الشمائل في ذكر ما لأبي بكر من فضائل


- سئل شيخ الإسلام عن رجل متمسك بالسنة إلا أن عنده شك في أفضلية أبي بكر وعمر وعثمان على علي، مستدلاً بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {أنت مني وأنا منك} وقوله: {أنت مني بمنزلة هارون من موسى} وقوله له يوم خيبر: {لأعطين الراية غداً رجلاً..} وقوله: {من كنت مولاه فعلي مولاه} وتمامه: {اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله}.

ومما يزعم السائل أن قوله تعالى: (( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ))[آل عمران:61] و (( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ))[الحج:19] و (( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ ))[الإنسان:1] نزلت في علي.. أفتونا؟

فأجاب الشيخ رحمه الله على هذا السؤال ما ملخصة فقال: يجب أن نعلم أولاً أن التفضيل إنما يكون إذا ثبت للفاضل من الخصائص ما لا يوجد للمفضول، وأما ما كان مشتركاً بين الرجل وغيره من المحاسن؛ فتلك مناقب وفضائل لا توجب تفضيله على غيره، وليست من خصائصه.

ومعلوم أن فضائل أبي بكر وخصائصه لم يشركه فيها أحد، وأما علي ففضائله مشتركة بينه وبين غيره.

فمن خصائص أبي بكر التي لم يشركه فيها غيره، الخصيصة الأولى: {لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً} فهذه خصيصة له بأنه لا أحد يستحق الخلة -لو كانت ممكنة- إلا أبا بكر، وقال في نفس الحديث: {لا تبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر} وقد حاول بعض الكذابين أن يروي لعلي مثل ذلك، وقد وردت روايات كثيرة كلها ضعيفة إلا رواية واحدة إسنادها جيد هي: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بأبواب المسجد فسدت إلا باب علي رضي الله عنه} ثم قال في نفس الحديث الأول عن خصائص أبي بكر: {إن أمن الناس علي في صحبته وذات يده أبو بكر} أي: ليس لأحد من الصحابة عليه من حق في صحبته وماله ما لأبي بكر رضي الله عنه.

ومن خصائصه أيضاً: أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر أن يصلي بالناس مدة مرضه، إذ لم يأمر النبي أمته أن تصلي خلف أحد في حياته بحضرته إلا خلف أبي بكر.

- وكذلك تأميره له على الحج ليقيم السنة ويمحو أثر الجاهلية.

- وكذلك قوله في الحديث الصحيح: {ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه الناس من بعدي} ثم قال: {يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر}، وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: {ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين أفضل من أبي بكر الصديق}.

وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: {أنت مني وأنا منك} فليست خصيصة له، حيث قد شاركه فيها غيره، وإليك الدليل:

قال صلى الله عليه وآله وسلم لجليبيب: {هذا مني وأنا منه}، وكذلك قوله للأشعريين: {إن الأشعريين إذا كانوا في السفر ونقصت نفقة عيالهم بالمدينة.. هم مني وأنا منهم} وقال تعالى: (( وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ ))[الأنفال:75] وقال: (( وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ ))[التوبة:56] وقال صلى الله عليه وآله وسلم في قصة بنت حمزة: {أنت مني وأنا منك}.

وقوله لزيد بن حارثة: {أنت أخونا ومولانا} ومعلوم أن هذا عام لكل من كان من مواليه؛ لقوله تعالى: (( فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ))[الأحزاب:5] فكلها تدل على عدم خصوصية هذه المنقبة لعلي فقط، بل لكل من كمل إيمانه.

- وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: {لأعطين الراية غداً..} وقد زاد فيه بعض الكذابين: {إن الراية أخذها أبو بكر وعمر فهربا} وفي رواية مكذوبة أخرى: {أنهما انهزما..} وهذا الحديث: -{لأعطين الراية..}- من أصح الأحاديث، إلا أنه ليس خصيصة لعلي فقط، بل كل مؤمن كامل الإيمان يحب الله ورسوله يحبه الله ورسوله، قال تعالى: (( فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ))[المائدة:54] وكذلك قال النبي للأنصار: {والله إني لأحبكم}، وكذلك لما سئل صلى الله عليه وآله وسلم: {أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها} وهذا فيه أن أبا بكر رضي الله عنه أحب الرجال إليه صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا من خصائصه رضي الله عنه، وكذلك أسامة بن زيد بن حارثة كان يسمى: الحب بن الحب؛ لحب النبي صلى الله عليه وسلم له ولأبيه.

- وأما قوله: {أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى..} وهو لما استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، حتى لا يدخل في نفسه كلام المنافقين، وهذا ليس خصيصة له فقط، فمعلوم أنه استخلف غيره من الصحابة قبله، ولو كان هذا الاستخلاف أفضل من غيره لما خفي ذلك على علي رضي الله عنه، وأما ما روي {أنه خرج إليه وهو يبكي..} إلخ فإسناده ضعيف..

- ثم إنه بعد ذلك الاستخلاف أمَّر عليه أبا بكر عام تسع، فإن هذا استخلاف علي كان في غزوة تبوك في أوائل السنة التاسعة فلما رجع النبي من الغزو وأمَّر أبا بكر على الحج، ثم أردفه بعلي فلما لحقه، قال: {{أمير أو مأمور؟ قال: بل مأمور}} فكان أبو بكر يصلي بعلي وغيره، ويأمر علياً وغيره من الصحابة فيطيعونه، وعلي يتعاطي نبذ العهود التي كانت بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين المشركين؛ لأن عقد العهود وحلها ليست إلا لرجل من أهل بيته، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: {لا يبلغ عني العهد إلا رجل من أهل بيتي} وهذا أيضاً ليس من خصائص علي رضي الله عنه، بل أي رجل من عترته نبذ العهد حصل به المقصود، لكن علياً أفضل بني هاشم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان أحق بالتقديم من غيره من الأقارب، فلما أمَّر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر بعد قوله لعلي: {أما ترضى أن تكون مني بمنزلة..} علمنا أنه لا دلالة في ذلك على أنه بمنزلة هارون عليه السلام من كل وجه، وإنما شبهه بهارون في الاستخلاف خاصة، وهذا أمر مشترك بينه وبين غيره.

وقد شبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر بإبراهيم وعيسى، وشبه عمر بنوح وموسى، وهذا أعظم من تشبيه علي بهارون، وتشبيه الشيء بالشيء لمشابهته به من بعض الوجوه كثير في الكتاب والسنة وكلام العرب.

- أما قوله: {من كنت مولاه فعلي مولاه..} وزيادة قوله: {وأدر الحق معه حيث دار} فلا ريب أنها كذب لوجوه:

1- أن الحق لا يدور مع شخص معين إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه لو كان كذلك للزم اتباعه في كل ما يقول.

2- معلوم أن علياً كان ينازعه أصحابه وأتباعه في مسائل كثيرة، منها مسائل وجد فيها نصوص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توافق قول من نازعه.

- وقوله: {وانصر من نصره، واخذل من خذله} هذا يدل على خلاف الواقع؛ لأنه قاتل معه أقوام يوم صفين، لكنه نزل على تحكيم كتاب الله لما دعي، وأوقف الحرب لكن التحكيم فشل، ولم يتمكن من غزو الشام بعد ذلك وإدخالها ضمن خلافته وبيعته.

ولا يشك أحد أن علياً كان أقرب إلى الحق من معاوية، إلا أن لمعاوية اجتهاد القصاص والثأر لعثمان لا غير، ثم إن معاوية انتصر وفتح البلاد مع أنه قاتل علياً، لا لبغضه وإنما لاجتهاد كما ذكرنا، فهم يحبونه بدليل حديث عن علي: {{والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إنه لعهد الرسول إليَّ أنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق..}} رواه مسلم.

