ارتبطت شهرة الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي العماني بعلم العروض، حتى إنَّ المرء عندما يذكر الشعر العربي - وهو ديوان العرب - لا بدَّ أن يتوارد إلى ذهنه هذا العبقري الفذ، الذي حيَّر من عاصره ومن جاء بعده، ولكنَّ الذي يعرفه القلَّة القليلة عن هذا العالم الجليل هو أنـَّه كانت على يده بداية علمية لا تقل أهمية عن علم العروض.

فهو أوَّل من ابتكر التأليف المعجمي، وكانت له مدرسة فيه خاصَّة وهو مخترع علم النحو الذي لقّنه لتلميذه سيبويه، وهو مخترع علم الموسيقى المعرفية التي جمع فيها أصناف النَّظم، وهو الذي وضع تشكيل الحروف العربية، وقد كانت من قبله لا تشكيل واضح لها؛ فسهَّل بذلك تلاوة القرآن، فنال بذلك أجرا عظيما، حتى قيل إنَّ عصره لم يعرف أذكى منه، وأعلم وأعفَّ وأزهد.

والحقُّ إنَّ هذا العالم الذي بهر معاصريه بأخلاقه وزهده وورعه إلى جانب ذكائه وعبقريته، لم يجد العناية التي يستحقُّها من الكُتَّاب والمؤرِّخين، بل وجد منهم الإهمال والتغافل كما سنوضِّح ذلك. وإلى هذه الإشكالية يشير أحد الدارسين المتخصصين قائلا:

«ومن العجب أنَّ الخليل لم يعرف على حقيقته في مختلف العصور، على الرغم من أنَّ معاصريه ومن خلفهم قد أفادوا من عمله الشيء الكثير

ولعلَّ هذا يعود إلى أنَّ عبقرية الخليل لم تدرك بأتم معنى الكلمة إلاَّ في عصرنا هذا الذي عرف المخابر الصوتية، والحاسوب الآلي، كما عرف محاولات تطوير الإيقاع الموسيقي فيما يطلق عليه الشعر الحديث، فكلُّ تلك المحاولات رغم ادِّعائها التجديد لم تستطع الخروج عن الدوائر الخمس، التي استطاع أن يحصر في محيطها كلَّ بحور الشعر العربي المستعملة وما يمكن أيضا أن يستعمل.

إنـَّه مثل غيره من العمانيين الذين كتب الله عليهم أن ينشئوا ويتعلَّموا ويشتهروا في ديار الغربة بعيدا عن موطنهم الأصلي، وكأنَّ الأقدار كانت تهيِّئ هذا العالِم الجليل لأمر عظيم لا يكون في مستوى عُمَان وحدها، بل يتخطَّى ذلك كلَّه إلى أن يكون في مستوى الإنسانية قاطبة؛ لأنَّ في العلوم التي اخترعها أو ابتدعها ما يضفي عطاءه وخيره على الناس جميعاً، وليس على المسلمين أو العرب وحدهم.

وهو يعدُّ من هؤلاء الزمرة من مواطنيه الذين اشتهروا خارج وطنهم من أمثال جابر بن زيد، والربيع بن حبيب، والمبرد، وابن دريد وغيرهم.

ففي البصرة التي كان يطلق عليها "بصرة الأزد" نشأ وتربَّى وعاش، وليس لدينا من المعلومات ما يجعلنا نقف على تفاصيل نشأته هذه سوى ما تحكيه بعض المصادر عن ذكائه الخارق، وجرأته منذ نعومة أظفاره، فقد قيل إنَّ الفرزدق الشاعر المعروف كان مارًّا بإحدى طرق البصرة، وكان الصبية يلعبون بها، وما إن مرَّ بهم الفرزدق فوق بغلته حتى أخذوا يرمقونه بأعينهم، ويبدو أنَّ ذمامة خلقه استوقفت أنظارهم، فأراد أن يخوِّفهم فقال:

نظروا إليك بأعين محمرة

نظر التيوس إلى مُدى القصَّاب

وضغط على كلمة مدى، وكأنـَّه يريد بذلك ترويعهم، فتفرَّق الصبية مذعورين من حوله، إلاَّ صبيا واحدا وقف ينظر إليه في تحد قائلاً: «نظرنا إليك كما ينظر إلى القرد؛ لأنَّك مليح» وتضاحك الصبية، وخاف الفرزدق أن يصل خبر هذه الأحدوثة إلى أسماع جرير فيجعلها موضوعا لإحدى نقائضه، وفضّل الانصراف على الفضيحة.

