إلى مُحمدي


الجزارون، مِن ناحية، ضربوا ضربتهم بيني و بينك
و هذا القلب اللعين، من ناحية ، يلعب بي لعبته!
فهل يكون نصيبي،يا صغيري محمد، أن أراك بعد؟
أنا أعلم انك ستكون رشيقا كسنبلة
فأنا كنت هكذا في صغري،
ممشوقا،فارعا،نحيفا،أشقر.
و عيناك،ستكونان واسعتين، كعيني أمك.
و سيغشاهما، من حين لحين، حزن غريب.
و جبينك سيكون وضاء لا ينتهي في الألق.
و ظني أنه سيكون لك صوت جميل،
فقد كان صوتي أنا غريبا عن الجمال!
و ستغني أغنيات حلوة تلامس القلب،
و ستكون عذب الحدي،يسيل العسل من لسانك.
أي محمدي!
كم ستتعذب بك الصبايا؟
كم سيفتتنّ بك؟!
عسير..عسير أن تطيب نشأة الصبي،
و عين أبيه غير العين التي ترعاه في صباه.
يا ولدي!
لا تعذب أمك
لا..لا تعذبها
أنا لم أستطع أن أمنحها الضحك
فاجعلها أنت ضاحكة ..دع وجهها يضحك
على الدوام،
أمك..يا محمد!
قوية كالحرير
و ناعمة كالحرير
أمك..ستبقى جميلة،حتى حين تصبح جدة
فكأنها،يومئذ،هي هي التي التقيتها أول مرة،
على ضفاف البسفور، وهي في السابعة عشرة:
ضوء القمر،ضوء النهار،سمرة الخوخة قبيل نضجها،
بل أجمل ما تكون المرأة في دنيانا.
أمك..
لقد افترقنا ذات صباح على رجاء الملتقى
و لكن هيهات..لم يتحقق الرجاء،
لم نتمكن من اللقاء!
أمك.. أذكى الأمهات، و أطيب الأمهات،
لتعش مئة سنة إن شاء الله
ابني!
أنا لا أخاف الموت
و لكني، أحيانا، أنتفض فجأة و أنا أعمل،
و حين أكون وحتي، على سريري قبيل الغفو،
يهتف بي خاطر؛
من الصعب أن يحزر الانسان،ما قد يعيش،بعد،من أيام.
و لكن هل نشبع من الحياة؟
لا يمكن،يا محمد أن نشبع
ابني
لا تعش في الدنيا مستأجرا
كمن جاء ليصطاف..
عش دنياك كأنها بيت أبيك
ثق بحبة القمح،
ثق بالأرض،
ثق بالبحر،
ولكن ثق، أكثر من ذلك ،بالانسان.
أحب الغيوم، الآلة،الكتاب،
ولكن أكثر من ذلك، أحب الإنسان.
أحسّ بحزن الغصن الذي يجف،
بحزن النجمة التي تنطفئ،
بحزن الحيوان العليل،
ولكن أحسّ، قبل ذلك، بحزن الانسان.
كل نغمة في الأرض تعطيك السرور،
النور و الظلمة،يعطيانك السرور،
الفصول الأربعة تعطيك السرور،
ولكن الانسان أعظم مسرّاتك.
محمد!
وطننا تركيا ، جميل بين الأوطان،
و رجاله الحقيقيون مجتهدون،
محبون للعمل، من طبعهم الدأب،
شجعان..
ولكنهم فقراء،و فقرهم بشع،رهيب.
لقد تعذب شعبنا، ولا يزال يتعذب،
ولكن ما أجمل المصير..
و أنت هناك في الوطن، ستكون
من بناة ذلك المصير الجميل،
من بناة الإشتراكية، السعادة،
ستراها بعينيك،ستلمسها بيديك.
محمد!
سأموت بعيدا عن لغتي،و أغنياتي،
عن ملحي و خبزي،في لهفتي إليك،
في لهفتي الى أمك، الى رفاقي، الى شعبي،
ولكن..لن اموت في المنفى،لن أموت في الغربة.
سأموت في بلد أحلامي
في المدينة البيضاء: مدينة أجمل أيام عشتها في عمري.
محمد! يا صغيري!
أنت وديعتي عند حزبي،
لذلك سأرحل بإطمئنان،
والحياة التي تنطفئ بي،
ستبقى جذوتها فيك أنت سنين معدودة من عمرك،
ولكنها ستبقى الى الأبد.. في شعبي.