كان عمر ابنها البكر سنة وثمانية أشهر تحديدا عندما وقعت هاتان الحادثتان في نفس اليوم, فقد اعتادت أن تصطحبه معها إلى المربية القريبة من المنزل لتتركه عندها في رفقة بعض الأطفال الآخرين المقاربين له بالعمر.

كانت قد اشترت له حقيبة جلدية صفراء اللون عليها بعض الرسوم المضحكة, لتضع له فيها لوازمه مثل السندويتش والعصير والشيبس, فيحملها على ظهره, ويسير مع أمه بحذائه الرياضي الأصفر المصنوع في الصين والذي كان فخورا به جداً, فما إن يسأله أحد عما يلبس في قدمه حتى يجيب: ( طوط صيني ) أي بوط صيني.

عندما تتذكر سلمى تلك الأيام تدعو لها بالسقيا لأن ابنها الآن وبعد دخوله سن المراهقة لم تعد تستهويه سوى الأحذية الرياضية ذات الماركات العالمية الشهيرة!

في ذلك اليوم قررت أنها لن تطيل البقاء في المستوصف الحكومي الذي كانت تشغل منصب رئاسته, كي "تزوِّغ" إلى عيادتها الخاصة باكرا ما أمكن, والتي كانت قد أنشأتها حديثا بشق الأنفس, فلا بد لطبيبة مبتدئة مثلها من تَصيُّد الزبائن القادمين من الريف والذين كانوا يفضلون القدوم باكرا إلى المدينة؛ فقصدت أن تصطحب طفلها معها إلى المستوصف القريب من البيت ومن ثَمَّ إلى العيادة ليستمتع بأمومتها له قبل أن يفوت أوانها أو يأتي من يزاحمه عليها!

كانت مستغرقة في محادثة مع طفلها حول بعض ما يراه في الشارع, وتبسمت عندما أشار بسبابته إلى تمثال لرئيس البلاد آنذاك, واصفاً إياه بعبارة: بابا .. فلان , التي لا بد أنه سمعها في تلك الأيام من بعض الأطفال الذين يرضعون مع لبن أمهاتهم التعظيم والتبجيل للأب القائد "الرمز", ولم تشأ أن تخبره بالحقيقة كي لا تفقده متعته الطفولية باكتشاف أب له لم تلده جدته!

إضافة إلى أنها كانت متأكدة أن الأيام حبلى؛ وها هو قد رأى- بعد أن كبر - كما رأى غيره على شاشات التلفاز كيف يتهاوى تمثال القائد الأب فجأة وكيف يجر جذعه الأعلى في الطرقات ويركب عليه بعض أبنائه البررة, وكيف تضرب صوره بالنعال, وكيف تعم الفوضى بغياب الأب الديكتاتوري لأن الأولاد لم يأخذوا أي درس في الديموقراطية, فكأن نسيم الحرية كان عاصفة فاجأتهم من كل حدب وصوب!

لقد كانت سعادتها آنذاك كبيرة بالاهتمام بطفلها والشرح له على قدر ما تسمح له أبعاد أفقه الطفولي.. كانت كأي أم تمارس مهنتها الرائعة الفطرية لأول مرة؛ ولاستغراقها في سعادتها لم تلاحظ تلك المرأة القروية التي مرت من جانبها إلا وهي تستوقفها منتهرة إياها بصوت عال قائلة: أليس حراماً عليك؟! طفل صغير تحمِّلينه حقيبة وترسلينه إلى المدرسة؟! على الأقل احمليها عنه يا ظالمة!

وتابعت سيرها وهي تقول: أمهات آخر زمن!

ضحكت سلمى في سرها من طيبة تلك القروية, فماذا لو علمت أن كتبه عبارة عن سندويتش وشيبس وعصير؟ وماذا لو عرفت أن اسم مدرسته بيت أم أحمد المربية؟ تابعت طريقها دون أن تشعر بأي ضيق من سلوك تلك المرأة, بل على العكس ربما شعرت بالسرور يجتاحها لوجود بعض الناس على الفطرة, يحملون في قلوبهم همّ الإنسان سواء كان طفلا أم كهلا.

ما إن وصلت إلى المستوصف ودخلت غرفة مكتبها حتى حضر بعض الزملاء والزميلات يلقون عليها تحية الصباح, فحدثتهم عن الطرفة التي حصلت معها, فما كان منهم إلا أن أجلسوا طفلها بينهم فرحين به مسرورين, ليس تملقا لها لأنها رئيستهم, بل لأنه قلما يرونه معها, وأخذوا يمازحونه على ( الطوط الصيني ) والكتب الثقيلة التي تحتويها حقيبته؛ وما هي إلا دقائق حتى قدمت إليها السكرتيرة بسجل المرضى اليومي, وأخذت سلمى تتحادث مع باقي الزملاء في أمور العمل ومشاكله التي لا تنتهي؛ فقد كان أكثرهم كأطباء يعمل في مستوصفات أو مشافي حكومية إضافة إلى عياداتهم الخاصة, لأن الحكومة لم تكن تفرق بين الطبيب والممرض والفرّاش في المرتَّب بحكم قانون اسمه قانون العمل الموحد, والذي كان يوحِّد بين من طلب العلا فسهر الليالي وبين من لم يطلب العلا فينال نفس المرتب بسبب القِدم في الوظيفة!

