مرت الكتابة على مدار التاريخ بمراحل عدة، بدءاً بالتعبير من خلال الرسوم والرموز التصويرية
ومروراً بالحروف التي تشكلت منها الكلمات؛ فتكونت الجمل والنصوص، وظهرت الكتابة بشكلها النهائي
المتطور، بعد مراحل طويلة من التطوير والتحسين، وتعامل الكتّاب مع أدواتها، وتفاعل القراء معهم بما
يكتبون. وتشكلت علاقة بين كتّاب النصوص وقرائهم. ومن الطبعي أن يكون هدف كتّاب النصوص أن
يصل القارئ (المتلقي) إلى المضمون نفسه، الذي كان في ذهن الكاتب عند إعداد النص. وإن العلاقة بين
مستوى الفهم الذي يتحقق لدى القارئ عند قراءته النص وبين ما كان يختلج في ذهن كاتب النص ذاته
علاقة نسبية يتدخل النص ذاته، وطريقة إعداده وتقديمه، فضلاً عن مضمونه، في تحديدها والتحكّم بها!
وإن من بدهيات إعداد النص، أن يمتلك الكاتب القدرة الفنية على استخدام علامات الترقيم، تلك التي
من شأنها أن تسهم في إيصال الرسالة (المضمون) إلى القارئ (المتلقي) بيسر وسهولة؛ ليتحقق الهدف
من النص ابتداءً! ويلاحظ على كثير من الكتابات والنصوص ضعف الاهتمام بتلك العلامات.
ويهدف هذا المقال إلى التعريف بعنصر مهم من عناصر الكتابة وأدواتها، هو علامات الترقيم.

علامات الترقيم جزء مهم من أدوات الكتابة، وهي تؤثر في الشكل العام للنص، كما تؤثر في مستوى
الفهم الذي يتحقق لدى قارئه؛ فهي تسهم في رسم خريطة النص وتشكيله, وتبعث الحياة فيه, وتمده بطاقة
متّقدة. تأمّل نصاً دون علامات الترقيم، كيف سيكون؟ ستجده، دون شك، نصاً جامداً لا حراك فيه! أو
سيكون نصاً تزدحم فيه المعاني، كأنما تتدافع المعاني والكلمات فيه من خلال عنق ضيق؛ فيتعسر عليها
المرور! ومن شأنه أن يعيق الحركة داخل النص، ويقلل مستوى الاستيعاب والفهم لدى القارئ، ويربكه،
أو قد يجعل النص يتيه في فراغ كبير يصعب على المتلقي الجمع بين أجزائه المبعثرة؛ فتضيع المعاني
التي يحرص الكاتب على إيصالها إلى القارئ، وقد يضجر ويترك النص!

وفي الدلالة على ذلك , تأمّل مدينة من المدن الكبرى التي تكتظ بالسيارات , وهي تسير في شوارع
متقاطعة ومتعرجة دون أن يكون في تلك الشوارع والطرق أية إشارات مرور أو لوحات إرشادية تنظّم
السير, وترشد مستخدمي الطرق إلى ضوابط ولوحات تحدد لهم مسارات الطرق يمينا أو يساراً, وتنظّم
عبور تقاطعات الطريق والجسور والأنفاق؛ فإنك ستدرك أن غياب اللوحات الإرشادية سوف يؤدي إلى
تداخل في صفوف السيارات القادمة من مختلف الاتجاهات، وسوف تزدحم مسارات الطرق؛ فيكون
السير عسيراً، والحركة غير منضبطة وسلسة!

الكتابة ليست كلمات تصف وتطرح أمام القارئ , فلا بد للكاتب من امتلاك أدواتها الفنية, التي لا غنى
له عنها؛ إذ يستطيع توظيف تلك الأدوات (العلامات) داخل النص, لينقل القارئ إلى حالة ذهنية صافية،
تساعده على استقبال المعلومة بيسر وسهولة؛ فيدرك المضامين التي حرص الكاتب على إيصالها إليه.

إذاً علامات الترقيم هي رموز توضع داخل النص, لتوفّر على القارئ الكثير من إعمال الفكر في استيعاب المضامين والمعاني، التي يهدف إليها الكاتب؛ كما ترشد تلك العلامات إلى أماكن تغيّر نبرات
الصوت عند القراءة، ليصل إلى المعنى الذي قصده الكاتب، ويتفاعل معه؛ فيتحقق الهدف من النص.

وقد تهاون كثير من الكتّاب بعلامات الترقيم؛ فتجد نصوصاً عديدة فقدت روحها الحقيقية، بسبب إهمال
أو عدم ضبط علامات الترقيم، بشكل مناسب؛ كما تجد نصوصاً أخرى تنبض بالحيوية والحكمة، لأن كاتب النص حرص على ضبط علامات الترقيم، فبدت كأنها أعمدة وأسس تدعم النص المكتوب وتسنده.
وهي حقا تدعم النص, وتحسّنه, وتجمله؛ وتجعل من السهل على القارئ استيعابه, بل والاستمتاع
بقراءته. ولعلي أشّبه النصوص بالطعام؛ بعضه سهل الهضم، وبعضه الآخر يتعسر هضمه. وكذلك
النصوص، فالكتابة التي تحتوي على علامات الترقيم يسهل على القارئ أن يستوعبها، دون عناء، والتي
لا تحتوي على علامات الترقيم، أو أسيء استخدامها؛ فإن القارئ سيشعر بعسر أثناء القراءة!
ولعلامات الترقيم أماكن بين الكلمات والجمل داخل النص، ينبغي للكاتب أن يعرفها، فيضع كل علامة
منها في مكانها الصحيح، بين أجزاء النص، لتمييزه عن بعضه. وتعد تلك العلامات محطات تساعد
القارئ في التوقف عندها أثناء القراءة، ليلتقط أنفاسه ويتمكن من الاستمرار في القراءة، مع الفهم السلس
والمتسلسل في الوقت نفسه؛ وعلى الإجمال فإن علامات الترقيم تعمل على تجميل النص كما تصقله
وتبسطه.

ولأن لكل علامة من علامات الترقيم مكان بعينه، ينبغي أن توضع فيه دون غيره، وخدمة للقراء
الأعزاء، نجد من المناسب أن نعرض بإيجاز لهذه العلامات: