حماية الطفل من الإهمال والعنف واستغلال الأطفال 1

مقدمة :

الولد النعمة المهداه ، الفرحة الموصولة بالنفس والفؤاد . الغراس الأصيل في القلوب الممتد إلى الغد . الولد أمل الابوه ، له تذوب العافية ، لأجله يدور الأباء في حلبة الرزق فيخرج من ديار الأهل حيث السكينة والأمان إلى تيه الغربة وجفوة الاغتراب .
الولد عطية الرحمن وهبه مقدرة جاءت بقدرته وبقوله تعالى " كن ".بيد أن العطية منحة ليؤمن الجميع أن الأسباب لا تعمل بغير مراد الله وأن توافرت الأسباب ولا يشعر بهذه النعمة إلا من حُرم منها .
جملة من الحقوق كفلتها الشريعة الإسلامية لحماية الطفولة .

أولها : حقه في النسب :

لعل من أهم المبادئ التي كفلتها الشريعة له حقه في النسب المشروع وهو المبدأ الذي لم يخل منه ميثاق من المواثيق العالمية وإن دلت الإحصاءات العلمية على عكس ذلك . ومن أولى الحقوق بالرعاية في الشريعة حق الولد على أبيه في أن يكون نتاج علاقة زوجية مشروعة فلا يولد وقد سبقته معرّة مدونة في صحيفة ميلاده باسم مجهول الأب " يدون لقيطاً " وتظل لصيقة به أبدا ، وتجعله يعيش في خزي ومذلة لا حيلة له فيها تورت لأبنائه . وربما كانت سبباً في تحوله إلى شخصية عدوانية أو إجرامية .
لهذا كان للنسب تقديره السماوي فقد باركته السماء قبل الأرض باعتباره من دلائل القدرة

فيقول سبحانه ( وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديراً ) والنسب هو الرابطة التي تربط الإنسان بغيره من جهة الدم ، والأسرة هي وعاء النسب وفي ظلها تنشأ أول رابطة بين الإنسان وغيره من أفراد المجتمع الإنساني . لهذا حرص الإسلام على نقاوة النسب والحفاظ على بناء الأسرة فأبطل الكثير مما تعورف عليه إبان الجاهلية من طرق من شأنها أن تموه وتُغّيب صلة الدم من هذه الطرق التبني والمساعاه والاعتراف .

كما حرم الزنا وكل ما يؤدي إليه وشرع الحجاب ، وأمر المرأة به ، وأمر بغض البصر ، وعدم الخلوة ، وحث الرجل على الغيرة على عرضه ، وجعل الديوث في أسفل السافلين ، وشرع الزواج والتعدد وما ذلك إلا سدا لمنافذ جريمة الزنا ، ثم شدد العقوبة على الزناة ، وابتلاهم بضيق الرزق وسواد الوجه . كما حرم القذف ورتب عليه العقوبة ضماناً للحقوق وحفاظاً على الأعراض ، والأنساب . إلى أخر ذلك من التشريعات التي تحفظ للأعراض نقاوتها .

ثانياً : حقه في الأبوة المستقرة :

كما تضمنت المواثيق العالمية العديد من المبادئ التي من شأنها أن تحفظ للأسرة استقرارها. وكانت هذه المبادئ من أسبق ما أولته الشريعة كل عناية فقد حرصت على حق الولد في أن ينشأ في أسرة مستقرة . ولن تأتي ذلك إلا بحسن اختيار الزوجين وليكن المعيار قدر الصلة بالله أي الصلاح والتقوى يقول تعالى { وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنيهم الله من فضلة والله واسع عليم } ويقول جل من قائل أيضاً { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } . فالمعلوم أن المقاييس المحمودة إبان الاختيار ، كثيراً ما تقع تحت طائلة المشتهي المنظور حيث يفتتن كلاهما بتحقق حلمه الذي راوده زمناً فهو يطمع في امرأة جميلة غنية . وهي تتطلع إلى فتاها المزود بمقتنيات يلهث وراءها الشباب إلى المشيب .

