الحياة الجديدة


حاولت كثيرا الكتابة إليكم حتي تغلبت علي ترددي وعزمت وتوكلت علي الله‏..‏

أنا يا سيدي رجل في نهاية العقد الخامس أعمل مهندسا ولي ثلاثة أبناء في سنواتهم النهائية بكلياتهم العملية‏.‏

تزوجت زواجا تقليديا‏,‏ وإن بدا لمن حولنا أنه عن حب‏..‏ وسارت الحياة هادئة بمشكلات روتينية كانت تنتهي علي خير ودون تدخل من أحد‏..‏ وكان ما يميز هذه المشكلات هو هجر الزوجة لفراش الزوجية بغرض تأديبي وعقابي‏..‏ وتكرر هذا مع كل خلاف لو بسيطا‏..‏ وكنت دائما أنصح زوجتي بأن ذلك يزيد الجفاء بيننا ولكنها كانت تتمادي في هذا السلوك‏.‏

وعلي غير العادة فإن تلك المشكلات زادت من ارتباطي بابنائي بخاصة ابنتاي وكنت اجد فيهما دائما السلوي والملاذ‏.‏

وبعد أكثر من خمس وعشرين سنة زواج‏..‏ وجدتني حائرا وتعصف بي تلك المشكلة وتحملت كثيرا من عناد زوجتي ونكدها وتلذذها بحرماني من حقوقي الزوجية‏..‏ حاولت ارضاءها بشتي الطرق‏,‏ ولكن سلوكها الغريب لم يتغير كثيرا‏.‏

وعندما فاض بي الكيل وزاد التفكير في إنهاء حياتي الزوجية‏..‏ كتبت منذ خمس سنوات إلي بريد الجمعة الذي كان يحرره الراحل الأستاذ عبدالوهاب مطاوع‏,‏ ونصحني ـ رحمه الله ـ بالتريث وبدء حياة جديدة من أجل الأولاد وطرد فكرة الطلاق أو الزواج بأخري‏,‏ وكنت قد شرحت له مدي ارتباطي بابنائي وان زوجتي اصبحت تغار أيضا من قربهم مني لشعورهم بآلامي وظلم والدتهم لي‏.‏

وحاولت بدء‏(‏ الحياة الجديدة‏)‏ واستمرت حياتنا بعد ذلك نحو ثلاث سنوات دون تغيير ملموس‏..‏ وفي يوم حاولت التقرب منها وقدمت لها هدية غالية لإرضائها إلا انها صدتني بكل قسوة‏..‏ ولأنني كنت أحذرها دائما من رد الفعل‏,‏ أقسمت لها بأن ذلك لن يمر بسلام‏.‏

وفي خلال أسبوعين وبلا وعي وكأنني كنت مسلوب الارادة وجدت نفسي مرتبطا بزوجة أخري‏..‏ وأقسم لك سيدي أن يوم عقد قراني علي زوجتي الجديدة كنت أبكي عندما اتذكر ابنائي وأنا غارق في خيانتي لهم‏.‏

مر أسبوع كانت زوجتي الجديدة تعد خلاله منزل الزوجية وكان شقتها وابنتها حيث انها مطلقة‏.‏

وفي نهاية الاسبوع وقعت المفاجأة‏,‏ علمت زوجتي أم اولادي بالأمر‏..‏ وما أن واجهتني حتي وجدت نفسي أنهار امامها وأمام ابنتي‏.‏ اللتان انهارتا ابنتاي وكدت افقدهما بسبب الحالة التي كانتا عليها‏.‏

وتدخل أهل زوجتي وطلبت أم أولادي الطلاق‏..‏ ولكنني قبل أي نقاش كنت قد قررت طلاق زوجتي الجديدة‏..‏ وتم ذلك في اليوم التالي أي اليوم الثامن لزواجي‏,‏ وانتهي كابوس ظل يؤرقني طويلا‏..‏ وللأسف مازلت أعانيه‏.‏

