هناك كلمات قد نقرأها في كتاب أو صحيفة أو نسمعها من صديق حكيم أو كاتب متمرس، إنها كلمات ممتلئة بالقيمة تصدر صوتاً يشد الآذان وتصدر بريقاً يخطف الأبصار، كلمات لا تحتمل سوى الوقوف أمامها، تدبرها والأخذ بها قد يغير مجرى الحياة وقد تصنع إنساناً جديداً....،

من هذه الكلمات ما قاله عالم النفس وليم جيمس: "لو قسنا أنفسنا بما يجب أن نكون عليه لاتضح لنا أننا نصف أحياء، ذلك أننا لا نستخدم إلا جانباً يسيراً من مواردنا الجسمانية والذهنية، أو بمعنى آخر أن الواحد منا يعيش في حدود ضيقة يصنعها داخل حدوده الحقيقية ، فانه يمتلك قوى كثيرة مختلفة، ولكنه لا يفطن إليها عادة، أو يخفق في استغلالها كلها" هذه الكلمات تحمل معاني عظيمة فهي تسير بالإنسان في اتجاه تطوير ذاته، يقول المولى عز وجل" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" والواقع يؤيد ذلك ويطلبه،

في هذا العصر أصبح تطوير الإنسان لذاته أمراً ملحاً وضرورة من ضروريات الحياة، تلك الحياة التي تشهد تطوراً مذهلاً في كافة النواحي الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والتكنولوجية، ماكان مستغرباً بالأمس لم يعد اليوم كذلك، وما هو مستغرب اليوم سيصبح واقعاً نعيشه في الغد،

إذن على كل إنسان أن يعترف بداخله بأن الحياة عندما تتطور بينما يظل هو كما هو فمصيره الانقراض تماماً مثل الديناصور الذي لم يستطع أن يتكيف مع التغيرات التي حدثت في الطبيعة الجديدة آل مصيره إلى الانقراض، وعندما ينقرض الإنسان فلن نشعر بتأثيره أو كيانه حتى لو كان موجوداً على قيد الحياة. إننا الآن أمام صناعة جديدة تسرى في عالمنا كما تسرى النار في الهشيم،

إنها صناعة الذات،
إنها الصناعة التي تسير في الاتجاه المعاكس للاتجاه الذي سارت فيه الديناصورات من قبل، فالإنسان الذي يصنع ذاته هو الإنسان الذي يعيد اكتشاف نفسه من جديد، يتحرر من القيود، إنسان يدرك أن النجاح في الأصل ينبع من داخل الإنسان قبل أن يصبح واقعاً يشهده من حوله. صناعة الذات تعنى بتحديد مواطن القوة في الشخصية ومن ثم السعي الدؤوب نحو تدعيم هذه المواطن وتنميتها، وتعنى
بتحديد مكامن القصور في الشخصية ومن ثم العمل الجاد في سبيل معالجتها وتجنب سلبياتها،

وتعنى بتحديد التهديدات التي تواجه الإنسان في حياته ومن ثم الاستعداد الدائم لمواجهتها والتعامل الإيجابي معها، وهى تعنى أيضاً أن يدرك الإنسان الفرص التي تمنحها البيئة المحيطة به ومن ثم المضي قدماً نحو استثمار هذه الفرص بما يعود عليه وعلى الآخرين بالنفع، إذن هي صناعة تعطى للإنسان القدرة على تبنى استراتيجية تثرى حياته، إنها صناعة مثلها مثل أي صناعة تتطلب وجود مدخلات ومزاولة أنشطة متعددة في سبيل تحويل المخلات إلى مخرجات ذات قيمة، المدخلات تتمثل في الوقت والجهد الذي يبذله الإنسان في سبيل تطوير ذاته، والأنشطة تتمثل في التصرفات التي ينتهجها الإنسان في سبيل تطوير ذاته،

أما المخرجات فهي الشخصية الجديدة التي تظهر في أسلوب التفكير وطريقة التعامل مع معطيات المواقف والظروف التي يفرضها الواقع. صناعة وتطوير الذات اتجاه جديد للنهوض بالمجتمعات، فبناء المجتمع يبدأ ببناء الفرد، وعندما يسعى كل فرد إلى تطوير ذاته فنحن بصدد مجتمع موجه بقيم إثراء وتطوير الذات، إن ما يثير الانتباه أن هذه الصناعة تجد مبرراتها القوية في الانتشار مع إرساء دعائم نظام اقتصادي جديد في هذا العالم، نظام لا يعترف بالحدود والقيود ويشجع المنافسة الحرة، وكأن الإنسان أصبح مثل المؤسسة التي تعمل في ظل سوق جديد عليها أن تنافس وتتفوق أو تتراجع وتندثر، الواقع يقول أن صناعة تطوير الذات تجد أعظم مبرراتها ونحن نسير في طريق السعودة، حيث الرغبة في بناء مواطن سعودي قادر على تحمل المسؤولية والنهوض بها على أكمل وجه، نحن في أمس الحاجة لتدعيم قواعد هذه الصناعة في مجتمعنا، نحن في أمس الحاجة إلى اكتشاف أنفسنا من جديد، نحن في أمس الحاجة إلى التحرر من القيود