للأستاذ الدكتور مهدي محقق


إن تأثير اللغة الفارسية في اللغة العربية أو العربية في الفارسية لا يدرس في مقالة أو مقالتين؛ لأن هذا التأثير تم في ميادين متفاوتة وأزمنة مختلفة. وما نقدم في الصفحات التالية إنما هو مجمل من ذلك الموضوع الطويل. وأود أن أبحث في مقالتي هذه حول أثر اللغة الفارسية في اللغة العربية، وسأنتهز فرصة أخرى للبحث حول أثر اللغة العربية في اللغة الفارسية إن شاء الله تعالى.


دخل اللغة العربية قبل الإسلام قسم من الكلمات الفارسية على يد الذين كانوا على صلة بالفرس. وقد كان الأثر الأكبر في هذه الصلة للمناذرة – اللخميين – الذين كان آخرهم النعمان بن المنذر. كان هؤلاء يحكمون بلاد الحيرة التي كانت عاصمتها مدينة الحيرة وكان موقعها على بعد فرسخ جنوبي الكوفة. وفي

أبيات الشعراء، الذين كانوا في ذلك العهد، يُرَى كثير من الكلمات الفارسية. ومن هؤلاء الشعراء يمكننا أن نعد الأعشى ميمون بن قيس الذي ننقل هنا بعضًا من أشعاره المتضمنة أمثال هذه الكلمات لضيق المجال عن ذكرها جميعًا.يقول في إحدى القصائد:

لنا جلَّسان عندها وبنفسج

وسيسنبر والمرزجوش منمنما وآس وخيرى ومرو وسوسن

إذا كان هنز من ورحت مخشَّما وشاهسفرم والياسمين ونرجس

يصبّحنا في كل دجن تغيَّما(1)

يلاحظ أنه أورد في هذا الشعر كلمات كَلستان وبنفشه وسوسن برو مرزجوش وشاه اسبرم وياسمن ونركَس الفارسية وسواها. وأشار في قصيدة أخرى إلى ساسان وكسرى شهنشاه:

فما أنت إن دامت عليك بخالد

كما لم يخلَّد قبل ساسا ومورق

وكسرى شهنشاه الذي سار ملكه

له ما اشتهى راح عتيق وزنبق(2)

ويذكر كذلك في أماكن أخرى أسماء الآلات الموسيقية، وقد كانوا يسمونه "صناجة العرب" أي لاعب الصنج عند العرب، فكلمة صنج معربة من ﮓﻨﭼ الفارسية بنفس المعنى، وقد أشار إليه المنوجهري الدامغاني في إحدى قصائده:

أبر زير وبم شعر أعشى قيس

زننــده همى زد بمضرابها

وكأس شربت على لذّة

وأخــرى تداويت منها بها

وإن كلمة سمسار الفارسية التي عربت بصورة سفسير وردت في شعره هو بلفظها الفارسي:

وأصبحت ما أستطيع الكلام

سوى أن أراجع سمسارها(3)

وأصل هذه الكلمة من السانسكريتيه انتقلت إلى العرب عن طريق الفرس(4) وقد نقل حديث عن قيس بن أبي غرزة قال فيه: "كانوا يسموننا سماسرة فسمانا الرسول تجارًا"(5)

ذكر أبو حاتم الرازي في كتاب الزينة أن كسرى سأل حين دخل الأعشى بلاط الأكاسرة: من الرجل؟ فقيل : منشد. ثم يقول أبو حاتم: المنشد بمعنى المطرب والمغني لا بمعنى الشاعر، لأن الأناشيد والأغاني الفارسية كانت كلمات غير مقفاة ولا موزونة ولا يستقيم إطلاق اسم الشعر عليها(6) وقد فات أبا حاتم أن قصائد ما قبل الإسلام كانت شعرًا ولكن على وزن هجائي لا وزن عروضي وقد عرف مثل هذا الشعر حتى بعد الإسلام ولا يزال يرى في البقاع المحلية في إيران، بل إن بعضًا من الشعراء العرب حاولوا تقليده.

يذكر على بن ظافر الأزدي في (بدائع البدائة) أن شاعرًا أنشد سنة 607 أمام أحد الأمراء أبياتًا لم تكن على أوزان العروض، ثم ألقى شاعر آخر بذلك الوزن شعرًا عربيًّا مطلعه:

ما لذة المعنى \ إلا مدامتـه

ووصل من عليه \ قامت قيامته(7)

ونلتقي في قصائد أصحاب المعلقات أحيانًا بكلمات فارسية، ومن ذلك قول امرئ القيس:

إذا زاعه من جانبيه كليهما

مشى الهربذى في دفّه ثم فرفرا(8)

كلمة (هربذ) هي (هيربد) التي فسرها كتاب القواميس من العرب بحارس النار، وقد وردت في كتاب أفستا بمعنى الأستاذ والمعلم.

كذلك قال عمرو بن كلثوم العتابي:

وسيد معشر قد توَّجوه

بتاج الملك يحمي المحجرينا(9)

كلمة (تاج) فارسية كانت في ﺔﻳﻮﻠﻬﭙﻟﺍ(تاژ)وقد نقلوها في العربية إلى باب تفعيل فبنوا منها توّج يتوّج.