ليت الأمر انتهي عند هذا الحد‏..‏
اصيبت زوجتي بخيبة أمل كبيرة في بعد أن ظلت معي ـ علي حد قولها ـ علي الحلوة والمرة اكثر من خمس وعشرين سنة‏..‏ وكان آخرها الخيانة‏..‏ وكانت تعتبر ما تم جريمة لا تغتفر‏,‏ تشعرني بها كل لحظة‏.‏

لقد انهارت حياتنا الآن تماما واصبحنا زوجين علي الورق فقط لا حديث بيننا نهائيا‏,‏ تنتابها بين الحين والآخر بعض الهواجس وأجدها تحزم ملابسها وتطلب الطلاق‏.‏ يتدخل أهلها مرة بالدين والقرآن ومرة بالتهديد‏.‏

يعود الهدوء لأيام‏..‏ ثم ينقلب الأمر من جديد‏..‏
حتي هجرتني تماما منذ ثمانية أشهر‏..‏ واصبحنا نعيش كل في حجرة كوالدين لأبنائنا فقط‏.‏

هل أجرمت سيدي بعد كل ما أوضحت؟ وهل اختلقت اسبابا لأبرر خيانتي؟ لقد رضيت بالعقاب الذي مازلت أعانيه‏..‏ وعزائي أنني مازلت احتضن ابنائي وبينهم ولكن سحابة سوداء تظلل بيتي ولا أري فرجا قريبا‏.‏

وأسأل نفسي احيانا هل انتهت حياتي مع زوجتي؟ وهل استحق ذلك؟ وإلي متي؟ فارجو سيدي ان تكون رحيما في ردك عليها‏..‏ لأنني أري انها أحق بالرحمة لأنها في النهاية أم أولادي وشريكة حياتي لأكثر من ثمانية وعشرين عاما‏.


*‏ سيدي‏..‏ قصتك تجسد من جديد شيوع الفهم الخاطئ للعلاقة الزوجية‏..‏ الزوجة تري أن جسدها كما هو مكافأة‏,‏ هو أيضا وسيلة للعقاب‏,‏ مطمئنة أن الزوج لن يذهب بعيدا لارتباطه بأبنائه وضعفه أمامها‏,‏ فيما هو آمن بأن الشرع أباح له التعدد‏,‏ لذا فهو وقت اللزوم سيلجأ الي عقابها‏,‏ الي الزواج بأخري‏,‏ ليس حبا أو حرمانا ولكن انتقاما‏.‏

سيدي‏..‏ دعني أولا أكشف لك عن إحساسي بأنك لم تنقل لي عبر سطور رسالتك كل الحقيقة‏..‏ كلماتك تكشف عن إحساسك الدائم بالظلم والخيانة‏,‏ وكأنني كنت مسلوب الإرادة وجدت نفسي مرتبطا بأخري‏,‏ كنت أبكي عندما أتذكر أبنائي وأنا غارق في خيانتي لهم‏,‏ كنت قد قررت طلاق زوجتي الجديدة‏,‏ وانتهي كابوس ظل يؤرقني طويلا‏,‏ أصيبت زوجتي بخيبة أمل كبيرة‏:‏ وغيرها‏.‏

سيدي‏:‏ هذه بعض من الجمل التي تجسد إحساسك بالذنب والخيانة ليس في حق أولادك فقط‏,‏ ولكن في حق زوجتك أيضا‏,‏ فهل فعلت منذ البداية ما أبعد زوجتك عنك ودفعها لهجرك في الفراش؟‏.‏

لو كان هناك ما أخفيته في حكايتك‏,‏ فهذا يعني أنك لن تنجح أبدا في استعادة زوجتك‏,‏ لأنك لم تواجه الخطأ وتحاول إصلاحه والاعتذار عنه‏,‏ عليك أولا أن تعترف به‏,‏ حتي لا يصبح البحث عن حل يسير في اتجاه واحد فقط‏,‏ وهو مسئولية زوجتك تجاهك وتصرفاتها الخاطئة المتتالية معك‏.‏

