بداية القصة

بداية القصة‏!‏
من ارشيف الراحل عبد الوهاب مطاوع


قبل أن أبدأ خطابي إليك أريد أن أنوه بما كان ومازال لبريد الجمعة من أثر في حياتي الشخصية خلال سنين طويلة‏,‏ حيث انتظرت ثلاث سنوات بأكملها لكي أعرف نهاية قصتي ثم أكتب لك عنها‏..‏

وفي البداية فإنني فتاة في السادسة والعشرين من عمري‏..‏ ولقد شاءت لي الأقدار أن أقرأ في بابك منذ ست سنوات قصة بعنوان الخط الأحمر لفتاة روت لك أنها قد تخلت عن حبيب عمرها الذي ارتبطت به سنوات عديدة لضعف إمكاناته المادية‏..‏ واستجابت لإغراء المادة والعريس الجاهز الذي تعدها الحياة معه بالرفاهية والراحة بلا معاناة ولا صبر علي سنوات البداية‏,‏ وكيف انكسر قلب فتاها الذي أحبها بصدق وحلم بالارتباط بها ولم يسيء إليها في شيء‏,‏ ولم يرتكب جرما سوي أنه شاب في بداية حياته كغيره من الشباب ويحتاج إلي عدة سنوات من الكفاح لكي يبني حياته ويتزوجها‏

فكان أن هجرته لتتزوج بمن لا تعرفه ولم تجتذبها إليه سوي مظاهر ثرائه‏,‏ بعد أن استمعت إلي صوت العقل وسخرت من حكاية الكفاح لبناء عش الحب الذي كان يطالبها به فتاها وهو يتوسل إليها باكيا ومتذللا لكيلا تتركه‏,‏ فتفرقت بهما الطرق‏,‏ فإذا به خلال سنوات قليلة يحقق نجاحه العملي في الحياة وتنفتح له أبواب الرزق الحلال‏,‏ ويصبح جاهزا لأن يتزوج أي فتاة كفتاته الغادرة مهما تكن الأعباء‏..‏ أما هي فقد فشلت في حياتها الزوجية ولقيت من الشقاء وسوء المعاملة من زوجها ما دفعها دفعا لطلب الانفصال يائسة من أي أمل في الإصلاح وطلقت منه بعد سنوات قليلة

ورجعت إلي بيت أبيها وفي يدها طفل حائر‏,‏ واشتبكت مع زوجها السابق في منازعات قضائية لا نهاية لها‏,‏ وبغير أن تحصل علي شيء من حقوقها المادية‏..‏ أو تنعم بالحياة الناعمة التي هجرت فتاها من أجلها‏,‏ ثم كتبت إليك تناشدك أن تكتب إلي حبيب العمر‏,‏ الذي لم يكن قد تزوج بعد عند نشر الرسالة‏,‏ متسائلا هل يمكن أن يغفر لها خيانة الحب من أجل المال ويعيد اجتماع شملهما مرة أخري‏,‏ بعد أن تلقت أقسي الدروس وشعرت بأكبر الندم علي تخليها عنه؟‏..‏ ولأمر ما لم يكن واضحا في ذهني وقتها

وجدت نفسي أقتطع الصفحة التي تضم هذه القصة واحتفظ بها في دفتري‏,‏ ثم أعيد من حين لآخر قراءة ردك علي هذه السيدة وكلماتك لها عن الأشياء التي لا تعوض والأشياء التي يمكن تعويضها أو الصبر علي نقصها في حياة الانسان‏,‏ ولا أبالغ إذا قلت لك إنني قرأت هذه الكلمات عشرات المرات‏,‏ وكأني كنت أشعر في داخلي بأنها سيكون لها أثر ما ذات يوم في حياتي‏,‏ ومنذ ثلاث سنوات التحقت بالدراسات العليا بالكلية النظرية التي تخرجت فيها‏,‏ وكنت أحيا حياة سهلة مريحة ولا أعاني أي مشكلات مادية أو إنسانية‏,‏ فأبي يعمل بالخارج منذ أثني عشر عاما‏

