قبل الحج

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله وخيرته من خلقه، وعلى آله وصحبه أجمعين... وبعد:
كل مسلم حريص على أداء مناسك الحج، لما للحج من فوائد عظيمة، وآثار كثيرة، تعود بالنفع على الأفراد والمجتمعات، فالحج سبيل التقوى، وبه النجاة من النار، ولزوم أعمال الخير والبر، وهناك أمور يجب على الحاج أن يتنبه لها قبل الحج، لأنها من أسباب موانع قبول الحج والدعاء، ومن أسباب عدم قبول العمل الصالح، وسأذكر للحاج الكريم، شيئاً من تلك الأمور، حتى يدرك خطر فعلها، وعظيم جرمها، فيبتعد عنها، ويسلك له حجه، ويرفع له عمله، ويقبل منه دعاؤه، وهذه الأمور عبارة عن دروس مهمة، وحبذا لو قرأ كل درس في ليلة مستقلة، حتى لا تتكدس الدروس في يوم واحد، فينس آخرها أولها، فتفقد ثمرتها، ولا تجنى نتائجها، ومن تلك الدروس ما يلي:


الدرس الأول: تقوى الله عز وجل:
التقوى ملاك كل أمر وهي من أسس ودعائم الإيمان بالله تعالى وحقوقه جل وعلا على عباد فالتقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والاستعداد ليوم الرحيل والرضا بالقليل.

فتقوى الله عز وجل أن تجعل بينك وبين عذابه وقاية وذلك باتباع الأوامر واجتناب النواهي بفعل كل طاعة تقربه إلى ربه سبحانه باتباع ما جاء في الكتاب والسنة من أوامر وطاعات وقربات لأن غاية ما يتمناه الإنسان هو الفوز بالجنة والنجاة من النار فهذا هو الفوز الحقيقي والسعادة التي لا مراء وجدال فيها لقوله تعالى: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [سورة آل عمران: 185]، ومن ذلك أيضاً ترك كل معصية تبعد العبد عن ربه سبحانه وتعالى مما يبعده عن الجنات ويقربه من النيران وذلك باجتناب كل ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم في الدستورين الكتاب والسنة المطهرة.

فالفوز والنجاة لمن خاف المولى جل وعلا وعمل بما جاء في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فمن استمسك بالقرآن الكريم فقد استمسك بالصراط المستقيم والنور المبين الذي من تمسك به لن يضل بإذن ربه أبداً يقول الله تعالى: {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} [سورة الإسراء: 9].

والتقوى هي وصية الله للمؤمنين الأولين والآخرين في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [سورة آل عمران: 102]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ} [سورة النساء: 131]، فمن أراد النجاة فعليه بالتقوى ومن أراد الصلاح فليه بالتقوى ومن أراد الجنة فعليه بالتقوى.

فتقوى الله عز وجل هي السبيل إلى ذلك كله.

فطوبى لمن كانت التقوى لباسه وزاده قال تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ} [سورة الأعراف: 126]، وقال تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} [سورة البقرة: 197]، فتقوى الله عز وجل مفتاح كل خير ومغلاق كل شر، وهي سبب تكفير السيئات ومغفرة الذنوب وزيادة الرزق وإعظام الأجر وفي التقوى يكون تيسير العسير وتفريج الكربات وغير ذلك مما يطلبه المسلمون والمسلمات يقول رب الأرض والسموات في محكم التنزيل: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [سورة الطلاق: 2-3]، ويقول جل شأنه: {إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [سورة الأنفال: 29]، وقال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً} [سورة الطلاق: 5].

ولقد كان من دعاء الحبيب صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» [رواه مسلم].

فما أجمل التقوى من لباس وما ألذ التقوى من زاد.


الدرس الثاني: أداء الأمانات على أهلها:
على الحاج وغير الحاج والحاج خصوصاً أن يقوم بأداء الأمانات إلى أهلها وإرجاعها إلى أصحابها حتى يكون في حل منها عندما يلقى ربه سبحانه عند موته وفي قبره ويوم بعثه وحشره فمن أخذ شيئاً من الله فعليه أن يبادر بإرجاعها وإعادتها إلى أصحابها حتى تبرأ ذمته منها ويسعى لذلك ما استطاع إليه سبيلاً، يقول الله جل وعلا: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [سورة النساء: 58]، والأمانات من حقوق الخلق على بعضهم البعض وهي من الحقوق التي أساسها الشح فيوم القيامة يحتاج الإنسان إلى حسنة يدخل بها الجنة وينجو بها من النار فقد لا يجد هذه الحسنة إلا عند من له عنده أمانة لم يؤدها له فيأخذها يومئذ حسنات، فذلك اليوم الذي لا ينفع فيه درهم ولا دينار وإنما هي حسنات وسيئات، فطوبى لمن تجرد من أمانات الناس ولقي ربه طاهراً نقياً وويل لمن ضيع الأمانة وفرط فيها.