أما اذا كانت كلماتك صادقة ولم تخف شيئا‏,‏ وكنت مثاليا في كل تصرفاتك مع شريكتك‏,‏ فإن ألم ضميرك يجب أن يكون مصدره تلك المرأة الأخري‏,‏ التي لم ترتكب ذنبا سوي أنها وافقت علي الارتباط بك‏,‏ ورتبت حياتها وحياة ابنتها علي وجودك‏,‏ ثم هربت في أول مواجهة‏,‏ وبعد ثمانية أيام فقط من الزواج‏..‏ ماذا يعني هذا سيدي؟‏..‏ يعني ببساطة أنك رجل غير مسئول‏,‏ مندفع‏,‏ لا تفكر إلا في نفسك‏,‏ وهذا كله يفسر سر الأزمة الحقيقية مع زوجتك‏.‏

الحياة الجديدة التي نصحك بها الكاتب الراحل الاستاذ عبدالوهاب مطاوع مؤسس بريد الجمعة‏,‏ كانت مبنية علي ما سردته‏,‏ فعندما يتحدث زوج عن غيرة زوجة علي زوجها من حب أبنائها‏,‏ لا يعبر إلا عن حب مفرط‏,‏ فإذا كان الزوج أيضا محبا راغبا في مواصلة الحياة المشتركة فهل هناك طريق غير الحياة الجديدة؟‏.‏

تلك الحياة التي كانت تستوجب في تلك اللحظة الانتقالية‏,‏ المواجهة‏,‏ والاعتراف برغبة كليكما في الإستمرار والحفاظ علي استقرار الأسرة‏..‏ أن يواجه كل منكما الآخر بأخطائه واحتياجاته‏..‏ من أخطأ يعتذر‏,‏ ومن التبس عليه الأمر يفهم‏..‏ الحياة الجديدة تعني التخلص من كل الماضي بأخطائه وأعبائه‏,‏ وإعلاء قيمة ما تحقق بينكما وعلي رأسه أبناؤكما فعندما نختلف يا سيدي ونقرر أن نبدأ من جديد ليس علينا خدش الجروح وإنما مداواتها‏,‏ والتركيز علي كل ما هو جميل علي مدي‏25‏ عاما هي عمر زواجكما‏..‏

وكما عليك أن تعتذر لزوجتك عن أخطائك‏,‏ عليها أيضا أن تفهم دورها‏,‏ وأن جسدها ليس منحة أو عقابا‏,‏ وأنه لا يجوز لها هجرك في الفراش بلا مبرر‏,‏ فهذا عدوان وإثم بين‏,‏ فإذا ما كانت لا تريد الاستمرار معك لكره أو غضب‏,‏ فعليها أن تعلن ذلك‏,‏ وتتحمل تبعات ذلك سواء بالطلاق‏,‏ أو بتركك تعصم نفسك من الوقوع في الخطيئة باللجوء الي ما شرعه الله بالزواج من أخري‏.‏

سيدي‏..‏ ما أقوله الآن لك ولزوجتك‏:‏ لم يعد في العمر الكثير ـ أطال الله في عمركما ـ كبر أبناؤكما‏,‏ وما جمع بينكما كل هذا العمر يجب عدم إهداره بكل هذه السهولة‏..‏ الأيام تمضي‏,‏ وأنتما في عذاب أو في هناء‏,‏ فلماذا لا تختاران السعادة‏,‏ تلك التي نفرط فيها وهي بين أيدينا‏,‏ ونطاردها بعيدا‏,‏ وعندما نكتشف أنها سراب لا يمكننا العودة الي ما كنا عليه‏..‏ عودا الي نفسيكما‏,‏ واستعيدا نصيحة الكاتب الراحل الاستاذ عبدالوهاب مطاوع الحياة الجديدة‏,‏ فأنا لا أري غيرها حلا ونصيحة‏..‏ أسعدكما الله وأزال عن عيونكما غشاوة الغضب والعناد‏,‏ وأدعوكما الي قراءة الرسالة الأخري في نفس الصفحة‏,‏ ربما تكشف لكما عن وجه آخر يدفعكما الي الاختيار الأفضل والأنسب من أجل أولادكما ـ وإلي لقاء بإذن الله
‏.