاتق الأسرة مسؤولية اكتشاف ذكاء الطفل وقدرته على الإبداع , فإن الدكتور أحمد _ أستاذ الصحة النفسية _ يرى أن هناك مؤسسات أخرى تتحمل جانباً لايُستهان به من هذه المسؤولية , وأهمها المدرسة فهي العالم الثاني الذي يعيش فيه الطفل بعد البيت والأسرة وفي بعض الحالات يمكث الطفل في المدرسة وقتاً أطول من الوقت الذي يقضيه في بيته , والمقصود هنا هو المدرسة بكيانها الكامل ..
بمدرسيها .. بمبانيها .. بأنشطتها المختلفة , ولكل عنصر من هذه العناصر أهميته التي يوضحها د.أحمد فيما يلي :
أولاً : المدرسون : كلما كان المدرس متسع الصدر , مرناً , متفهماً للعملية التعليمية , أفرز عدداً أكبر من المبدعين والعباقرة , أما المدرس المتسلط الذي يتعامل مع العلم على أنه " منهج " لابد من حفظه وتفريغه على ورقة الامتحان , فلا يمكن أن يخرج من تحت يديه طفل مبدع ,
بل هو _ على العكس _ يقتل فيه ملكة الإبداع إذا كانت موجودة .
لذلك يجب أن تخصص المدارس حصصاً لاكتشاف المبدعين والموهوبين , وتوجيههم التوجيه السليم , وهذا قبل أن يكون نجاحاً للطفل فهو نجاح للمدرس صاحب الفضل في ظهور تلك الموهبة .
ثانياً :مباني المدرسة : فكلما كانت المدرسة واسعة ولها فناء فسيح , ساعدت الطفل على الانطلاق والحركة بـِ حُرية , ويجب توفير أماكن وحجرات للأنشطة المختلفة كالألعاب والرسم وغيرها ...
ثالثاً : الأنشطة المدرسية : وجود هذه الأنشطة والسماح للأطفال بممارستها وقتاً كافياً, كل وفقاً لرغبته وهوايته , يدل على أن المدرسة تتفهم العملية التعليمية بأسسها الصحيحة المبنية على جذب انتباه الطفل , وصقل موهبته وتنمية ذكائه .
وفي البلاد المتقدمة يترك الطفل في مرحلة الحضانة _ قبل المدرسة _ في حجرات واسعة , مخصصة لأنشطة مختلفة .. ويختار الطفل مايروق له , وبعد فترة ينجذب نحو هواية أو إبداع معين , هنا فقط تتدخل المدرسة لرعاية موهبته وتنمية هوايته ويجب أن نتبع نحن أيضاً هذا الأسلوب في مدارسنا لنحصل على المزيد من المبدعين الأذكياء ..