رأس النعامة

يكتب إليك كثير من قرائك عن مشاكل الرجل العاطفية حين تتقدم به السن فتهمله رفيقة عمره، أو

تهمل الجانب العاطفي من علاقتها به لحساب الأبناء والأحفاد، وأنا أحد هؤلاء الذين أهملتهم

زوجاتهم ليس حين تقدمت بي السن وإنما منذ عشرين عاماً، وحين كنت في عنفوان رجولتي، إلى

جانب أنني وعلى مدى 40 عاماً من زواجنا لم أسمع منها ذات يوم كلمة حلوة ناهيك عن أن تكون

كلمة حب، وبالرغم من أنني أحبها حباً جماً وممتلىء بالعواطف الفياضة وقادر على العطاء العاطفي

فإنني افتقدت تماماً زوجتي في هذا الجانب نظراً لأنها حادة الطبع وسليطة اللسان وجافة العواطف

ومتبلدة الحس ولها شخصية نرجسية تعشق ذاتها إلى حد لا يتصوره عقل، ومنذ أكثر من 18 شهراً

التحقت بالعمل لديّ موظفة شابة عملت تحت إشراف مرؤوس لي.. وبعد سبعة شهور من التحاقها

بالعمل اقتضت ظروف العمل أن تعمل معي لبعض الوقت، فاقتربت بذلك مني وأصبحت تتردد على

مكتبي ونجلس معاً لنتدارس أمور العمل بل وخرجنا معاً لأداء بعض الأعمال المهمة فكان الحديث

يدور بيننا في سيارتي حول أمور خارج نطاق العمل، وبدأت أرى فيها شخصية محببة إلى النفس من

حيث رقة المشاعر ودفء العاطفة وطلاوة الحديث.. لكنني قاومت انجذابي إليها بشدة لكيلا أنزلق

إلى ما لا تحمد عقباه، وبدأت هي تستدرجني إلى ما هو أبعد من علاقة صاحب العمل بموظفة لديه

فصددتها بشدة وبأدب شديد في نفس الوقت.. وأفهمتها مراراً وتكراراً أنني زوج منذ أكثر من 40 عاماً

وزواجي مستقر.. وأنها أصغر من أصغر أبنائي ولا يسمح فارق السن الكبير بيننا بأي ارتباط، لكنها

ازدادت اصراراً وباحت لي بأنها كانت في البداية معجبة بي ثم تطور هذا الاعجاب إلى حب، وأنها لم

تشعر في تعاملها معي بفارق السن بيننا ولا تفكر اطلاقاً فيه.. حيث أنني كما قالت أكثر شباباً من

أي شاب! والحق أنني كنت قد تعلقت بها لكني كتمت مشاعري وأحاسيسي عنها.. فظلت هي

تضغط وأنا أكتم إلى أن جاء يوم واعترفت لها بأنني بالفعل أحبها!

ومنذ تلك اللحظة تطورت علاقتنا إلى لقاءات خارج العمل ونزهات وتناول وجبات الطعام معاً، حتى

أهملت تناول الطعام في البيت، كما بدأت أفتعل المبررات للخروج معها في مهام خارج المكتب بل

والسفر أيضاً إلى خارج المدينة بدعوى إنهاء المصالح.

وعشت أياماً وشهوراً من أحلى أوقات العمر لم تشعر هي خلالها اطلاقاً بفارق السن بيننا حيث

كنت أتصرف معها بروح شاب في الثلاثينات من العمر ونذهب معاً لدور السينما والملاهي ونستقل

المراكب في النيل وننطلق في كل مكان معاً كأي شابين متحابين متقاربين في السن، حتى أبدت

هي نفسها دهشتها لأنها لم تكن تتصور أن أكون بهذا المرح والصبا على عكس شخصيتي في

العمل التي تتسم بالإتزان والرزانة والصرامة. وخلال ذلك دخلت بيتها بدعوى توصيلها عند تأخرها ولم

أجد إلا الترحيب من أهلها.. وشجعني ذلك على دعوتهم للغداء من حين لآخر، ثم بدأت أقدم لها

الملابس والهدايا بل والمصوغات أيضاً.. كما اهتممت بها من الناحية الصحية حيث كانت تشكو من

