الساعه الثانيه مساءا....
اسير انا وصديقى فى الطرقات...نمرح سويا
ابلغ من العمر السادسه عشر....انا وصديقى
(الساعه الثانيه مساء)قالها صديقى...
قلت له فى تعجب:وما المشكله؟؟
قال فى مرح :معك انت لا مشكله..ولكننى تأخرت يجب ان اذهب الان....
قلت له فى تساؤل: لماذا هل تأخرت. اليوم هو الــ...
قطع كلامى فجأه ذلك المنظر الذى امامى...وتوقفت الكلمات فى حلقى...وظهرت العروق بارزه على وجهى.....وظللت احملق فى ذلك الاتجاه لدقائق...
قوطع صديقى صوت الصمت قائلا:ما بك.. ما بك؟
ونظر الى المكان الذى انظر عليه...فقال يا اللهى ما هذا؟؟
قلت له فى خفوت:لا اعلم...حقا لا اعلم..
امامنا طفل فى الخامسه من عمره يرتدى افخم الملابس...ويبدو عليه الثراء الفاحش....
يجلس على صخره كبيره وامامه شجره....ويمد فمه ليأكل من اوراق هذه الشجره....
قلت: يا اللهى ما هذا؟
فى البدايه تعجبت لانى ارى طفل فى الخامسه عشر يجلس فى هذا الوقت المتأخر فى الشارع
ولكنى تعجبت اكثر واكثر حين رأيت ما يفعله....اقتربت منه فى حذر...اقتربت اكثر فأكثر
وهنا بدأ الصغير يرانى...وبدأ الخوف يظهر واضحا على ملامحه.....فوقفت...وقلت له:لا تخف لا تخف...اتخشى منى؟؟
لم يتكلم الصغير...ولم يفتح حتى فمه ليقول كلمه واحده...ولم يبد انه فهم ما اقول....
قلت له:ما الذى اتى بك الى هنا....
لم يتكلم الصغير وظل ساكتا كما هو......
قلت له هل انت جائع ام ماذا؟؟
لم يتكلم الصغير..ولم تختفى نظره الرعب من عينه....
قلت له:ما رأيك ببعض قطع الحلوى..واخرجت من جيبى بعض قطع الحلوى التى لا يخلو من جيبى ابدا...فضحك الصغير...واخرج من جيبه بعض قطع الحلوى....
نفس النوع الذى أأكله....واعطانى بعضا منها...فأعطيته بعضا مما لدى فضحك فضحكت
قال : شكرا....
قلت له :اتستطيع التحدث ...لماذا اذن لغه الصمت من البدايه...
لم يجب..وظل ساكتا....
فقلت له:هل انت جائع؟
قال فى حزم:لا
قلت له:ولماذا تأكل من اوراق الشجر؟
قال الصغير فى هدوء:وهل فى ذلك من خطأ
صعقتنى اجابته...فقلت له:كيف خرجت من بيتك فى هذا الوقت المتأخر...؟
اعدل الصغير من وضع نظارته الصغيره القيمه:وقال:فتحت الباب وخرجت...
كدت ان اسأله كيف ذلك....لولا اننى تذكرت نفسى وانا صغيرا..حين كنت افتح باب منزلى واخرج فى اى وقت اريده...وقد كنت تقريبا فى الخامسه من عمرى...
قال لى صديقى:سأذهب لاحضر بعض الطعام للصغير...
قلت له:حسنا حسنا...ولكن لا تتأخر........
ذهب صديقى وتابعته بنظرى...ثم التفت لاتحدث مع الصغير...فلم اجده...
نظرت حولى فى كل اتجاه .....واعدلت من وضع نظارتى الصغيره القيمه.. .فرأيته هناك يجرى....
فاطلقت ساقى للريح...وقررت ان الحق به...وفجأه
ظهرت السيارات من كل الاتجاهات...ففهمت انها مشيئه القدر...ولكنى قررت الا ايأس...
وانتظرت حتى مرت كل السيارات وجريت...انظر فى كل اتجاه..ابحث عن الصغير....
وكانت نظرات الرعب التى اطلقها كأنها سهام تصيب كل من حولى...
