الدمـوع السـاخنة


أكتب إليك قصتي‏,‏ بل حيرتي التي تلازمني منذ طفولتي‏,‏ بعد أن ملأ الحقد قلبي‏,‏ ذوأغلقه في وجه أبواب الرحمة والسماح والنسيان‏.‏ فأنا في موقف‏,‏ عقلي يؤكد لي أني علي صواب‏,‏ وقلبي أو بمعني أدق مشاعري التي لاأملك السيطرة عليها‏,‏ تعاتبني وتحرضني علي العفو‏,‏ ولكن شيئا مايمنعني‏.‏

أنا شاب في الثلاثين من عمري‏,‏ لي شقيق يصغرني‏..‏ نشأنا في بيت كبير دافئ‏,‏ في ظل أبوين حنونين‏,‏ تزوجا بعد قصة حب كبيرة‏,‏ جعلتني في سني عمري الأولي أعيش بهجة لاتفارق مخيلتي‏,‏ لأنها كانت قصيرة‏,‏ وسرقت مني في غفلة‏,‏ لتتركني أواجه ذكري من المرارة لاتفارقني‏.‏

بدأت المأساة ـ سيدي ـ عندما سافر والدي‏,‏ مثل غيره‏,‏ إلي الخليج‏,‏ بعد أن جاءته فرصة جيدة سترفع مستوي معيشتنا‏,‏ وقد رحبت والدتي بذلك‏,‏ مؤكدة أنها ستتحمل تلك الفترة التي تمنينا ألا تطول‏.‏

كان سفر والدي‏,‏ هو بداية تغيير غريب طرأ علي سلوك أمي‏,‏ تغير لم أفهمه بتفكيري المحدود‏,‏ وإن تبينت مبرراته فيما بعد‏.‏ أهملتنا أمي‏,‏ وانشغلت عنا بصورة غريبة‏..‏ لم تعد تهتم بدروسنا واحتياجاتنا‏,‏ وأصبحت تتغيب كثيرا عن البيت وتتركنا وحدنا‏,‏ نواجه احتياجاتنا أنا وشقيقي‏,‏ ولكن هذا الوضع لم يستمر طويلا‏.‏

عاد والدي فجأة من عمله بالخليج‏..‏ عاد كما لم يكن عند سفره‏,‏ عاد مريضا بالسرطان‏,‏ وفي حال سئ‏,‏ استدعي دخوله المستشفي‏,‏ علي أمل انقاذه‏,‏ وإن كان هذا الأمل ضعيفا‏,‏ إلا أن ارادة الله ورحمته كانتا أرحم وأوسع‏.‏

مكث أبي في المستشفي طويلا‏,‏ وكنا نتردد عليه لزيارته‏,‏ فكان يفرح كثيرا بوجودنا‏,‏ فتزداد رغبته في الحياة‏,‏ وبالتالي قدرته علي مواجهة هذا المرض الشرس‏.‏ لكن الغريب في الأمر‏,‏ أن أمي بدأت تتململ من زيارتها لأبي‏,‏ وتختلق الحجج حتي تهرب من هذه الزيارة التي أصبحت ثقيلة علي قلبها‏,‏ حتي أنها بدأت تفتعل المشكلات مع أسرة أبي حتي تجد لنفسها مايبرر هذا الغياب غير المبرر تحت أي ظروف‏..‏ وأصبح أهل أبي يكذبون عليه‏,‏ ويبررون غيابها عن الزيارة بالمرض مرة‏,‏ وبالانشغال بنا وبدروسنا مرات‏,‏ مع اخفاء كل مايحدث بينهم حتي لايؤثروا علي حالته النفسية‏.


وذات مساء أسود‏,‏ لايبرح ذاكرتي‏,‏ يؤلم نفسي حتي هذه اللحظة‏,‏ استيقظت من النوم‏,‏ لأفاجأ برجل غريب مكان أبي م ع أمي‏..‏ انفجرت في البكاء‏,‏ لم أفهم شيئا‏,‏ ولم أع بعقلي الصغير معني لوجود هذا الرجل في حجرة نوم أمي‏,‏ ولكني حزنت لوجود رجل آخر‏,‏ غريب مكان أبي‏..‏ فوجئت أمي بي‏,‏ وقالت كلمات لاأتذكر منها شيئا‏,‏ سوي رجائها لي بعدم إخبار أبي أو أي أحد آخر بما شاهدته‏..‏ قالت لي ذلك بلهجة فيها توسل وتهديد في آن واحد‏.‏

في أول زيارة لي لأبي‏,‏ لاحظ أني لست طبيعيا‏,‏ فسألني‏,‏ عن سر حزني وصمتي‏,‏ فوجدت نفسي أحكي له ماشاهدته وماقالته لي أمي وليتني مافعلت‏!‏

