أنا شاب على قدر من الالتزام، ولي إخوة في الله أحبهم جدًّا في الله، وهم كذلك، فقال لي بعضهم ناصحًا: إنه يخشى أن تتحول هذه العلاقة والمحبة إلى ارتباط شخصي، فماذا أفعل ؟ وجزاكم الله خيرًا.



جميل جدّا أن يكون للمرء إخوة في الله، لكن بما أن الحياة قد علمتنا أن نسمي الأشياء بمسمياتها وبدون مبالغات، وأن نكون واقعيين كي لا نُفاجأ بمن نحب فيما بعد؛ لأننا كلنا بشر ننسى ونخطأ، ونحزن ونغضب، لذلك أجد أنه من الأفضل في بداية حديثي إليك يا بني العزيز أن أشرح لك مفهوم الأخوة في الله، وكيف أن هذه العبارة الجميلة بألفاظها ومعانيها، هي ثقيلة بتبعاتها ومسئولياتها.

فليس كل من قال لك: أنا أخوك في الله قد صدَق، وما أحسن قول الشاعر:

ما أكثر الإخوان حين تعدهم لكنهم في النائبات قليل

وخاصة أنك تسأل عن الفرق بين الأُخوَّة في الله وبين الأغراض الشخصية، وما دنَّس الأُخوة في الله شيء بقدر ما دنَّستها الأغراض الشخصية، لذلك أختصر لك ما جاء في فضيلة الأخوة، وشروطها، وحقوقها كما يلي:

فضيلة الأخوة:

حب الاجتماع فطرة في النفس البشرية، لذلك كان لا بد للمرء من علاقات مع الناس، وأجمل العلاقات هي ما كانت في سن متقاربة لأشخاص ذوي أفكار مشتركة، عندها تسمى هذه العلاقة بالصداقة، وهذه الصداقة إذا كانت لله وفي الله لم تعد صفة الصداقة كافية، بل أصبحت هي أخوة في الله، وهنا يبرز السؤال التالي: ما معنى في الله ؟

معناها: أن يكون من أريد أن أتخذه أخًا لي شخصًا يحب الله ورسوله، ويعمل ملتزمًا بما تفرضه كلمة الحب لله ورسوله، أي أن تكون أقواله وأفكاره وأفعاله مصبوغة بصبغة الشرع، خالصة لله تعالى، دون أن يكون محبًّا للظهور أو مترفعًا بنفسه عن إخوانه، مُعجَبًا بها مؤثِرًا إياها.

فشروط الأخوة هي:

أن يجتمع في من تؤثِر صحبته خمس خصال: أن يكون عاقلاً، حسن الخلق، غير فاسق ولا مبتدع، ولا حريص على الدنيا.

ما معنى لله ؟

معناها أن تكون هذه الأخوة خالصة من شوائب النفس والهوى، فمن يتذكر أنه أخ في الله عند حاجته لي، وينسى ذلك عند حاجتي أنا إليه، فهو بالطبع لم يشُمّ رائحة الأخوة ولم يعرفها، وهؤلاء هم من يسيئون في كل يوم إلى الأخوة في الله، وهمهم الانتفاع بالمال أو الجاه أو مجرد الاستئناس بالمشاهدة والمجاورة.

ومن أعجب بي لشخصي فقط، كإعجابه بصفاتي الجسدية من طول أو جمال أو حركات، أو لمجرد التوافق النفسي والمزاجي بيننا، فهذه ليست أخوة في الله، بقدر ما هي حاجة مستقرة في قلب من يشعر بهذا الشعور، ليس لها علاقة بالمقاييس الربانية للأخوة. والتي نحاول أن نضع أيدينا عليها من خلال التعرف على حقوق الأخوة والصحبة، وقياس مدى التزامنا بها، مع الوضع في الاعتبار أنها حقوق متبادلة، ليست لطرف دون الآخر.

حقوق الأخوة والصحبة:
وأوردها لك كما ذكرها أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتابه إحياء علوم الدين، مع بعض التصرف والتعليق، ويحسُن بنا جميعًا أن نعرض أنفسنا أولاً، وإخواننا ثانيًا على هذه الحقوق لنرى إذا كنا فعلاً ملتزمين بما تفرضه الأخوة في الله:

الحق الأول: في المال:
جاء في الأثر: "مثل الأخَوَيْن مثل اليدين، تغسل إحداهما الأخرى"، وهذا يقتضي المساهمة في السراء والضراء، والمشاركة في المآل والحال. والمواساة بالمال مع الإخوة على ثلاث مراتب:

أدناها: أن تنزله منزلة الخادم، فإذا سنحت له حاجة وكانت عندك فُضْلة أعطيته ابتداءً ولم تحوجه إلى السؤال، فإن أحوجته إلى السؤال فهو غاية التقصير منك في حق الأخوة. الثانية: أن تنزله منزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في مالك بشطره - أي نصفه - وقال الحسن: كان أحدهم يشق إزاره بينه وبين أخيه. وأعلاها: أن تؤثره على نفسك، وتقدم حاجته على حاجتك، وهذه رتبة الصدِّيقين، ومنتهى درجات المتحابين.