فبادر أخي الحاج بأداء الأمانات إلى أهلها وإيصالها إلى مستحقيها فإن صدقت الله عز وجل وأخلصت له في ذلك صدقك الله وجعل لك من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً وجعل لك مع العسر يسراً، وسهل لك إلى أداء الأمانات طريقاً ومسلكاً.

الدرس الثالث: ترك الدنيا الزائلة والتعلق بالآخرة الباقية:
لقد حذر الله عز وجل من الاغترار بالدنيا وأنها دار ممر لا دار مقر ورهب من اتخاذها وطناً وسكناً وأنها غادرة ماكرة فليحذرها المؤمن قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [سورة الحديد: 20].

وقال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [سورة الحديد: 20]، وقال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [سورة آل عمران: 185].

فمتى استيقن الإنسان المؤمن أن الموت حق والساعة حق استعد لذلك اليوم الذي لا مفر منه ولا مهرب استعد بالأعمال الصالحة، وتقرب إلى الله بالطاعات، وفعل الخيرات وترك المنكرات، والحذر من المحرمات والمكروهات، وأطاع الرحمن، وعصى الشيطان، واتبع الهدى وما يقرب للجنان، وابتعد عن الهوى وما يقرب للنيران.

ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الاغترار بالدنيا والركون إليها وأنها دار عمل ثم الانتقال إلى دار الجزاء والحساب قال صلى الله عليه وسلم: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً» [حسنه الألباني وقال حسن غريب]، وقال صلى الله عليه وسلم: «الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر ما تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء» [رواه مسلم]


أخي الحاج:

اعلم أن هذه الحياة الدنيا دقائق وساعات فما تلبث أن يفجأك الموت فاعمل لغدك واعلم أن ساعات عمرك ثلاث:
ساعة مضت لا تدري أقبل منك فيها أم لا.

وساعتك التي أنت فيها فاغتنمها بالأعمال الصالحة.

وساعة قادمة لا تدري أتدركها أم لا.

فأقبل على الله واشتر الباقي بالفاني وارغب في الكثير وازهد في القليل.

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا اللهم أنا نسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول في جناتك جنات النعيم.


الدرس الرابع: الحذر من الدَّين:
إن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته وحده دون شريك له ولهذا قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات: 56]، فالجميع مخلوق لله معبود لله والله جل وعلا قدر للناس الأرزاق، قال تعالى: {وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ} [سورة النحل: 71].

وقال تعالى: {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [سورة الذاريات: 22]، فالناس يتفاوتون في الأرزاق من حيث الكثرة والقلة، فمنهم الغني ومنهم الفقير، ومنهم بين ذلك، والكل فقير إلى الله، والله هو الغني سبحانه له ملك السموات والأرض وبيده خزائن السموات والأرض.

فعلى الغني أن يسعى جاهداً لمساعدة الفقراء والمحتاجين والأرامل والمعوزين واليتامى والمساكين هذه هي صفات المؤمن كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [سورة الحجرات: 10]، وقال صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم» [رواه البخاري ومسلم]، وهكذا هي حياة المسلمين تعاون وتراحم وتعاطف، فالمسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

وإن بعض الناس لم يحسن التوكل على الله في طلب الرزق الحلال بل تعدى ذلك إلى أخذ أموال الناس وأكلها بالباطل فتراه لم يقنع بما آتاه الله من فضله بل طمع لما في أيدي الناس.

وان كان ما عنده يكفيه لو صرفه حسب حاجته فقط ولم يتعد ذلك إلى الكماليات فأوقع نفسه في ديون الناس وأخذها ولم يدر بخلده يوماً أنه سيرجعها بل قابل الإحسان بالنكران والله يقول: {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [سورة الرحمن: 60]، وما علم ذلك المسكين أن تلك الأموال التي أخذها ممن أحسن إليه أنها ستكون وبالاً عليه في قبره ويوم محشره، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة» [رواه البخاري].

وقال صلى الله عليه وسلم: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» [رواه البخاري].

فالأمر خطير والخطب جسيم فاتقوا الله أيها المسلمون واتق الله أيها الحاج برد أموال الناس إلى أصحابها قبل أن يكون يوم لا دينار فيه ولا درهم ولكنها الحسنات والسيئات.

الدرسالخامس: العلم تعلمه وتعليمه:
للعلم منزلة عليا ورتبة كبرى فلقد امتدح الله العلماء وميزهم عن غيرهم لأنهم عرفوا الحق فاتبعوه وعرفوا الباطل فاجتنبوه لقد أفنوا أعمارهم في طلب العلم لما له من فضل عظيم عند الله تعالى.