بعض المشاكل فاصطحبتها إلى كبار الأطباء، وفي هذه الفترة عرضت هي علي أن نتزوج رسمياً

ولكن بدون علم أهلها لأنهم لن يقبلوا أبداً بزواجي منها في هذه المرحلة لفارق السن بيننا لكنه إذا

تزوجنا سراً ثم أجريت أنا بعض الترتيبات لتأمين مستقبلها، فإنها تستطيع أن تواجههم في الوقت

المناسب بزواجها مني.. لكني رفضت هذه الفكرة وأردت أن يكون زواجنا بعلم أسرتها وليس خفية

عنها ورأت هي صعوبة ذلك، وطلبت مني أن نتزوج عرفياً وأن نؤجر شقة مفروشة إلى أن أقوم بشراء

شقة خاصة بها وتأثيثها تأثيثاً كاملاً وتأمين مستقبلها بصورة تجعل أسرتها تتغاضى عن فارق السن

بيننا وتقبل بزواجنا..

واقتنعت بوجهة نظرها واستأجرت الشقة المفروشة وتزوجنا عرفيا وعشنا معا أياما من احلى الإيام..

ومن حين لآخر تذكرني زوجتي الشابة بأنني لم افعل شيئا بعد في موضوع شراء الشقة الموعودة،

وانه يخيل اليها انني لن افعل شيئا فيه ويوما بعد يوم بدأت تختلف بعض الشيء في تعاملها معي

وبعد ان كانت لاتطلب مني شيئا.. وابادر انا دائما بشراء الاشياء لها بغير طلب منها.. بدأت هي

تطلب كل يوم طلبا جديدا حتى طلبت ان اشتري لها سيارة صغيرة لأنها لم تعد تتحمل ركوب

المواصلات العامة أو سيارات الاجرة، فإذا لم الب بسرعة بعض هذه الطلبات راحت تقول لي انها قد

اصبحت رخيصة في نظري بعد ان اخذت ما أريده منها دون مقابل، ولهذا فلم أعد اهتم بطلباتها.وفجأة

ودون سابق انذارانقلبت حياتنا رأسا على عقب، فلقد كنت اقوم بتوصيلها ذات مساء الى بيتها بعد

زيارة للطبيب ففوجئت بمقابلة جافة للغاية من اسرتها، وفي اليوم التالي جاءتني هي وطلبت مني

الامتناع عن الاتصال بها في بيت اسرتها. والامتناع كذلك عن توصيلها وعن زيارتها في البيت لأنها

قدتعرضت للوم شديد من اسرتها التي تقول لها ان الجيران يتساءلون عن هذا الرجل الذي يرونه معها

في وقت متأخر، ولأن اسرتها ايضا قد حذرتها بشدة من مجرد التفكير في الارتباط بي لفارق السن

بيننا، واكدت لي انه قد وقعت مشادات عديدة بينها وبين ابيها وامها بسببي وان ابويها لن يوافقا ابدا

على زواجنا وقد يسقطان صريعين اذا علما بزواجنا العرفي السري.. وحاولت تهوين الأمر عليها بقدر

استطاعتي غير انها عادت الى في اليوم التالي وطلبت مني الطلاق، وانهاء موضوع الشقة

المفروشة وتحديد علاقتي بها في اطار العمل فقط وانهاء أي علاقة أخرى.

وبعد أيام ابلغتني بأن اباها قد احضر لها خطيبا وانها تصر على الطلاق قبل ان تقبل بهذا الخطيب..

واستجبت لإصرارها في النهاية ونطقت بطلاقها.. وكان آخر مطلب لها مني هو ان تستمر في العمل

لدي والا استغنى عنها لحين وضوح الرؤية امامها، ثم بدأت تبتعد عني خلال العمل واذا حاولت

محادثتها ابتعدت وافتعلت الاهتمام بشيء آخر، وهي حاليا تؤدي عملها فقط. وتنصرف منه في

المواعيد المقررة وتحاول بقدر الامكان عدم الاحتكاك بي والابتعاد عني دائما.