وسمعت صوت يقول لى :ما شأنك انت بهذا الصغير..ولماذا تريد ان تبحث عنه....لماذا تريد ان تفتح على نفسك ابواب لن تستطيع اغلاقها ابدا....لقد عرفت ذلك الصوت(صوت العقل) بداخلى
تراجعت اربع خطوات للخلف ..فكرت الا ابحث عنه....
الا اننى سمعت صوت يقول لى..هل قررت ان تتركه...هل تريد ان تجعله يكون نسخه منك ...هل تجعلهم يدمرانه...اين الرحمه بداخلك...(صوت القلب)
تقدمت اربع خطوات الى الامام....
وسمعت صوت قادم من خلفى.......يقول يا ولدى
نظرت الى الخلف...فرأيت رجل كبير فى السن...يلبس جلباب بيضاء...وله لحيه بيضاء تضيف اليه الوقار والحكمه.......قال لى بصوت عميق:اتبحث عن طفل صغير...؟
قلت له: كيف عرفت...انتى قادم من الخلف من المستحيل ان تكون رأيته؟
قال لى:هل هو اخاك..ام ماذا...؟
قلت له فى تردد:لا ليس اخاى ولكنى اهتم بأمره ..واخشى عليه من ظلم الزمـ...
قطعت كلامى ولم اكملها...
فقال الشيخ:من ماذا تخشى عليه يا ولدى؟
فقلت فى تردد اكبر:ربما من ظلم الزمن...
قال لى الشيخ:ظلم الزمن.....؟........ولكن ربك لا يظلم احد يا بنى....من ظلم فقد ظلم نفسه....
(وما ربك بظلام للعبيد)....ذلك الصغير لن يضيع بل سيكبر وينشأ فى تحت رحمه الله....الانســ......
قطعت كلامه قائلا:اتعرف مكان الصغير ام لا...؟
قال لى فى هدوء مخيف:اتريد ان تعرف مكان الصغير....؟
قلت له:نعم ارجوك....
قال لى اذهب الى نفس الشجره التى كان عندها الصغير ....ستجده هناك
وما من اكمل كلمته حتى جريت وجريت ...لكى اصل الى الصغير قبل ان يرحل....
وفى الطريق كف كبيره وضعت على كتفى وازاحتنى بعيدا...نظرت الى الطريق ...ففهمت ..ذلك الرجل انقذ حياتى...لقد كادت سياره ان تصدمنى..
قلت له:شكرا لك....
قال لى: الا تخشى على حياتك
قلت له:ربما احمل فى يدى الحياه لشخص ما..
رحل الرجل...وظل يردد بكلمات...لم اسمع منها غير(اعوز بالله من شياطين الانس)
لم افهم...ولم اهتم ان افهم...
اكملت الجرى...ومن بعيد رأيت الشجره الصغيره...ففرحت وما من اقتربت اكثر حتى رأيت الصغير فأبتسمت....وما من اقتربت اكثر حتى رأيت ذلك المشهد كله قد تبخر..وكأن لم يكن له وجود...لم تستطع رجلى ان تحملنى...فجلس على تلك الشجره الصغيره...وانا ابكى وابكى ...
الى ان وضعت يد على كتفى...فتهللت اساريرى وقلت:مرحبا بك ايها الصغيــ...
لم اكمل كلامى ...هذا صديقى ومعه الشيخ ...
فصرخت وصرخت وظللت اصرخ...واقول
اكان هذا حلم ام ماذا؟ ........اكان هذا حلم ام ماذا؟.........اكان هذا حلم ام ماذا...........؟
ومنذ ذلك اليوم والصغير يزورنى كل يوم فى احلامى.............ارى طفل صغير .......والظلام حالكه.....يأكل من اوراق الشجر.....اقترب منه يرانى يبتسم.........فأبتسم بدورى..........
اقترب منه والظلام حالكه......اخرج من جيبى بعض الحلوى........امد يدى له....اراه يبعد.......ويبعد...........ويبعد.... ..والابتسامه لم تفارق شفتيه.........ويبعد
وانا اصرخ ..........ارجوك لا تتركنى وحيدا.............
.......................................ارجوك لا تتركنى وحيدا................
.................................................. .ارجوك لا تتركنى وحيدا.........................