هذا خبر تناقلته المصادر القديمة والمراجع الحديثة نستشهد به عادة عندما نتحدَّث عن ذكاء وعبقرية الخليل منذ صباه، وهي مفتاح هذه الشخصية العظيمة التي دلَّ ما تركته من علم وإبداع، وما اشتهر به من ورع وتقوى وانقطاع إلى العلم، على أنـَّنا أمام عبقرية نادرة، كما سنرى، ويكفي أن نورد ما قاله فيه المحدِّث المشهور سفيان بن عيينة: «من أراد أن ينظر إلى رجل من ذهب ومسك فلينظر إلى الخليل

ونودُّ قبل أن تسترسل مع هذه الشهادات العلمية المشرِّفة أن نبدأ مع الخليل بن أحمد الفراهيدي منذ البداية.

وأوَّل سؤال يتبادر إلى أذهاننا هو: من هو الخليل بن أحمد؟

إنـَّه مـمَّا يدعو إلى الأسف أنَّ كثيرا من جوانب شخصية هذا العبقري ظلَّت مجهولة، فلا نكاد نعرف عنه إلاَّ جانبا من حياته العقلية وإبداعه الفكريِّ، ولم تكتب المصادر القديمة عن هذا الجانب - بطبيعة الحال - إلاَّ يوم أن صار أستاذا من أساتذة البصرة المرموقين، وشيخا من شيوخ العلم، تجاوزت سمعتُه حدود العراق إلى خراسان، وغيرها من الأمصار الإسلامية.

وعن هذه الشهرة يقول أبو محمد التوجي: «اجتمعت بمكَّة أدباء كلِّ أفق فتذاكرنا أمر العلماء، فجعل أهل كلِّ بلد يرفعون علماءهم ويصنِّفونهم ويقدمونهم، حتى جرى ذكر الخليل، فلم يبق أحد إلاَّ قال: الخليل أذكى العرب، وهو مفتاح العلوم ومصرفها

أقول على الرغم من هذه الشهرة الذائعة الصيت، وهذه المكانة التي اعترف بها القاصي والداني، فإنَّ تلك المصادر لم تسعفنا بشيء ذي بال عن نشأته وحياته بكلِّ التفاصيل المنتظرة، والتحاليل المتوقَّعة.

ولا نكاد نعرف عن نشأته إلاَّ أنـَّه ولد سنة مائة للهجرة على الأرجح، وتوفي سنة سبعين ومائة، أو خمس وسبعين ومائة، وإلاَّ أخبارا متفرِّقة هنا وهناك، يجمعها الدارس بعد عناء، ويصل بين أطرافها بعد تأمُّل.

وأكبر الظنِّ أنَّ هناك عوامل تظافرت فحدَّت من أن يتحدَّث الناس عن الخليل أو يكتبوا عنه، ويهتمُّوا بدقائق حياته، ومن أهم هذه العوامل:

- ما يتـَّصل بسياسة الحكم آنئذ، ومنها ما يتَّصل بالمجتمع: ففي المصادر القديمة نجد بعض الكتَّاب يتحدثون عن أنَّ الخليل «نشأ خارجيا صفريا أو إباضيا». والمعروف أنَّ الخوارج يومئذ كانوا من العناصر المناوئة للسياسة الأموية الجائرة، وقد اضطهدهم الحكَّام وتجنَّبهم الناس المناوؤون لهم: وأصبح التحدُّث عن المعارضين للحكم أمرا محظوراً، بل إنَّ الذين كانوا يكتبون كانوا في الأغلب الأعمِّ من التيار الممالئ للسلطة الأموية.

- ومن العوامل ما يتصل بالجانب الاجتماعي: فقد تعوَّد الناس أن يهتمُّوا بالأشخاص لمراكزهم الاجتماعية، مثل الجاه والنفوذ والمال، أي بما لهم فيه مصلحة، والخليل بما نشأ عليه من ورع، وزهد، وتقوى، وتعفُّف، كان أبعد الناس عن المظاهر البرَّاقة، مشتغلاً عن كلِّ ذلك بالعلم وحده، حتى صار مضرب المثل في طلب العلم والانقطاع له، وقد وصل تلامذته إلى هذه الشهرة؛ لأنـَّهم سلكوا إليها السبيل الدنيوي، وذلك ما عبَّر عنه تلميذه وصاحبه النظر بن شميل حيث يقول: «أكلت الدنيا بعلم الخليل وهو في خصٍّ لا يشعر به، وأقام بالبصرة لا يقدر على فلسين، وعلمه قد انتشر وكسب به أصحابه الأموال».