وأنا أذهب إلي الكلية بالسيارة الخاصة‏,‏ ولي صحبة من الصديقات من نفس مستواي المادي والاجتماعي‏,‏ نمضي معا أسعد الأوقات‏,‏ ومع بداية العام الدراسي لاحظت أن معنا شابا خفيف الظل ومحترما ووقورا ومتفوقا في دراسته وأساتذتنا يعرفونه ويحبونه لتفوقه ولشخصيته المحترمة بين الزملاء‏,‏ وعرفت أنه معيد بأحد أقسام الكلية ويدرس معنا للحصول علي الماجستير‏,‏ ويوما بعد يوم اكتشفنا أن هناك صفات كثيرة مشتركة تجمع بيننا‏,‏ وبدأ كل منا يقترب من الآخر وينجذب إليه‏,‏ لكن تحفظا ما ـ لا أدري كنهه ـ جعله يحجم عن مصارحتي بمشاعره التي لا تخطئها عيني كلما التقينا في الجامعة‏

وذات يوم وجدتني أسأله بصراحة هل هو مرتبط بفتاة أخري؟ فأجابني بالنفي فوجدت نفسي أوجه إليه سؤالا أذهله سماعه مني وعقد لسانه فلم يستطع الرد علي الفور‏,‏ إذ سألته فجأة‏:‏ لماذا لم تصارحني بحبك حتي الآن؟ فنظر إلي الشاب مذهولا للحظات ثم تمالك نفسه وأجابني بأنه لم يسمح لنفسه بأن يعشمني بشيء لا يستطيع الوفاء به‏,‏ فهو كما قال لي ـ في شيء من الانكسار ـ لا يملك من حطام الدنيا سوي مرتبه الحكومي من الجامعة‏,‏ إلي جانب عائد بسيط من عمل مسائي يقوم به‏,‏ وليست لديه شقة للزواج ولا يملك أي كماليات ولا يقدر علي أعباء الزواج‏,‏ ووالده رجل بسيط لا يملك ما يساعده به وأخوته واخواته كلهم كذلك وإن كانوا جميعا جامعيين ولهم مراكزهم الاجتماعية المرموقة‏..‏ فكيف يسمح لنفسه أن يصارحني بمشاعره وهو غير كفء لي من الناحية المالية‏..‏ ولا يستطيع أن يتوج مشاعره هذه بالزواج‏!‏

وتفكرت في كلامه كثيرا ووجدته محقا فيه‏..‏ وانقطعت عن الذهاب إلي الجامعة لعدة أيام استغرقت خلالها في التفكير‏,‏ تساءلت مرارا كيف سيقبل أهلي حقا بشاب لا يملك أربعة جدران يمكن أن أعيش فيها‏..‏ واتخذت قراري بعد تفكير عميق بأن نظل زميلين يتبادلان الاحترام كما كنا‏,‏ وألا تتجاوز صلتي به هذه الحدود‏.‏ ورجعت للجامعة بهذه النية‏,‏ غير أن قراري سرعان ما ذاب في حرارة لقائه بي ولهفته لرؤيتي وتساؤلاته عن سبب انقطاعي عن دراستي‏..‏ ووجدته قد أعد لي ما فاتني من محاضرات‏,‏ فلم أتمالك مشاعري‏.‏ ووجدتني أصارحه بحبي له وهو يصارحني بحبه العميق لي‏..‏

وجلسنا معا بعض الوقت خارج قاعة المحاضرات‏,‏ وأنا أشعر أننا نعيش لحظة حاسمة من أجمل لحظات العمر‏,‏ ورجعت إلي البيت وأخرجت الصفحة القديمة من بريد الجمعة‏..‏ وأعود لقراءتها وأتوقف أمام كلمات الندم التي سطرتها كاتبة الرسالة علي فقدها لحب العمر‏,‏ وأعيد قراءة كلماتك عن الأشياء التي تستحق أن نصبر ونبذل العرق والدموع من أجلها‏,‏ إلي أن يحين قطافها‏,‏ لأنها إذا ضاعت منا فلا شيء يعوضنا عنها‏..‏ وحسمت أمري علي الصبر والانتظار وتحمل ضريبة السعادة التي ارجوها لنفسي‏,‏ وكانت العقبة الرئيسية أمامنا هي ضرورة الانتظار لمدة ثلاث سنوات لحين الانتهاء من الدراسات العليا‏,‏ ثم نبدأ خطواتنا معا علي طريق المستقبل‏.‏

ولن أحكي لك عن حجم المعاناة التي عانيناها طوال هذه السنوات الثلاث مع أهلي وأهله ومع دراستنا‏,‏ فلقد عارض الأهل علي الجانبين من الانتظار لمدة ثلاث سنوات‏,‏ ثم وافق الجميع في النهاية حين لمسوا تمسك كل منا بالآخر‏,‏ واتفقت مع أهلي علي أنني سوف أبني بيتا مع من أحب جدارا جدارا وأنني سعيدة بذلك‏,‏ فسلم لنا الأهل بما أردنا‏..‏ ومنحونا بعد المعارضة التأييد‏,‏ ومضت السنوات الثلاث ونحن نتشارك في أعباء الدراسة ونتبادل التشجيع وتهوين الطريق علينا‏,‏ إلي أن انتهينا بعد عناء شديد من دراستنا‏,‏ وحصل كل منا علي درجته العلمية وبدأنا سعينا للعمل‏