ولست في حاجة لأن أحدثك عن مدى الحزن وعمق الأسى الذي اعيشه هذه الأيام.. غير انه أهم

من الحزن ان افهم ما هي القصة بالضبط اذ انني لا افهمها بالرغم من رجاحة العقل وخبرة السن

ولا افهم ماذا حدث.. وكيف حدث وهل هذه هي الحقيقة أم انها مناورة ذكية للضغط علي لكي

استجيب للطلبات السابقة فهل اجد لديك جوابا شافيا لهذه التساؤلات؟.



ولكاتب هذه الرسالة اقول: لا استطيع الحكم على النيات ولا التفتيش في الضمائر

لاستنطاق المكنون داخلها والاطلاع عليه.. لكني استطيع على الاقل ان اضع امامك بعض الحقائق

التي قد تعينك على فهم حقيقة ما جرى وما صعب عليك استيعابه.

والحقيقة الأولى هي ان البداية التقليدية بإدانة رفيقة العمر واتهامها بجفاء المشاعر وتبلد

الاحاسيس والنرجسية حتى ولو كان صادقا فإنه لايجيز لرجل في قمة العمر مثلك ويتصف بالرزانة

والحسم والاحترام أن ينزلق إلى مثل هذه القصة المخجلة مع فتاة تصغره في السن بأربعين سنة

على الأقل وما هذه الاشارة الى جفاء زوجتك وشريكة حياتك في بداية قصتك الا حيلةنفسية

مفهومة من جانبك للتبرير والتماس العذر لنفسك فيما تورطت فيه وتشعر في اعماقك بأنه لم يكن

ليليق بك.

والثانية: هي ان المثل الصيني القديم يقول لنا ان من يريد الحصول على أشبال النمر عليه ان يدخل

عرينه، بمعنى ان يواجه خطر انقضاض النمر عليه وافتراسه قبل ان يظفر بأشباله وان يقبل بهذه

المخاطرة المهلكة في سبيل الحصول على مايريد فإذا طبقت هذا المثل الصيني على قصتك مع

هذه الفتاة وقصص الآخرين من بعض اصحاب الأعمال أو المديرين مع موظفات يصغرونهن غالبا بثلاثين

أو اربعين سنة، لقلت لك ان من يريد كذلك ان يشتري الشباب المنقضي ويطرب بالزهو المؤقت

بإعجاب فتاة تصغره باربعين سنة بمرحه وصباه وبحيويته التي تفوق حيوية الشباب كما زعمت لك

تلك الفتاة عليه ان يقبل بأداء تكاليف ذلك راضيا وهي تكاليف تتجاوز بكثير النزهات والهدايا الصغيرة

وركوب المراكب في الليالي القمرية وارتياد المطاعم لكنك في غمرة زهوك

باندهاش هذه الفتاة بمرح شخصيتك و شبابك لم تنتبه الى انك امام فتاة عملية اختارت أن تحقق

أهدافها في الحياة عن طريقك فعرضت عليك أن تتزوجها رسميا بغير علم أسرتها على أن تشتري

لها شقة وتؤمن مستقبلها، وحين ترددت بعض الشيء في القبول عرضت عليك الزواج العرفي

السري الذي لا يكاد يختلف في شيء عن العلاقة الآثمة على أن تؤجر لها مؤقتا شقة مفروشة الى

أن تشتري الشقة الموعودة وتؤثثها وتؤمن لها مستقبلها ماديا لكي تضع أسرتها بعد ذلك أمام الأمر

الواقع، فرحبت بهذا الحب، في غمرة تلهفك عليها، وارتبطت بها ونهلت من رحيقها، وانتظرت هي أن

تأتي لها برأس النعامة الذي وعدتها به فإذا بك تتمهل وتراجع حساباتك، وتستثقل فاتورة المتعة بل

وتنتابك الدهشة لكثرة مطالبها منك بعد الزواج السري، وعجزك عن ملاحقتها بالسرعة الكافية، مع

أن هذه المطالب نفسها جزء أساسي من صفقة الزواج السري بين فتاة في أوائل العشرينيات ورجل

في أوائل الستينيات وزوج منذ 40 عاما، وأب لأبناء يكبر أصغرهم هذه الفتاة المتطلعة للحياة المريحة

على حساب أبيهم، فما وجه العجب في ذلك اللهم إلا أن تكون قد صدقت معزوفة الحب المبرأ من