ولذا لم يهتمَّ بالاتصال به إلاَّ هؤلاء الذين وجدوا ضالَّتهم في العلم عنده، وهم خلاصة الجيل، ولم يتردَّد عليه هؤلاء إلاَّ بعد أن انحدر إلى الشيخوخة، وأصبح علَما من أعلام الفكر مشهورا، وعن هؤلاء وصل إلينا من أعماله العلمية من عروض ولغة ونحو، ومن أخبار متفرقة تتصل بزهده وتواضعه وذكائه وحبه للعلم والعلماء

- ومن العوامل أيضا زهد الخليل في التحدُّث عن نفسه إلاَّ قليلا جدًّا، وهو حتى عندما يتحدَّث عن شيء يتعلَّق به لا ينسبه إلى نفسه، وإنما يشير إليه إشارة، كما نلحظ ذلك عندما يتحدَّث عن قصَّته مع الفرزدق في صباه. وسكوته عن نفسه مظهر من مظاهر زهده ولون من التواضع الذي يلازم العلماء الأصلاء، وقد كان زاهداً متواضعاً لم يداخله الزهو ولم تبهره المنـزلة العلمية التي صار مرموقا من أجلها، وبقي بعيدا عن المجتمعات الصاخبة لا يجاوز همُّه باب خُصِّه كما كان يقول، وهو إن غادره فإلى رحلة في طلب العلم أو للحجِّ.

وكان من زهده في دنيا المادة أن ابتعد عن التزلُّف لرجال الحكم، فلم يقف عند أبوابهم متملِّقاً يرجو عطاءهم، أو مادحا يتطلَّع إلى نوالهم، وكثيراً ما ردَّ بإباء ما كانوا يعرضونه عليه من عروض مغرية. ويحكى أنَّ سليمان بن علي والي المنصور العباسي على الأهواز طلب منه أن يتولَّى تعليم أولاده، وبعث إليه هدايا بها إغراءه، فما كان منه إلاَّ أن أخرج لرسول الوالي كسرة خبز يابسة قائلاً: «ما دامت هذه عندي فلا حاجة لي إلى الوالي سليمان، أبلغه عني ذلك», ولم يتهاو أمام إلحاح ابنه عبد الرحمن الذي رآها فرصة للخروج من ضيق الأخصاص إلى دنيا القصور، بل إنَّ الخليل حمَّل ذلك الرسول أبياتا تعبِّر بصدق عن هذه الخلة العظيمة التي تميز بها واشتهر:

قال الخليل

أبلغ سليمان أني عنه في سعة

وفي غنى غير أني لست ذا مال

سخيٌّ بنفسي أني لا أرى أحدا

يموت هزلا ولا يبقى على حال

الرزق عن قدر لا الضعف ينقصه

ولا يزيدك فيه حول محتال

والفقر في النفس لا في المال نعرفه

ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال

وكان سليمان هذا قد رتَّب له راتبا فقطعه عنه انتقاما لموقف الخليل منه، فما ازداد الخليل إلاَّ إيمانا وقناعة قائلا:

إنَّ الذي شق فمي، ضامن

لي الرزق حتى يتوفاني

حرمتني مالا قليلا فما

زادك في مالك حرماني

فبلغت سليمان هذه الأبيات فأقامته وأقعدته، وكتب إلى الخليل معتذراً، وضاعف جائزته له، فقال الخليل:

وزلة يُكثر الشيطانُ إن ذكرت

منها التعجبَ جاءت من سليمانا

لا تعجبن لخير زل عن يده

فالكوكب النحس يسقي الأرض أحياناً

والمرء بقدر إعجابه بموقف الخليل وتقواه وثباته لا يخفي إعجابه من صمود الخليل، وعكوفه على العلم وحده، وحسد معاصريه وتعمُّدهم إنكاره، ولعلَّ موقفه هذا وشخصيته هذه كانت سببا مباشرا في ألاَّ يجد الخليل من عناية الكتَّاب ما وجده تلامذته ومعاصروه من اهتمام وعناية.

ومن العوامل التي جنت على الخليل حسدُ اللغويين الذين جاءوا من بعده حين أنكروا عمله المعجمي العظيم: (كتاب العين)، فكان منهم المنكِر بأن يكون العين من عمل الخليل البتَّة، ومنهم الذي جعله مناصفة بينه وبين تلميذه الليث بن المظفر، ومنهم من ازدراه واستصغره، مما سنراه حين التحدُّث عن هذا العمل المعجمي الضخم، وقد تفطَّنت بعض الدراسات الحديثة، بل وبعض الدراسات القديمة، إلى هذا التحامل على الخليل فأثبتت بالحجج القاطعة نسبة العين إلى الخليل، وبيَّنت جدارة الخليل بهذا العمل واستحقاقه له، وأوضحت كيف كان الحسد وحده هو الدافع لبعض اللغويين مثل الأزهري، ومن لفَّ لفَّه ليستنقص من إبداع الخليل، على الرغم من أنهم أخذوا عنه واقتبسوا نهجه، وقلَّدوه في طريقته