وطلبت بعض الدول العربية تخصصاتنا وذهبنا إلي السفارات لنجري المقابلات الشخصية وقلوبنا واجفة تتضرع إلي الله أن يحقق آمالنا فلم يردنا الله خائبين‏..‏ وجاءنا سبحانه وتعالي بالبشري‏..‏ فأسرعنا نعقد قراننا ونحتفل باجتماع شملنا في أضيق الحدود‏,‏ وأنهينا استعداداتنا سريعا للسفر‏..‏ وسافرنا‏.‏

وها أنا أكتب لك الآن بعد أن أصبح لي عش صغير في هذا البلد الجميل الذي سافرت إليه مع زوجي‏,‏ لكي أقول لقرائك‏:‏ إن الله مع الصابرين إذا صبروا‏.‏ وأقول لكل شاب‏:‏ إن الله سبحانه وتعالي قد أوجد له الرزق‏,‏ لكنه لابد أن يسعي إليه بالكفاح والصبر وتحمل مشاق الطريق بلا كلل ولا يأس‏..‏ ولكل فتاة‏:‏ إن عليها أن تحسن اختيار شريك حياتها والا تختاره علي أساس امكاناته المادية فقط

لأن الله هو الرزاق‏..‏ ولسوف يرزقها سبحانه وتعالي بقدر صبرها وكفاحها وتمسكها بدينها ومبادئها‏,‏ ولكي أقول أيضا لكل أم وأب أن يحثوا بناتهم علي الكفاح مع أزواجهن ليشعرن بقيمة الحياة لأن ما يأتي بالعرق والكفاح لا تذروه الرياح‏,‏ وأخيرا ياسيدي فإنني أعيش الآن أجمل أيام حياتي في ظل إنسان عطوف وحنون وصادق الحب‏,‏ وكل ذلك بفضل توجيهات بريد الجمعة ونظراته في الحياة‏,‏ وبفضل تلك الصفحة القديمة منه‏.‏ التي مازالت احتفظ بها حتي الآن وأعتبرها دليلي للسعادة والأمان في الحياة باذن الله‏.‏ ولقد اعتزمت أن أكتب منذ بداية قصتي معه وأستنصحك‏,‏ ثم رأيت أن أنتظر كما قلت لكي أعرف نهاية قصتي مع شريكي‏..‏ ثم أرويها لك‏..‏ فشكرا علي صبرك علي قراءتها مع تمنياتي الصادقة لكل قرائك بالسعادة والوئام‏.‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:
انها ليست نهاية القصة كما تتصورين يا سيدتي‏,‏ وإنما هي بدايتها الحقيقية لأنها بداية سنين مديدة وعديدة بإذن الله من السعادة والحب الصافي والعطف المتبادل والسعي النبيل المشترك إلي تحقيق أهداف الحياة‏,‏ أما ما سبق هذه البداية فقد كان إرهاصاتها التي رشحتكما لهذه البداية السعيدة‏,‏ بكل ما تحملتما خلالها من عناء وصبر وثبات علي اختيار كل منكما للآخر‏,‏ والحب كالذهب يختبر‏,‏ بنار الصبر والاصرار والكفاح فيصفو من شوائبه‏,‏ ويتوهج‏.‏

ولقد أسعدني في رسالتك الجميلة هذه أنك قد استلهمت الحكمة الحقيقية في التمييز بين ما يستحق أن يسعي إليه الانسان ويتحمل العناء من أجله‏,‏ وما لا يستحق أن يبذل قطرات الدم والدموع سعيا وراء سرابه أو اعتقادا بأنه الطريق الوحيد إلي السعادة والزواج‏,‏ كما يقول لنا فضيلة الشيخ محمد الغزالي ـ يرحمه الله ـ ليس عشقا لمفاتن الأنثي أو وسامة الرجل وإنما هو إقامة بيت علي السكينة والآداب العائلية والاجتماعية في إطار من الإيمان بالله والعيش وفقا لتعاليمه‏.‏

فإذا كان الأمر كذلك‏,‏ ونحن نعرف ما لنداء الغريزة من أثر وقوة‏,‏ فهو بكل تأكيد ليس أيضا شركة تجارية يكون معيار التفاضل الوحيد بينها وبين غيرها من الشركات هو مركزها المالي وقيمة أصولها وحجم أرصدتها‏..‏