الحق الثاني: في اللسان:
بالسكوت مرة والنطق مرة أخرى.. أما السكوت فهو أن تسكت عن ذِكر عيوبه في غيبته وحضرته، وأن تسكت عن التجسس عن أحواله، وإذا رأيته في طريق فلا تفاتحه بالسؤال عن مصدَره ومورده – أي: من أين أتى، وإلى أين ذهب - فربما يثقل عليه ذكره، أو يحتاج للكذب، وهذه كلنا يفعلها على سبيل التحبب دون أن ندري أننا نحرج إخوتنا بذلك.

كذلك أن تسكت عن عيوبه ومساوئه وذلك لسببن: أولهما أن تطالع عيوب نفسك فتدرك عدم قدرتك عن التخلي عن بعضها، فتعذره. وثانيهما: لو طلبت مُنزَّهًا عن كل عيب اعتزلت عن الخلق كافة، ولن تجد من تصاحبه أصلاً.

وأما النطق، فهو أن تتودد إليه بلسانك بما يحمله قلبك له من محبة، كما أمر عليه الصلاة والسلام: "إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره" رواه الترمذي بسند صحيح. وأن تذكر ما يحبه أخاك، كأن تناديه بأحب أسمائه إليه، وتثني عليه وعلى عياله بما يحب، وأمام من يحب، دون كذب أو إفراط، وكذلك أن تبلغه ثناء من أثنى عليه، وأن تدافع عنه إذا قُصِد بسوء، وأن تنصحه في السر كما قال الشافعي رضي الله عنه: "من وعظ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه".

الحق الثالث: العفو عن الزلات والهفوات:
وهي إما تقصير معك في حقك، أو تقصير مع الله بالمعصية، ففي الأولى يجب اتخاذ العذر له كما قيل: "اتخذ لأخيك بضعًا وسبعين عذرا"، و"أسوأ إخوانك من أحوجك إلى اعتذار، أو ألجأك إلى مداراة".

وأما الثانية فيجب التلطف في نصحه بما يعيده إلى حاله، ولا تكن عونًا للشيطان عليه، بشرط ألا تخاف على نفسك أن تتأثر بمعصيته وتنجرف معه فيها.

وهذا من أشد المحكَّات وأصعبها بين المتآخين، ويظهر ساعتها إن كانت هذه أخوة في الله بالفعل، أم مجرد ارتباط شخصي، لا يستمد قوته وبقاءه من تعاليم الله وشريعته.

الحق الرابع: الدعاء له:
فتدعو له كما تدعو لنفسك، وقد جاء في الحديث: "ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب، إلا قال الملك: ولك، بمثل" رواه مسلم.

الحق الخامس: الوفاء والإخلاص:
ومعناه الثبات على المحبة؛ لأن الوفاء بالعهد من الإيمان، فلا تترفع عنه إذا رفعك الله، كما قال الشاعر:

إن الكرام إذا ما أُيسروا ذكَروا من كان يألفهم في المنزل الخَشِن

الحق السادس: التخفيف وترك التكلُّف:
وذلك بألا تكلفه ما يشق عليه، وقد قال الفضيل رحمه الله: إنما تقاطع الناس بالتكلُّف، يزور أحدهم أخاه فيتكلَّف له، فيقطعه ذلك عنه. وقال جعفر الصادق رضي الله عنه: أثقلُ إخواني عليَّ من يتكلف لي وأتحفَّظ منه، وأخفُّهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي.

هذه هي حقوق الأخوة في الله، وأرجو أن تعرض نفسك وعلاقاتك مع إخوانك على هذا الميزان، فإذا بقي لك واحد أو اثنين فهنيئًا لك، ولا تنسَ أن تدعو الله لي أن يمنَّ عليَّ ببعضهم أو بعضهن.

وأنصحك بقراءة كتاب "هكذا علمتني الحياة " للدكتور مصطفى السباعي، لما فيه من فائدة خاصة فيما يخص علاقات الأخوة في الله.

رحم الله علماءنا الصالحين منهم والمبدعين، ولعل الله يرزقك وإخوانك الفهم عنه سبحانه، والعمل بما تقتضيه كلمة الأخوة، فتكونوا ممن يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله.


موقع دكتورة ليلى احمد الاحدب