فإذا بزواج أشبه بصفقة سرعان ما تفقد بريقها لتبدو الحقيقة جلية ، وبخاصة عندما يأتي الولد ، فلا يجد سوى لوحه جميلة ، تحمل عبارة والدة ، لا يشعر بين يديها إلا بكونه عبئاً ثقيلاً ، لولاه ما احتملت حياتها . أو والد مسافر دائماً وراء طموحاته وأحلامه يمنح المال ويغدق في العطايا ، لكنه غائب حاضر ، ممسوخ المعالم الأبوية فيأتي الولد تائها لا يجد أُمًّا حانية ولا أباً راعياً .

فليس اليتيم من فقد أبوية وتركاه في الحياة ذليلاً بل اليتيم من له أم تخلت أو أب مشغول ، فنرى تفسخاً في العلاقة الأسرية وناهيك عما ينجم عن ذلك من اضطرابات نفسية ، وقد يبلغ الأمر منتاه بوقوع الفرقة وتشريد الأبناء . ويقول " تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس " أي صفات الوالدين يرثها الأبناء . قال أبو الأسود لبنيه " يا بني قد أحسنت لكم صغاراً وكباراً ، وقبل أن تولدا . فقالوا وكيف أحسنت إلينا قبل أن نولد ؟ قال اخترت لكم أما لا تُسَبون بها " .
وبرغم هذه المحاذير فلم يغفل جانب القبول : لهذا أمر الرجل عند الخطبة أن ينظر إليها . يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم

( انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما ) أي أدعى لدوام المحبة والألفة .
والمقصود باختيار ذات الدين أي التي تدرك حق الله بوعي ، وإدراك عقلاني سليم ، وتنطلق من منطقة الوقوف على مظهر الإلزام إلى عمق الإلزام .
كما أمر ولي الفتاة أن يتخير ( صاحب الخلق والدين لا صاحب المال والعقار ) فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم

( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنه في الأرض وفساد كبير ) . ومن قمة رعاية الزوجين لحقوق الله والاعتزاز بشرف قيمها الإنسانية ، بيت الله بينهما دفقات هائلة من المودة والرحمة فالرحمة في مقام الزوجية وما يعقبها من ذرية هبة ومنح أصيل في الذات يقول تعالى { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } وما دامت الرحمة وديعة بين الزوجين عرفا الحق فلابد أن تعمر بها حياتهما أولاً فهي إلهتان النوراني المطهر الذي يصل إلى أعماق المؤمن فيتهيأ فؤاده للاستقبال والإرسال ، فنراه دائماً قبساً خيراً لمن حوله ولو اتسم الزوجان بهذه الخصال فالبشرى لهم بحياة طيبة ومن هنا يأتي الولد صالحاً .



ثالثاً : حق الولد في الحياة :

سنجد المواثيق الدولية قد تسابقت بل تبارت ، في أسلوب رعاية هذا الحق وتولته بالتحليل والتفصيل والتعديل برغم من إباحتها الإجهاض ، إلا أننا نجد سبقاً للشريعة المحكمة مع ضوابط إيمانية وأخلاقية تتضمن الإخلاص في التنفيذ .
فقد عنيت الشريعة الإسلامية بالطفولة وتعدتها بالرعاية وهي بعد في مرحلة التخليق ، وهو ما يطلق عليه اسم الجنين وتبدأ رعاية الأجنة بتوجيه الآباء إلى الاحتياط من تملك الهوى والشهوة عند وضع النطفة كي لا تستأثر به النزعات الشيطانية . فأوجب التسمية بقول الرسول صلى الله عليه وسلم( لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لا يضرة الشيطان أبداً ) .

حث الأم على الحفاظ على جنينها والتحرز من إسقاطه ويشبه ابن سيناء تعلق الجنين بالرحم كتعلق الثمرة بالشجرة ، فإن أخوف ما يخاف على الثمرة أن تسقط إما تسقط عند ظهورها ، وإما عند إدراكها . كذلك أشد ما يخاف على الجنين ، أن يسقط عند أول العلوق . لهذا وجب عليها أن تتحرز من الأسباب المفضية إلى الإجهاض في هذه الفترة . فتعمد إلى التغذية السليمة والراحة النفسية والبدنية .