وفي طلبه وتعلمه رفعة في الدرجات وسعادة في الدنيا والآخرة لمن ابتغى به وجه الله تعالى قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [سورة المجادلة: 11]، وقال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة الزمر: 9].

فالعالم ليس كالجاهل، فالعالم عرف الله حق معرفته، فهو يعبد ربه سبحانه على بصيرة وعلى هدى، يعمل الطاعات ويجتنب الزلات. واعلم أن من خاف الله لا يعصه أبداً، فالعلماء ورثة الأنبياء والأنبياء، لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، فأتقى الناس لله الأنبياء ثم العلماء، ولهذا قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [سورة فاطر: 28].

واعلم أيها الحاج أن طلب العلم فريضة وضرورة على كل مسلم حتى يعبد الله على بصيرة ويحذر الوقوع في الخطيئة، فالعلم من أشرف ما يتقرب به إلى الله تعالى، وكم من الناس قد أهلكوا أنفسهم بطغيانهم وتماديهم في العصيان وعدم إقبالهم على العلم تعلماً وتعليماً. وأشرف العلوم كتاب الله عز وجل، فلابد للمسلم من حفظه كاملاً أو حفظ ما تيسر منه، ومن ثم تعلم ما في كتاب الله من الأوامر والنواهي، ولهذا كانت الخيرية لمن تعلم القران وعلمه، كما جاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» [رواه البخاري ومسلم]، وقال صلى الله عليه وسلم: «فضل العلم خير من فضل العبادة» [صححه الألباني].

وهذا أمر معلوم فمن عبد الله على غير علم فقد يوقع نفسه في كثير من المحاذير بل قد يقع في الشرك، كمن يحلف بغير الله، ومن ينذر لغير الله، ومن يذبح لغير الله، ومن يتقرب إلى الله عن طريق دعاء الأموات، وغير ذلك كثير، فلابد للمسلم أن يتعلم العلم الشرعي حتى يتقرب إلى ربه بما شرعه له نبيه صلى الله عليه وسلم وبما نقل عنه العلماء.

ولقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم طالب العلم ببشارة عظيمة يسعى لها كل إنسان ويتمناها كل أحد من الناس ألا وهي الجنة فقد قال: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة» [صححه الألباني]، وقال صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» [رواه ابن ماجه وصححه الألباني].

فطوبى لأهل العلم لما وعدهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم حيث قال: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره وولداً صالحاً تركه أو مصحفاً ورَّثه أو مسجداً بناه أو بيتاً لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته» [رواه ابن ماجة بسند حسن، ورواه البيهقي وابن خزيمة]، وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» [أخرجه مسلم].

لأجل هذا فضل الله العلماء وأهل الأنفاق والتربية الحسنة فالعالم يخلف وراءه علماً ينتفع به الناس وينتفع به حيث يصله بإذن ربه أجر ذلك العمل لقوله صلى الله عليه وسلم: «أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت: من مات مرابطا في سبيل الله، ومن علم علما أجري له عمله ما عمل به، ومن تصدق بصدقة فأجرها يجري له ما وجدت، ورجل ترك ولدا صالحا فهو يدعو له» [صححه الألباني].

فهذه هي منزلة العلم والعلماء عند الله تعالى.


الدرس السادس: الحذر من الدنيا:
قال صلى الله عليه وسلم: «الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر ما تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء» [رواه مسلم].

أخي الحاج:
اعلم أن هذه الحياة الدنيا دقائق وساعات فما تلبث أن يفجأك الموت فاعمل لغدك واعلم أن ساعات عمرك ثلاث:
ساعة مضت لا تدري أقبل لك فيها أم لا.

وساعتك التي أنت فيها فاغتنمها بالأعمال الصالحة.

وساعة قادمة لا تدري أتدركها أم لا.

فأقبل على الله واشتر الباقي بالفاني وارغب في الكثير وازهد في القليل.

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا اللهم أنا نسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول في جناتك جنات النعيم.


الدرس السابع: الحذر من أمراض القلوب:
من خصائص هذه الأمة أنها خير الأمم وهي الأمة الوسط فلا إفراط ولا تفريط قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [سورة آل عمران: 110]، وقال تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [سورة البقرة: 143]. ولهذا كان أهل هذه الأمة خير الناس لتمسكهم بدينهم وعدم اتباعهم للأهواء فهم اخوة متحابين وعلى الخير متعاونين وعن الشر متناهين فسمتهم الألفة والمحبة والتعاون والتعاطف والتراحم، ولكن للأسف فقد شذ البعض لاتباعهم الهوى والشهوات فأوقعوا أنفسهم في أمراض القلوب وأدوائها فأذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا فهم ما بين غيبة ونميمة وسخرية واستهزاء وكراهية وبغضاء وكذب وشحناء وغير ذلك من أدواء القلوب التي من نتائجها ضيق القلوب وغضب علام الغيوب.