وفي مدينة الحيرة هذه التي ذكرنا، كان للأساطير والأقاصيص الفارسية مدخل ونفوذ كما ينقل ابن هشام في كتاب سيرة النبي، إذ يذكر أن نضر بن الحارث كان يعلم في الحيرة قصص ملوك إيران ورستم واسفنديار، وأنه كلما كان النبي في مجلس ما يذكر الله ويخيف الناس من عذابه،ويتحدث عن الأمم الغابرة التي غضب الله عليها، كان يقوم ويقول: "يا معشر قريش تعالوا أحدثكم بحديث أحسن من حديثه، ثم كان يروي لهم قصص ملوك الفرس ورستم واسفنديار".(10)، وذكر المفسرون أن الآية الكريمة : "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم"(11) إنما نزلت فيه.

كذلك نجد بعضًا من الأسماء التي هي في الأصل فارسية، مثلا في الرجال: قابوس المعرب عن كاووس وقد كان النعمان بن المنذر يلقب أبا قابوس. وفي النساء: دختنوس اسم بنت لقيط بن زرارة وهو معرّب عن دخت نوش(12) ولما كان عدد من الكلمات الفارسية صار من اللغة العربية، فقد ظهر قسم من تلك الكلمات في القرآن الكريم مثل إستبرق المعربة عن استبرك وإبريق المعربة عن آب ريز، وكنز المعربة عن كَنج وسجيل المعرَّبة عن ﮕﻨﺳ كل و أمثالها. ولقد ثقل على بعض العلماء أن يسلموا بوجود كلمات غير عربية في القرآن ورأوا ذلك متنافيًا مع الآية الكريمة: "إنا أنزلناه قرآنًا عربيًّا" وكذا و"هذا لسان عربي مبين"، كانوا مضطرين لإيجاد حل لذلك. فبعض الفقهاء كالشافعي كانوا يعتقدون أن ليس في القرآن قط كلمات غير عربية، وما يرى فهو من باب توارد الكلمات(13) وأيد ذلك أيضًا بعض المفسرين كالإمام الفخر الرازي، وهكذا نقل أصل هذا البحث من علم اللغة إلى علم أصول الفقه. وفي مباحث ألفاظ القرآن قيل في الحديث عن الحقيقة الشرعية أن كلمة قرآن من المفاهيم التي تدل على الكل وعلى الجزء، والضمير في إنا أنزلناه إنما يعود على السورة لا على القرآن(14) وقد ذكر جلال الدين بن عبد الرحمن السيوطي في كتاب (المزهر) أقوال علماء اللغة بشأن الكلمات غير العربية في القرآن، وهو يميل إلى الأخذ برأي القائلين إن هذه الكلمات أعجمية باعتبار الأصل، عربية باعتبار الحال(15)، وتوجد منه أيضًا رسالة باسم المتوكلي، فيما ورد في القرآن باللغة الحبشية والفارسية والهندية والتركية والزنجية والنبطية والقبطية والسريانية والعبرانية والرومية والبربرية. ومن المستشرقين كتب آرتور جفري قاموسًا للدخيل من كلمات القرآن فسر فيه الكلمات الفارسية وشرحها.

وكان بعض الكفار في صدر الإسلام يعتقدون أن سلمان الفارسي لقن النبي بعضًا من المطالب، وقد نزلت الآية: "لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين"(16) في الرد على هذه الفئة. ومنشأ هذا التوهم أن سلمان كان مقربًا جدًّا من الرسول حتى عده الرسول من أهل بيته قائلاً: سلمان منا أهل البيت(17) يقول ناصر خسرو في ذلك:
قصة سلمان شنيدستي وقول مصطفى

كوزاهل البيت ﭼون شدبازبان ﻯﻮﻠﻬﭘ(18)

وكلمة (خندق) المعربة عن كندكﺔﻳﻮﻠﻬﭙﻟﺍإنما دخلت العربية على يده، بل ذكروا أنه قال بالفارسية حين انتخبوا أبا بكر خليفة في سقيفة بني ساعدة: "كرديد ونكرديد"(19) التي ترجموها بعبارة "أصبتم وأخطأتم"(20) فيستفاد من ذلك أنه كان أحيانًا يتكلم لغته الأصلية، وقد ذكروا أنه رغم تعلمه اللغة العربية كانت تظهر في لغته لكنة فارسية، ويقول ابن منظور في لسان العرب في مادة (رضخ): "كان سلمان يرتضخ لكنة فارسية".

بالإضافة إلى القرآن نشهد كذلك في الأخبار والأحاديث كلمات وتعابير فارسية ننقل كنموذج بضع جمل منها:

في حديث الحسن البصري فقال: "بهل بهل" بالفارسية ومعناها "خل خل"(21).

في حديث عيسى: "أنه لم يخلف إلا قفشين" كلمة (قفش)(22) معرب (كفش) أي (الخداء).

في حديث مجاهد: يغدو الشيطان بقيروانه إلى السوق. كلمة قيروان معرب كاروان ومعناها القافلة.

ومثلها: أكل الحسن أو الحسين تمرة من تمر الصدقة فقال النبي كخ كخ. وكذلك: أهدى رجل من العراق إلى ابن عمر جوارشن(23)