- وقوله: {اللهم وال من والاه وعاد من عاداه} مخالف لأصول الإسلام، فإن القرآن قد بين أن المؤمنين مع اقتتالهم وبغي بعضهم على بعض هم إخوة مؤمنون، كما قال تعالى: (( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ))[الحجرات:9] فكيف يجوز أن يقول النبي لرجل من أمته: {اللهم وال من والاه}؛ وذلك لأنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق، وذلك مثل قوله في الأنصار: {آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار}.

وقوله: {من كنت مولاه فعلي مولاه} فإن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يرد به إلا الولاية المشتركة، وهي ولاية الإيمان التي جعلها الله بين المؤمنين، كما قال تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ ))[المائدة:55]

فهذه موجبة لموالاة جميع المؤمنين!

وحديث التصدق بالخاتم في الصلاة كذب موضوع باتفاق العلماء.

- وأما قوله في غدير خم: {أذكركم الله في أهل بيتي} فليس هذا من خصائصه؛ بل هو عام لجميع أهل البيت.

- وأما آية المباهلة فليست أيضاً من خصائصه رضي الله عنه، بل قد دعا علياً وفاطمة والحسن والحسين، فدعوته لهم ليس لأنهم أفضل أمته؛ وإنما لأنهم أخص أهل بيته.. ومثل ذلك تأدية النبي صلى الله عليه وآله وسلم زكاة علي وفاطمة والحسن والحسين.

ثم لما كانت المباهلة بالنساء والأبناء والأنفس ودعا هؤلاء، ولفظ الأنفس يعبر عنها من النوع الواحد، كما في قوله تعالى: (( لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً ))[النور:12] أي: عامة، وقال: (( فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ))[البقرة:54] أي: يقتل بعضكم بعضاً، وهذا مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: {أنت مني وأنا منك} ليس المراد أنه من ذاته، فلا يمنع أن يكون في غير الأقارب من هو أفضل من علي رضي الله عنه؛ لأن المباهلة وقعت بالأقارب، فلهذا لم يباهل بأبي بكر وعمر وعثمان ونحوهم رضي الله عنهم.

- وأما قوله تعالى: (( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ))[الحج:19] ففي الصحيحين أنها نزلت في المختصمين يوم بدر، وهذه فضيلة مشتركة أيضاً، ولو قدر أنها نزلت في الستة المبارزين، كما جزم به أبو ذر رضي الله عنه، فلا يدل على أنهم أفضل من الخلفاء الأربعة وغيرهم ممن هو أفضل منهم.

- وأما قولهم بأن قوله تعالى: (( هَلْ أَتَى ))[الإنسان:1] أنها نزلت في علي وفاطمة رضي الله عنهما لما تصدقا بقوت الحسن والحسين، فهذا كذب؛ لأن سورة (( هَلْ أَتَى ))[الإنسان:1] مكية بالإجماع، والحسن والحسين إنما ولدا بالمدينة بعد غزوة بدر باتفاق أهل العلم، ولو سلمنا بصحة هذا القول فليس دليلاً على أن من أطعم مسكيناً أو نحوه كان أفضل الأمة والصحابة، بل الآية عامة ومشتركة بين كل من فعل هذا الفعل.

هذا جواب هذه المسائل والله تعالى أعلم.

واعلم أن كل ما يظن فيه دلالة على فضيلة غير أبي بكر عليه، إما أن يكون مكذوباً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإما أن يكون لفظاً محتملاً لا دلالة فيه.



وأخيراً:

أبو بكر رضي الله عنه خص بمناقب لم يشركه فيها غيره، دلت عليها أدلة صحيحة صريحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بينما غيره من الصحابة وردت في فضلهم أحاديث هي مشتركة بينهم.

ثم إنه قد أقر صاحب الشأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في هذه المسألة، وبين في حديث سويد بن غفلة فضل الصديق والفاروق في خطبة طويلة له.