وضع الإسلام الأسس لبناء الأسرة والمجتمع على الحقوق والواجبات, ولا يكون الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان ما لم يكن له ثوابته ومتغيراته, فالمتغيرات هي الآليات والوسائل التي يتم التوصل عبرها لإقامة الأسس الثابتة, ومن هذه الأسس الثابتة مساواة الرجل والمرأة في الحقوق بسبب إنسانيتهما المشتركة كما أن عليهما نفس الواجبات كونهما مكلفين بالاستخلاف وحمل الأمانة, وهو ما أكد عليه بعض الفقهاء السابقين فكراً وزمناً إذ بيّنوا أن حقوق المرأة هي نفسها حقوق الرجل إلا ما استثني بنص واضح صريح.

أما ما ينشأ منه الاختلاف في حقوق وواجبات كل من الرجل والمرأة فهو بسبب المهام الخاصة الموكلة لكل منهما إضافة للمهام العامة؛ على سبيل المثال لا تتحمّل المرأة مهمة الإنفاق في الأسرة فليس من واجبها الضرب في الأرض, وهو الأمر الذي يجعل طريقها إلى مهمتها الأساسية في الأمومة وحسن التبعل سهلا معبّدا, ومن هنا نستطيع أن نستنتج أن القوامة التي ورد التأكيد عليها في القرآن, لا تعني أفضلية أحد الزوجين على الآخر بل لكل منهما مكانه المناسب في الحياة الأسرية, كما أنها محدودة في الأسرة بين الرجل وزوجته, لقوله تعالى في سياق آية القوامة:{واهجروهن في المضاجع} وهي لا تليق إلا بين الرجل وزوجته.

وأفضل ما جاء في تفسير {وللرجال عليهن درجة} التي هي درجة القوامة قول ابن عباس:(الدرجة حضّ الرجال على حسن العشرة, والتوسعة على النساء في المال والخلق) لذا فإنه ليس للزوج قوامة على تصرفات زوجته المالية, وكل تصرفاتها في أموالها الخاصة نافذة وليس لزوجها أن يبطل شيئاً منها, كما لا يتوقف أي من هذه التصرفات على إذن الزوج؛ وكذلك لا تعني القوامة إخضاع المرأة لرأي الرجل فالعلاقة الزوجية تبنى على المودة والرحمة وليس على الإجبار والإكراه, كما أن استقلال شخصية المرأة عن الرجل واضح في كثير من الأمثلة في العهد النبوي في كل ما يخص التكاليف الدينية والمعاملات الاجتماعية.

هذه الأمور اتفق عليها الفقهاء المعتدلون على مر العصور, وإذا كنا نقدّر الاختلاف في آراء بعضهم بعضاً كرحمة لأمة الإسلام في زمن ما, فإنه من المنطقي أننا في هذا الزمن الذي علت فيه الأصوات المنادية بحقوق المرأة ومساواتها بالرجل يجب أن نأخذ بالآراء الأكثر تماشياً مع زمننا وعصرنا. على سبيل المثال موضوع خروج المرأة من بيتها, فقد أصرّ بعض الفقهاء على ضرورة أن تستأذن المرأة زوجها إذا أرادت الخروج من بيتها, حتى لو كان والدها في مرض الموت, فإذا لم يأذن لها زوجها فيجب أن تلزم بيتها, وهذا الرأي المتشدد لا يتلاءم مع المنحى الإنساني لدين الإسلام والذي من واجبنا إعلاؤه لصد الهجمات المتتالية على ديننا, خاصة وأن هناك رأي لبعض الفقهاء يبيح خروج المرأة دون إذن زوجها ما دام لا يتعارض مع استمتاعه بها وسكنه لها, دون أن يتنافى ذلك مع إعلامه بخروجها من البيت كما هو واجبه بإعلامها حال خروجه منه,
والإعلام شيء والاستئذان شيء آخر, وسبب المساواة هنا هو أن من حق المرأة أن تعلم مكان زوجها إذ ليس من المعقول أن تطلبه فلا تعلم أين هو, هذا في حال الإقامة الذي يختلف عن حال السفر فمن واجب كل منهما استئذان الآخر قبل السفر لأنه يترتّب عليه تحمّل الوالد المقيم مسؤوليات الوالد المسافر, فعندما يغيب الزوج تلعب المرأة دور الأب والأم معاً, وفتوى استئذان الزوج لزوجته قبل سفره صدرت عن الأستاذة الأزهرية الدكتورة سعاد صالح لكنها للأسف لم تنل حظاً واسعاً من الانتشار كحظ الفتاوى المتهافتة من بعض الذكور المنسوبين إلى المستوى الفقهي.

نستنج مما سبق أن تعدي مفاهيم القوامة إلى خارج الحياة الزوجية ليصبح كل الرجال قوامين على كل النساء, سواء في العائلة أو في المجتمع, ليس إلا بسبب أمزجة فقهية وأهواء نفسية, تريد أن تصادر مشاركة المرأة في الحياة الحقيقية؛ إذ نتيجة لهذه الآراء تم حرمان المرأة من كثير من حقوقها التي أثبتها لها الشرع, كحرمان المرأة من حقها في أي ولاية.

يبدأ ذلك من رفض الرجل أن تكون مديرته في العمل امرأة مع أنها قد تكون الأقدر والأكفأ, وينتهي إلى رفض أي مشاركة سياسية للمرأة بما في ذلك الانتخاب والشورى والوزارة والقضاء بحجة أن هذه الأعمال تتضمن قوامة الأنثى على الذكر, مع أن القوامة شرعاً ليست لأي ذكر على أية أنثى, بل هي للذكر المتكفل بالإنفاق على أنثى يحق له تأديبها - إذا نشزت- بهجرها في المضجع, فمن يستطيع ذلك سوى الزوج؟ وهل الأمر يقتضي شروحات وتفصيلات أكثر لقارئي القرآن واللغة العربية؟