لن أنسي ماحييت تلك اللحظات التعيسة‏,‏ وأنا أري وألمس دموع أبي الساخنة المنهمرة علي وجهه‏,‏ وجسده وهو ينتفض‏,‏ وكأن سكينا مغروس في قلبه‏,‏ وأنا أبكي في حضنه ولا أعرف ماذا أفعل كي أخفف عنه هذه الآلام‏.‏

تدهورت حالة أبي الصحية ووصلت الي أسوأ أوضاعها‏,‏ مما استدعي اجراء خمس عمليات دقيقة في الأمعاء‏,‏ الغريب والذي لايصدقه أحد‏,‏ أن والدتي في تلك الفترة الحرجة أصرت علي الطلاق وبعنف‏,‏ علي الرغم من محاولات الأهل والأصدقاء لإثنائها عن هذا القرار لحين شفاء أبي‏,‏ والذي لم يتخذ هذا القرار ولم يسئ اليها علي الرغم مما عرفه عن تصرفها المشين‏.‏

أمي رفضت كل الوساطات بقلب متحجر‏,‏ وقالت إنها شابة وجميلة‏.‏

ولن تدفن نفسها وشبابها مع رجل يجلس ملك الموت بجواره‏.‏

أتذكر جيدا أن الطبيب المعالج ذهب لأمي وناشدها أن تأتي لزيارته قبل أن يحل القضاء‏,‏ لأنه مازال يحبها‏,‏ وزيارته سترفع كثيرا من معنوياته‏,‏ ولكنها وبكل أسف أصرت علي الطلاق عن طريق المحكمة التي قضت لها أيضا بحضانتنا أنا وشقيقي‏.‏

أخذتنا أمي لنعيش اسوأ أيامنا مع أسرتها‏,‏ وكانت تخصني أكثر بكل صنوف العذاب والاهانات‏..‏ أيام مؤلمة عشناها مع أم عابثة مستهترة‏,‏ لم تراع الله في أولادها‏,‏ ولم تلتفت إلي كلام الناس عن ماتفعله بنا‏,‏ فقد كانت ترفض أن نستحم حتي تفوح رائحتنا‏,‏ فتضطر آسفة إلي الموافقة علي الاستحمام‏,‏ هذا عدا منعها لنا من زيارة أبي في المستشفي‏.‏

لكن الله كان رحيما بنا‏,‏ حدثت المعجزة‏,‏ ومن عليه بالشفاء وخرج من المستشفي وهو شبه إنسان‏,‏ وبدأ يتعافي ببطء حتي استعاد عافيته‏,‏ فأقام دعوي ضم لنا‏,‏ فحكمت له المحكمة بذلك وعدنا مرة أخري إلي الحضن الدافيء‏,‏ وعدنا مرة أخري إلي آدميتنا وإحساسنا بمعني الابوة‏,‏ فقد كان يغدق علينا بحنان غامر حتي يعوضنا مما عانيناه‏.‏

بعد أن تخلصت أمي منا‏,‏ تزوجت مباشرة‏,‏ ثم أنجبت من زواجها الجديد ولم تفكر يوما في السؤال عنا أو طلب رؤيتنا‏,‏ ولكن الغريب أن والدي كان يصر علي ذهابنا إليها كل أسبوع رغما عنا‏,‏ مبررا ذلك بأنها أمنا وعلينا رؤيتها ومن حقها رؤيتنا‏..‏ كان هذا الأب العظيم حريصا علي عدم تشويه صورتها أمامنا ـ أكثر ما هي مشوهة ـ بل كان يلتمس لها الأعذار التي لم تكن تقنعنا ولكننا كنا نقبلها ونوحي له بأننا نصدقها حتي لا نؤلمه‏.‏

سيدي‏..‏ لا أريد أن أطيل عليك‏,‏ مرت بنا السنون‏,‏ وأنا أحارب صورة أمي المشينة التي لا تفارق ذاكرتي‏,‏ ولولا وجود أبي بحنانه وحكمته لكنت إنسانا مريضا يعالج عند طبيب نفسي‏.‏ تخرجت أنا وشقيقي في الجامعة‏,‏ وعند أول فرصة‏,‏ فررت من مصر‏,‏ هربت من صورة أمي التي تطاردني‏,‏ ومن كل الذين يعرفون حكايتها‏,‏ وهربت إلي أوروبا‏,‏ وتزوجت من نفس البلد الذي أعمل به‏,‏ واستمرت علاقتي الدافئة بأبي وأخي‏..‏ أما أمي فقد قطعت صلتي بها نهائيا‏,‏ لا أسأل عنها ولا أحادثها‏.‏ سيدي‏..‏ تسألني أين المشكلة‏..‏ والدي وأخي‏,‏ يلحان علي‏,‏ خاصة في الفترة الأخيرة‏,‏ أن أتصل بأمي‏.‏

أسأل عنها وأبرها كما أمر الله ـ سبحانه وتعالي ـ خاصة أنها مريضة وتمر بظروف سيئة ومؤلمة‏..‏ حاولت كثيرا‏,‏ ولكن قلبي موصد‏..‏ أفكر أحيانا في أن أفعل ذلك إرضاء لربي ولوالدي‏,‏ ولكني أستعيد كل ما حدث‏,‏ فأهرب من الفكرة‏,‏ حتي يعود أبي من جديد ليرجوني أن أفعل ذلك‏,‏ حتي ازداد شعوري بالذنب‏,‏ وصرت أعاني من صراع داخلي‏,‏ لا أعرف كيف أواجهه أو أتجاوزه‏..‏ فبماذا تنصحني؟



*‏سيدي‏..‏ كم هو موقف صعب الذي تقف فيه‏..‏ فمن يقرأ سطور رسالتك بكل ما فيها من معاناة وقسوة‏,‏ لن يفكر طويلا‏,‏ وسيقول لك إن مثل هذه الأم لاتستحق أي مودة أو رحمة أو بر‏.‏ فما فعلته يفوق بكثير وصف القسوة أو الخسة‏,‏ فهي صورة لأم يندر وجودها‏,‏ نموذج شاذ وغريب علي مشاعر الأمومة الفطرية‏.‏

فعلي الرغم من أن الخطيئة غير مقبولة ومرفوضة عند كل بني البشر‏,‏ إلا أنها تحدث وتتكرر‏,‏ فإذا تاب المخطيء إلي ربه وحاول التكفير عن ذنبه‏,‏ وأبدي ندمه علي ما ارتكب في حق الله وفي حق الآخرين يمكن للانسان أن يبدأ من جديد‏,‏ متلمسا أبواب التوبة والمغفرة وهي متعددة‏.‏ ولكن ما فعلته والدتك‏,‏ ينم عن قلب مغلق‏,‏ وأنانية مرضية‏,‏ فلم تفكر في زوجها الذي كان أقرب إلي لقاء ربه وهو غاضب عليها لأنها خائنة‏,‏ ولم تستغل فرصة سماحته وصفاء قلبه ومقدرته الفائقة علي العفو‏,‏ والتي تتجاوز حدود النفس البشرية‏,‏ لتذهب إليه وتقبل قدميه وتعيش خادمة له ولكما‏,‏ سكن قلبها الشيطان وأغرتها الدنيا بشبابها وجمالها‏,‏ معتقدة أنها قادرة علي اقتناص السعادة‏,‏ فيما هي سائرة في طريق الألم والعذاب‏,‏ جاهلة بقصاص الله وانتقامه وعدله الذي لايغيب‏.‏

سيدي‏..‏ علي الرغم من أنك لم تحدثني كثيرا عن وضع والدتك الآن وموطن آلامها وعذابها‏,‏ إلا أني أثق في أنها تعيش أياما أسود مما أذاقته لكم وإن لم يحدث حتي الآن‏,‏ فسوف يحدث‏,‏ إلا إذا تابت إلي الله وقبل توبتها‏,‏ وإن كنت أشك في أن هذا حدث حتي الآن‏,‏ وإلا كانت بادرت بمحاولة استجداء عفوكم عنها‏,‏ وهذا يعني أنها مازالت مغمضة القلب والأحساس‏,‏ وأن الله غاضب عليها لم يرد لها الهداية ولم يرفع غضبه ـ سبحانه وتعالي ـ عنها‏.‏

ومع كل هذا‏,‏ أراني منضما إلي صوت والدك الرائع وشقيقك‏,‏ فأدعوك إلي مزيد من التسامح تلبية للأمر الإلهي‏,‏ بمصاحبتها في الدنيا معروفا‏,‏ مبتغيا وجه الله الكريم وإرضاء لوالدك‏..‏ فلاتدع الكراهية تسكن قلبك الطاهر‏,‏ ولا الانتقام يحاصر عقلك‏,‏ وثق بأنك باتصالك بها ستتخفف كثيرا من عبء الشبح الذي يطاردك‏,‏ وستسمو نفسك بسمو تصرفك الانساني‏,‏ متخذا من سبيل والدك‏,‏ الذي أكرمه الله وعافاه وهو من الصابرين الراضين بابتلائه‏,‏ فنحن لانفعل الاحسان إرضاء للآخرين‏,‏ ولكن نفعله تدريبا للنفس علي الطاعة وعدم الاستسلام للهوي وفي ذلك متعة وسعادة بلا حدود‏.‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