الغرض الذي أغرى هذه الفتاة الصغيرة بالارتباط بك؟

لقد روى الحكيم الاغريقي أيسوب في خرافاته الشهيرة، قصة طريفة عن أنثى النسر التي شكت

ذات يوم لذكر الحدأة من أنها لا تجد الزوج الكفء الكريم الذي يليق بها فعرض عليها ذكر الحدأة نفسه،

وسألته أنثى النسر: هل يستطيع كسب عيشه وتوفير الحياة الكريمة لها فأجابها: ماذا تقولين؟

انني أصيد النعامة الكبيرة بمخالبي هذه واحملها في الهواء الى عشي! فقبلت بالزواج منه، وبعد

أيام طلبت منه أن يصيد لها نعامة تتغذى بلحمها، فحلق في الهواء ثم رجع اليها وفي مخالبه فأرة

صغيرة ميتة هي كل ما تسمح له قدراته بحملها وصيدها.

فسألته مستنكرة: أهذا وفاؤك بالوعود؟

فأجابها: أنني في سبيل الفوز بك لم أكن لأحجم عن أن أعد بأي شيء حتى ولو علمت بعجزي عن

القيام به، ومن وجهة نظر هذه الفتاة العملية فإنك قد كررت مثال ذكر الحدأة مع أنثى النسر، ووعدتها

برأس النعامة، فإذا بالتجربة معك تسفر عن فأرة صغيرة لا أكثر.

ولأن فهم كل شيء يجلو غموضه ويفسره فإن منطق الفتاة التي تتزوج من رجل يكبرها بأربعين سنة

أو أكثر حتى ولو كانت صادقة الحب له في أحيان نادرة، هو أن رحلة القطار معه ستكون قصيرة

مهما تطل، تسليما بحقائق الحياة والزمن وبالتالي فلابد من أن يعينها على استكمال رحلة السفر

بوسائط أخرى ومن يقبل بقواعد اللعب من البداية لا يحق له أن يشكو من تداعياتها في المستقبل

ومشكلتك يا صديقي أنك لم تستوعب جيدا قواعد اللعبة في غمرة النشوة باعجاب الفتاة الصغيرة و

حبها لك.

بغض النظر عما إذا كانت فتاتك صادقة العزم على إنهاء قصتها معك أو أنها تضغط عليك بالهجر المؤقت

لكي تستجيب لمطالبها المادية الباهظة وتدفع فاتورة شراء الشباب كاملة، فإن المحصلة واحدة،

وهي أن عليك أن تراجع موقفك وقصتك مع هذه الفتاة فإذا كانت صادقة النية في طي هذه الصفحة

الشائنة في حياتها فمن واجبك أن تعينها على تصحيح مسارها في الحياة، وعلى أن تبدأ حياة

طبيعية مع شاب مقارب لها في السن، وتكفر عن هذا الخطأ الجسيم في حياتها، وإن لم تكن كذلك

فمن واجبك أيضا أن تصمد لضغوطها عليك للاستجابة لمطالبها، وأن تطوي أنت هذه الصفحة المخجلة

من حياتك متعزيا بأن خسائرها مازالت في حدود الاحتمال والسيطرة وأنها لم تؤثر بعد على حياتك

العائلية وصورتك لدى أبنائك وسمعتك الاجتماعية وأن تحاول الاكتفاء بحياتك الخاصة المحترمة وبعث

الحرارة في زواجك الذي تصفه أنت بالاستقرار، واستعادة صورتك السابقة التي تتسم كما تقول

برجاحة العقل والرزانة والجدية الصارمة، وحبذا لو أبعدتها عن مجال نظرك وسمعك لكي تتخلص من

مؤثرات وجودها في الجوار القريب ولو تطلب ذلك السعي لإيجاد عمل آخر لها لدى أحد معارفك أو

عملائك بشرط ألا يكون ضعيف الإرادة أمام ألاعيب بعض الفتيات الصغيرات المتطلعات الى حياة أفضل

على حساب نزق بعض الكهول والشيوخ وتعاميهم عن حقائق العمر والحياة وانتشائهم الوقتي بوهم

اعجاب الشباب بهم.

والإنسان يا صديقي قد يخطىء مرة.

لكنه يخطىء خطأ أبلغ إذا تقاعس عن إصلاح خطئه الأول أو تجاهله وتعامى عنه
!