لديّ طفلة عمرها 4 سنوات شهيتها للأكل قليلة.. وزنها دائمًا في تناقص.. حالتها الصحية متوسطة.. كثيرًا ما تعاني من أمراض الزكام والأنفلونزا، وحالتها السلوكية متغيرة ومتقلبة.. قليلة النوم في الليل.. كثيرة البكاء على أقل وأبسط الأمور.. لديها شيء من العناد والرفض لعمل بعض الأشياء.. نشاطها الحركي ممتاز.. بناؤها للعلاقات ممتاز كذلك، فما هو العلاج معها؟

ملاحظة: الأم تدرس ولدينا طفلة أصغر.












الأخ السائل الكريم:أسعدنا تلقي استشارتك ونأمل أن تحقق لك الإجابة النفع المطلوب...سأناقش معك حالة صغيرتك الصحية أولاً، ثم حالتها السلوكية ثانيًا، ثم نحاول أن نجد أي علاقة تربط بين الحالتين:

أولاً: الحالة الصحية المتمثلة بقلة الشهية، ونقص الوزن، وتكرر الزكام والأنفلونزا:
قد يكون أسباب فقدان الشهية واحدًا مما يلي:
1 - أمراض الفم واللسان أو التهاب اللوزتين أو وجود ما يسمَّى الناميات، وهذا ينفي بمجرد استشارة طبيب مختص في الأنف والأذن والحنجرة. كذلك تكرر الإصابة بالزكام والأنفلونزا -نتيجة استعداد وراثي أو نتيجة علاج متكرر بمضادات حيوية، وهو ما يضعف جهاز المناعة عند الطفلة- يؤدي إلى فقدان الشهية.
2 - تناول بعض الحلوى قبل وجبة الطعام كالشوكولا، أو البسكويت المحلى، أو الشيبسي، أو المشروبات الغازية، أو العصائر، أو تناول مأكولات بين الوجبة والأخرى.
3 - قد يكون رفض الطفل للطعام حيلة دفاعية لا شعورية لكسب الاهتمام أو للتعبير عن نفوره من بعض الظروف المحيطة كوجود مولود جديد أو علاقة أسرية غير مستقرة.
4 - قد يكره الطفل بعض الأطعمة لارتباطها ذهنيًّا بحادثة غير سارة، وهو ما يثير لديه الاشمئزاز بمجرد رؤيته لذلك النوع من الطعام.
5 - إرغام الطفل على تناول الطعام يزيده تصلبًا في موقفه الرافض له.

والواقع أن اهتمام الوالدين البالغ بمشكلة تغذية الطفل يؤدي إلى استمراره في العناد والامتناع عن الأكل أملاً في الاستئثار باهتمام الوالدين، وقد يكون هو السبب الأول في حالة طفلتك التي ربما خسرت جزءاً من مكانتها بعد مجيء الطفلة الثانية، خاصة مع انشغال والدتها بالدراسة.

علاج فقدان الشهية يكون بـ:
1 - تنظيم وجبات الطعام.
2 - أن يكون الجو المرافق لتناول الطعام جوًّا صحيًّا بهيجًا بعيدًا عن المشاكل.
3 - تقديم الأطعمة بطريقة مشوقة.
4 - الجلوس إلى المائدة وقتًا كافيًا يتراوح بين 20 إلى 30 دقيقة.
5 - تنظيم تناول الأطعمة بطريقة تدريجية بدءاً من الطعام المطهو جيدًا، ثم الشراب أو الفاكهة، ثم الحلوى.
6 - عدم اللجوء إلى التهديد والعقاب إذا لم تأكل، بل من الأفضل استخدام أسلوب التشجيع والمديح والنصح بتناول الأطعمة المفيدة لنموها وصحتها.
7 - يمكن إعطاء المقويات وفاتحات الشهية بعد استشارة طبيب الأطفال.
8 - يجب أن تأكل الطفلة مع الوالدين، دون تركها للخادمة مثلاً أو لوحدها، فتشعر أنها منبوذة، وهو ما يسبب اضطرابات انفعالية تفقدها الشهية للطعام.


أما بالنسبة لموضوع الوزن ففي عمر طفلتك ذات الأربع سنوات يكون المعدل الوسطي للوزن يقارب 16 كجم، وإذا كان نقص الوزن حقيقيًّا وملموسًا، فيجب عدم التأخر في استشارة طبيب الأطفال.