فكل تلك الأمور محرمة منهي عنها شرعاً.

فأما الغيبة فيقول الله تعالى: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [سورة الحجرات: 12]، وقال صلى الله عليه وسلم : «إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين ما فيها، يهوي بها في النار، أبعد ما بين المشرق والمغرب» [رواه مسلم].

وجاء تحريم الغيبة صريحاً في الكتاب والسنة لتحذير المسلمين من الوقوع فيها لأنها من أسباب العذاب وهي من كبائر الذنوب كما عدها الذهبي رحمه الله في كتابه الكبائر وأوردها بن حجر في كتابه (الزواجر عن اقتراف الكبائر) وعدها من الموبقات المهلكات والعياذ بالله وقد جاء تعريف الغيبة صريحاً في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما الغيبة؟»، قالوا: "الله ورسوله أعلم؟"، قال: «ذكرك أخاك بما يكره»، قيل: "أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟"، قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» [أخرجه مسلم].

وأما النميمة فهي أشد خطراً وأعظم فتكاً من الغيبة لأنها تسبب التفكك الأسري والاجتماعي، فكم من أسر تفككت وكم من بيوت دُمرت وكم من نيران اشتعلت وكل ذلك بسبب النميمة، والتي قال الله فيها: {هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ} [سورة القلم: 11]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة نمام» [رواه مسلم].

وعن بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: «إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما هذا فكان لا يستنزه من البول، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة» [رواه أبو داود وصححه الألباني].

قال العلماء: معنى وما يعذبان في كبير: أي كبير في زعمهما وقيل كبير تركه عليهما.
فالنميمة هي: نقل الكلام من شخص إلى آخر بقصد الإفساد والتفريق بين الناس.


الدرس الثامن: تذكر الآخرة والتزود لها:
جعل الله تعالى الدنيا ميدان سباق يتسابق فيه الناس بالخيرات لأجل الفوز بالجنات والنجاة من يوم الحسرات فالناس في هذه الدنيا فريقان شقي وسعيد، فأما من عصى الله ورسوله واتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني فهو الهالك، من رضي الدنيا وطناً وسكناً ومقراً هو الخاسر، من طغى وآثر الحياة الدنيا على الحياة الأخرى فإن الجحيم هي المأوى، من ركن إلى الدنيا وبهرجتها من رضي الهوى إلـه من دون الله وأعطى نفسه هواها فهو صاحب التجارة المزجاة، من اتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد باء بعذاب الله.

قال تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [سورة الكهف: 50]، ويقول تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [سورة هود: 106 - 107]، وقال تعالى : {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [سورة العنكبوت: 64]، وقال تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ...} [سورة التكاثر]، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها» [رواه البخاري]، وقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة» [رواه البخاري].

فاحذر أيها الحاج من الدنيا وزينتها وأحذر من الدنيا وزخرفها فإنها براقة خداعه جميلة مكارة فانظر كم مات قبلك من الرفعاء والوضعاء وكم فارق الدنيا من الصغار والكبار فهل تحسب أنك ستخلد في هذه الدنيا ؟ لا والله مصداقاً لقول ربنا جل وعلا: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [سورة الأنبياء: 34-35].

وأما من عصى الهوى وكبح جماح النفس وأرضى الرحمن وأغضب الشيطان فأولئك هم المفلحون.

من خاف مقام الله عز وجل وأطاع الرسول صلى الله عليه وسلم أولئك هم الفائزون أولئك الذين يبشرهم ربهم برحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً.

من تمسك بعُرى الدين والتزم أوامر الشريعة وترك مجالات الأهواء واعتصم برب الأرض والسماء فأولئك هم السعداء أولئك الذين تاجروا مع ربهم التجارة الرابحة التجارة التي لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله.

من تركوا الدنيا واتجهوا للآخرة من تركوا الشهوات وأقبلوا على الطاعات راجين الحسنات وجلين من السيئات أولئك هم حزب الله حافظه وراعيه أتراه يضل؟، كلا والله قال تعالى: {فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [سورة يوسف: 64].

فهلا أقبلت أيها الحاج على الأعمال الصالحة؟، فإنك والله مرتحل من هذه الدنيا ومقبل على رب رؤوف رحيم شديد العقاب.

واحمد الله عز وجل أن أبقاك إلى هذا العمر فقد أعذرك الله وسيؤاخذك على أقوالك وأعمالك فتزود بالتقوى والإخلاص وتجرد من الهوى والشيطان قال صلى الله عليه وسلم: «أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة» [أخرجه البخاري].

وأكثر من ذكر الله عز وجل على كل حال فأنت مرتهن بعملك، قال صلى الله عليه وسلم: «يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان، ويبقى معه واحد يرجع أهله وماله ويبقى عمله» [ متفق عليه ] .


يتبع