وكانت المشكلة الأساسية والتي لا حل لها هي ترك الطبيب لطابور المرضى في المستوصف من أجل أن يكسب بعض الزبائن في عيادته الخاصة, وإذا لم يفعل ذلك فلن يستطيع أن يعيش كطبيب, حيث كانت مجتمعات تلك الأيام– وما زالت ربما– تنظر إلى الطبيب على أنه يجب أن يكون متربعا على عرش من الثروة, ولا أحد يعرف من هو المسؤول عن هذا الوضع الخاطئ: أهو الطبيب نفسه أم نظرة المجتمع له, أم أن السبب في قانون العمل الموحد الذي كان وبالا ً على المجتمع الذي طبقت فيه الاشتراكية فاشترك الشعب في الفقر والعوز في حين اشترك أفراد الطبقة الحاكمة بسلطات مطلقة ورفاهيات ليس لها حدود!

بينما كانت سلمى تتحادث مع زملائها حصلت مفاجأة غير متوقعة, إذ لم يروا إلا مدير الشؤون الصحية واقفا في وسط الغرفة ومعه بعض رجالاته لضرورة ( البرستيج ), وكأنه هبط عليهم من السماء!

أهلا .. أهلا.. دكتور ... كيف أنتم يا أطباء؟ هيا يا دكتورة أرينا ما عندك! وتحرك أمام سلمى التي كان عليها أن تتبعه من غرفة إلى غرفة لتطلعه على سير العمل وعدد المراجعين, وتجيبه على كل أسئلته وأهمها دوام التمريض والأطباء, ولكن ماذا يحدث خلال هذا الدوام, فهذا لا يهم لأن الكمّ دائما أهم من الكيف!

لم يكن ممكنا أن تحكي له عن الممرضة أم فادي التي عمرها ضعف عمر سلمى تقريبا والتي اعتادت أن تجلب معها الفاصولياء والبامياء والبازلاء لتقطعها من أجل أن تهيئها للطبخ كي يجد زوجها لقمة يأكلها وإلا فإنه يعكر يومه ويومها! ولا عن القابلة أم فيصل والتي لا تعرف لها أي مهمة أو مسؤولية أو عمل اللهم إلا سرد حكايات الجيران ما دامت تعرف مسقط رأس كل واحد منهم وكيف دخل إلى بطن أمه ومتى خرج! و لا عن عاملة النظافة التي لا تكف عن غزل الصوف (التريكو ) لأن الشتاء قارس ولا بد أن يلبس أولادها وزوجها من صنع يدها وإلا ماتوا من البرد! ولا يمكن أن تذكر له الغياب المتكرر للممرض عصام لأنه "مدعوم " من سعادة المحافظ, ولا عن عدم حضور الدكتور فراس غير المبرر والذي كان مفترضا أن يغطي الدوام المسائي لأنه قريب لمعالي الوزير الفلاني, ولا عن الهروب الدائم للدكتور سمير الذي كان يضع على المكتب حقيبة أوراق, ويعلق سترته والمظلة الواقية من المطر, ويهرب ( أو بالعامية يفركها ) إلى عيادته قبل أن يصل أحد ويراه, فهو موجود وغير موجود في آن واحد!

لم يكن ممكنا أن تحكي لمدير الشؤون الصحية كل هذا لأنه يعرفه, ولأنه ظن على ما يبدو أن سلمى ستأتي بما لم تستطعه الأوائل, فتفاءل بها كطبيبة نشيطة يمكنها أن تقوم بأعمال المدعومين والمتسيبين والمنتفعين دون أن تشتكي منهم, لكنها كانت مهمة صعبة جدا, فقد كان عليها كرئيسة للمستوصف أن ترى كل هذا التسيب والإهمال وتتغاضى عنه, وقد فعلت هذا لمدة شهر على أمل أن تستطيع لملمة الخيوط في يدها, ولكن لما علمت أن أهل الأمثال لم ينسوا شيئا ترحمت على من قال منهم : ( وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر ؟). وعندما تأكدت أن عليها أن تكون واقعية وتتخلى عن مثاليتها لتبني عيادتها الناشئة كما يفعل غيرها, قدمت استقالتها شاكرة لمدير الصحة هذه الثقة التي لا تستحقها, ومعلنة على مسامعه أنها لا تستطيع أن تغض الطرف أكثر, وإلا فإنه سيزور المستوصف يوما ما ويرى رئيسته التي هي الدكتورة سلمى قد أمسكت بالباذنجان والكوسا وبدأت بتحضيرهما لطبخة المحشي الشهية, فقبل استقالتها بابتسامة وبروح رياضية وببرود أعصاب شديد تبدى بسؤاله لها إن كانت مقتدرة في عمل المحشي كما هي في الأمور الأخرى ؛ وهكذا باركت سلمى لأول زميل حل مكانها في سلم الرئاسة في ( مستوصف كل واحد يده له ) مقتبسة هذا الاسم من حكايا غوار الطوشة في ( حارة كل مين إيدو إلو )!

لم يكن الشيء المهم في زيارة مدير الشؤون الصحية يومها أنها كانت حافزا لجرأة سلمى على تقديم الاستقالة فحسب, بل لأنها أذهلتها عن شيء مهم جدا, لم تتذكره إلا بمجرد دخولها غرفة مكتبها مرة أخرى ورؤيتها إياه وهو جالس لوحده على المقعد الطويل الذي غادره الزملاء جريا وراء مدير الشؤون الصحية؛ فليس أجمل من براءة الطفولة التي لا تعرف تملقا ولا مداهنة ..

كان يقضم بصمت كتابه السندويتشي وكأن العالم كله مطوي في هذا الكتاب اللذيذ!


منقول