ثانيًا: الناحية السلوكية المتمثلة بقلة النوم، وكثرة البكاء، وشيء من العناد والرفض:
النوم بالنسبة للطفل حاجة أساسية تختلف حسب عمره، ففي عمر أربع سنوات يحتاج الطفل من 10 إلى 12 ساعة نوم يوميًّا، والنوم ضروري جدًّا لنمو الطفل السليم، حيث إن هرمون النمو لا يفرز إلا أثناء النوم وخاصة في الليل، كما يجب أن تكون الأجواء التي سبقت النوم مريحة وهادئة، فلا توتر، ولا صياح، ولا نقاشات حادة بين الوالدين، إنما يطلب من الطفلة أن تجمع ألعابها وتضعها في أمكنتها، وتذكر بموعد نومها بلهجة رقيقة، ثم يطلب إليها توديع والديها بقبلة على وجنة كل منهما والرد بمثلها. بعض الأطفال يخيفهم إطفاء النور فلا مانع من إبقائه مضاء، أو بقاء الأم إلى جانب الطفلة حتى تغفو جيدًا، ويجب أن تعتاد الطفلة على الذهاب إلى السرير في موعد معين لينتظم نومها.

إذا لم تترافق قلة النوم مع المرض فأسبابها غالبًا ما يلي:
1 - الخلاف بين الوالدين وتأثيره في مخيلة الطفل وذاكرته.
2 - محاولة تنظيم أمور الطفل بدقة مبالغ فيها، وكأنه آلة وليس بشرًا.
3 - اصطحاب الطفل إلى الحفلات أو الأصدقاء يعطل نظام النوم عنده.
4 - وجود منافسة أو غيرة بينه وبين الإخوة أو الرفاق.

أما وجود شيء من العناد والرفض في سلوكها، فهو إما بسبب طبيعة المرحلة العمرية أو لفقدان الاهتمام، فتلجأ إليه لتكسب شيئًا مما فقدته، وكذلك كثرة البكاء، قد يكون بسبب تعلق زائد بالأم، ثم انشغال الأم بالمولود الجديد أو بالدراسة.

لو لاحظت يا أخي الارتباط بين أسباب الحالة الصحية والسلوكية لطفلتك لوجدت أن القاسم المشترك هو فقدان صغيرتك للاهتمام، رغم وجود والدتها معها في البيت، فلربما تنشغل عنها بدراستها أو بأختها، ورغم وجودك أنت في البيت لفترة طويلة فقد يكون لديك اهتماماتك الشخصية كالإنترنت أو غيره؛ لأن مهمة التربية مهمة مشتركة بين الأم والأب، وعليّ أن أنبِّه أن هذه الأعراض التي تعاني منها طفلتك تدخل تحت ما يسمَّى القلق الطفولي، والمتمثل باضطرابات النوم، والصعوبات الغذائية، والسلوكيات العدوانية كالرفض والعناد، وكلها إشارات على عدم قدرة الطفلة على مواجهة القلق، وهي بداية لحالة عصابية قد تحتاج إذا استمرت لعلاج نفسي.

إن مما يذكره علماء النفس كسبب لانعدام مشاعر الأمن الطفولي يكمن في الانفصال الباكر للطفل عن ملجأ الأمن الذي يقوم المنزل- وبشكل خاص الأم - بتأمينه له، ، وأرجو ألا يفهم كلامي أن من واجب الأم أن تترك دراستها الجامعية لتتفرغ لطفلتيها، بل ما أنصح به أن تحاول التوفيق التام بين المهمتين، مع أن مهمة الأمومة هي المهمة المقدسة الأولى، وأن توجد مساواة بالاهتمام بين الطفلتين، ومنح الاهتمام لكل طفلة كما لو كانت الطفلة الوحيدة بمساعدتك أنت، فإذا حملت الأم الطفلة الصغرى فاحمل أنت الكبرى وداعبها ولاطفها، لكن مع التشديد على أن علاقة التعلق بالوالدين يجب أن تكون علاقة طبيعية وليست مرضية أو زائدة عن الحد، وأقترح أن تبدأ بإرسال طفلتك إلى مدرسة لمن هم بعمرها كروضة أو حضانة، فقد تنشغل عن متطلباتها منكما عندما تبدأ حياة اجتماعية جديدة في المدرسة.
بارك الله لك في طفلتيك، وجعلهما قرة عين لك ولوالدتهما، والسلام عليك.