وأنت حين اخترت الحب والصبر والكفاح‏..‏ واعتمدت في اختيارك علي المعايير الأخلاقية والانسانية والعاطفية بغض النظر عن الموقف المالي لشريك الحياة المنتظر‏,‏ إنما كنت تتبعين تعاليم دينك‏,‏ وتستهدين بهديه في الاختيار والترجيح‏,‏ ويكفيك شرفا وحكمة أنك قد اخترت شريكك في الحياة بنفس المعيار الذي اختارت به السيدة خديجة رضي الله عنها سيد البشر أجمعين صلوات الله وسلامه عليه‏,‏ وهو شرف الأخلاق والسجايا والعاطفة النبيلة‏,‏ وليس شرف المال الذي لا ينكر أحد قيمته‏,‏ لكنه لا يصح أن يكون معيار التفاضل الوحيد بين البشر‏,‏ ولا أن يعلو علي كل القيم الدينية والاخلاقية والعاطفية عند الاختيار‏.‏ ولقد خطب أبوطالب عم النبي السيدة خديجة من ورقة بن نوفل أو من عمها عمرو في رواية أخري‏,‏ فلم يعدد أملاكه أو ضياعه‏,‏ وإنما قال‏:‏ إن محمدا لا يوازن به فتي من قريش إلا رجحه شرفا ونبلا وفضلا‏,‏ فإن كان في المال قل‏,‏ فإنما المال ظل زائل وعارية مسترجعة‏!‏

والإمام ابن حزم يروي لنا في كتابه الجميل طوق الحمامة‏,‏ أن أحد الولاة قد جلس إلي اصحابه يتسامرون ذات ليلة فسألهم‏:‏ من أسعد الناس؟ فبادره أحدهم قائلا‏:‏ أنت أيها الوالي‏!..‏ فأجابه‏:‏ وأين ما أكابده من قيادة الجيوش وتنفيذ أوامر الخليفة؟ فقال آخر‏:‏ إذن هو الخليفة‏!‏ فأجابه‏:‏ وأين ما يقاسيه من الثوار الذين يخرجون علي طاعته؟ فسأله أصحابه‏:‏ فمن إذن؟‏..‏ فقال‏:‏ أسعد الناس زوجان في كوخ رزقهما قليل‏,‏ لكنه لا ينقطع يحب أحدهما الآخر‏,‏ قد رضيت به زوجته‏..‏ ورضي هو بها ولا يعرف الوالي ولا يعرفه الوالي‏!‏

ولا عجب في ذلك يا سيدتي‏,‏ لأن السعادة الحقيقية هي الهدف الجوهري الذي يسعي إليه الانسان ويشتريه لو استطاع بأفدح الأثمان‏,‏ ولأن المال والإمكانات المادية لم يسعدا وحدهما أحدا من قبل إذا افتقد في حياته السلام العائلي والحب الصادق والفهم والعطف والحرص المتبادل بين الطرفين علي تيسير الحياة علي كل منهما وإشعاره بالأمان والثقة بالنفس والغد‏.‏ ولقد قرأت ذات يوم كلمة حكيمة للأديبة الفرنسية سيمون دي بوفوار تقول فيها‏:‏ سعيد من يستطيع أن ينظر إلي حقيقة حياته فيرضي عنها‏,‏ وينظر في وجه شريكه في الحياة فيري فيه هذه الحقيقة ويسعد بما رأه‏..‏ فكم إنسانا في الحياة يستطيع أن ينظر إلي حقيقة حياته ويرضي عنها وينظر إلي وجه شريكه في الرحلة فيري فيه هذه الحقيقة ويسعد بها؟‏..‏

وكم من سهام طاشت ولم تصب أهدافها لا لسوء التسديد وإنما لسوء اختيار الأهداف الجوهرية التي ينبغي أن يتوجه إليها المرء بسعيه وجهده وكفاحه من البداية‏..‏ لقد أحسنت اختيار الهدف ياسيدتي‏..‏ ودفعت ثمن حسن الاختيار من سنين الصبر والكفاح‏..‏ فكان عدلا من السماء أن تؤيد حسن اختيارك بالنجاح والتوفيق والسعادة‏..‏ فهنيئا لك كل ما تستحقين من سعادة وأمان‏..‏ وبشري لمن ينتظر بإذن رب العالمين‏..[‏ الأهرام‏5‏ نوفمبر‏1999]‏