حرم الإسلام قتل الأجنة وبخاصة بعد الشهر الرابع إلا لضرورة تقتضي ذلك ويقول طبيب مسلم : ومن تعمدت قتل جنينها أو تعمد ذلك أجنبي ففيه " القود " أي القصاص .
كذلك أوجب الإسلام تأجيل العقوبة على المرأة الحامل حفاظاً على الجنين حتى لو ولد زنا .
كما أباح للمرأة ترك فريضة الصوم إن خشيت على نفسها أو جنينها التهلكة . وكذلك المرضع وقد أجمع الفقهاء على ذلك لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله عز وجل وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ، وعن الحبلى والمرضع الصوم ) ( سنن النسائي ) .

رابعاً : حقه في الرضاع :

وكذلك يتعين على الأم إرضاعه إن امتنع عن المرضعة المستأجرة أو المتبرعة . ثم حددت الشريعة المدة المناسبة للرضاع التي بعدها يكتمل بناؤه ، ويتهيأ للطعام العادي ، وذلك في قوله تعالى { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة }.

ثم أوجبت على الزوج الإنفاق عليها وزيادة المخصص لها من مطعم ومشرب للمحافظة على صحتها مع رعايتها نفسياً ، أما إن كان بالأم علّة مانعة من الرضاع أو إن امتنع عن الرضاع منها ، أو توفيت الأم فعلى الزوج إحضار من ترضعه ولو بأجر أو إرضاعه صناعياً . ولرضاع الأم وليدها الرعاية الجسمية بالبناء والإنشاء غاية نفسية أيضاً تمنحه قدراً من الأمان والاستقرار النفسي والرضا . فرضاع الأم زاد للنفوس لنماء الروح قبل البدن ، وبث غراس المودة والحب والحنان والرحمة وبها جميعاً تتبلور الشخصية المستقرة عاطفياً ونفسياً .

خامساً : حقه في الحضانة:

حيث تقف الشريعة الغراء بجوار المرأة لحماية حقها في حضانة الوليد باعتبارها الحاضن الطبيعي الذي لا يرقى إليه أي خارجي ولو كان الأب نفسه ، فكانت الضوابط التالية :
( أ) أجمع الفقهاء على أن الحضانة حق الأم ما لم يقم بها مانع من زواج أو جنون أو إهمال .
(ب) كما أوجبت الشريعة الأجر للحاضنة. ثم تجب بعد ذلك لكل ما عداها فتؤخذ من مال الصغير إن كان له مال . وإلا فعلى الأب نفقة الحضانة لأنها من جملة النفقات الواجبة عليه إن كان قادراً عليها . أما إن كان معسراً ولم توجد من تتبرع بحضانته تجبر الأم على حضانته ويبقى أجر الحضانة ديناً في ذمته لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء . ويستمر حتى تنتهي فترة الحضانة ، وتستحق الأم أجر الحضانة بعد انقضاء عدتها مباشرة ولا يتوقف ذلك على قضاء قاضِ .
(ج) كما حددت الشريعة مكان حضانة الطفل مراعية في هذا التحديد مصلحة الطفل خلال فترة الحضانة ولا تتيقن المصلحة إلا بالجمع بينه وبين أمه وإشراف أبيه ، لهذا وجب أن يكون المحصون في مكان قريب من والده أو في بلد قريب منه .
( د) كما أوجبت تمكين الأب من رؤية ولده وكذلك الأم إن انتقل إلى والده وأيضاً لا يحرم الولد من حقه في رؤيتها جميعاً .
(ه) كما حددت الشريعة مدة الحضانة فاتفق الفقهاء على بدايتها وإن اختلفوا حول نهايتها

سادساً : حقه في النفقة :

أوجبت الشريعة نفقة الصغير على أبيه لضمان رعايته وسلامته وذلك في قوله تعالى { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } . وجعلت النفقة رغم وجوبها على الآباء قربى إلى الله ، ووسيلة من وسائل الترقي عنده بل سبق فضلها في الأجر أجر النفقة في سبيل الله . فعن الرسول صلى الله عليه وسلم قال

( أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ، ودينار ينفقه على فرسه في سبيل الله ، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله ) ، قال أبو قلابة بدأ بالعيال وأي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم ) .بل جعل الكدح والعمل لتوفير النفقة للأبناء سبباً في تكفير الذنوب ..( إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها إلا الهم في طلب الرزق ) .



يتبع ......