كثيراً ما نسمع أن فلاناً أصيب بصدمة، وآخر مات منها، وثالث كادت تودي به ، ورابع نجا منها بأعجوبة. والصدمة تعني عجز الجسم عن إمداد أنسجته بالدم اللازم لها، ما يقود الى هبوط حاد في ضغط الدم والى تعرّض الأعضاء الحيوية كالقلب والدماغ والكلية الى الخطر. والصدمة تقسم من حيث التوقيت الى




صدمة أولية وأخرى ثانوية، فالأولية تحصل وقت الحادث أو نتيجة المرض المفاجئ، اما الصدمة الثانوية وهي أخطر فتحدث عقب مرور ساعات على الإصابة أو المرض، وهذا النوع من الصدمة أخطر من الصدمة الأولية.

وهناك أنواع للصدمة هي:

صدمة نقص حجم الدم، الصدمة القلبية، الصدمة الإنتانية، الصدمة التأقية (التحسسية)، والصدمة العصبية.

في المرحلة الأولى للصدمة الناتجة من نقص التروية الدموية ينقص الأوكسجين فتصاب جدران الخلايا بالأذى فينساب السائل بين الخلايا الى داخلها، وفي غياب الأوكسجين يحصل التنفس اللاهوائي الذي يطلق أحماضاً تسهم في زيادة حموضة الدم، وعادة يعمل الكبد على ازالة هذه الأحماض ولكن بسبب عدم توافر الأوكسجين لا يستطيع تنفيذ المهمة.

وفي المرحلة الثانية من الصدمة يحاول الجسم اصلاح الوضع بآليات عصبية وغدية وكيماوية، وفي حال فشل هذه الآليات في استعادة الوضع الطبيعي تأتي المرحلة الثالثة التي يزيد فيها الوضع سوءاً.

أما في المرحلة الأخيرة فتتعطل وظائف الأعضاء الحيوية، واذا وصل العطل الى القلب والدماغ، فإن الموت آت لا محالة.

ما هي عوارض الصدمة وعلاماتها؟

لا بد من لفت الانتباه الى أن بعض عوارض الصدمة قد تظهر مباشرة عقب التعرّض لها، وأن هناك عوارض قد تظهر متأخرة، وهذه يجب التركيز عليها ومتابعتها. اما عوارض الصدمة وعلاماتها فهي:

- يبدو المصاب ضعيفاً وتظهر عليه بوادر القلق والضجر والإرباك، وهذه تكون من العلامات الأولى للصدمة، يكون الجلد شاحباً رطباً، العطش والضعف العام، يكون التنفس سطحياً وسريعاً، انخفاض درجة حرارة الجسم، يغدو النبض سريعاً (فوق المئة) وضعيفاً يصعب الإحساس به، تدهور مستوى ضغط الدم، تصبب العرق الغزير، الغثيان والتقيؤ، ازرقاق لون الأظافر والشفتين، واتساع حدقة العين وغياب الوعي.

ما هي أسباب الصدمة؟

ان أسباب الصدمة تختلف بحسب نوعها، ففي صدمة نقص حجم الدم يكون السبب إما نتيجة النزف الداخلي أو الخارجي، أو نتيجة الحروق الواسعة، أو نتيجة التقيؤات والإسهالات وضربة الشمس.

أما في الصدمة القلبية فالسبب يكون نتيجة اختلال في دقات القلب أو تموت العضلة القلبية بسبب الجلطة الدموية.

وفي الصدمة الإنتانية يكون السبب التسمم الدموي الميكروبي الذي يؤدي الى نقص تروية الأنسجة وبالتالي الى فشل الأعضاء الحيوية في أداء مهماتها.

وفي الصدمة التأقية يكون السبب رد فعل مناعي عنيف تجاه مادة معينة قد تكون غذائية أو دوائية أو قرص الحشرات أو غيرها.

وفي الصدمة العصبية يكون السبب الألم الشديد أو الضغط النفسي أو الخوف.

كيف تعالج الصدمة؟

ان اتخاذ التدبير المناسب وفي الوقت المناسب يجب ان يكون الشعار الأول في المعالجة لأن الصدمة حالة طارئة تتطلب تدخلاً سريعاً. وعلى المسعف ان يحلل الموقف بسرعة، فإذا قرر التدخل فيجب عليه ان يباشر فوراً، أما اذا كان مرتبكاً لا يدري كيف يتصرف فالأجدى به ان يعزف عن المعالجة لأن التصرف الخاطئ قد يكون أشد ضرراً على المصاب من عدم تلقي الإسعاف. وفي هذه الحالة عليه ان يبذل قصارى جهده للحصول على مساعدة طبية.

عموماً هناك طوارئ طبية محددة تتطلب تدخلاً فورياً لإنقاذ حياة المريض، ففي حال النزف أو التسمم أو قصور التنفس لا بد من المباشرة العاجلة في العلاج لأن أي تأخر لن يكون في مصلحة الضحية لا بل قد يكون بداية المشوار الى العالم الآخر.

ان تدبير الصدمة يقوم على القواعد الأساسية الآتية:

- التأكد من ان المجرى التنفسي سالك مع ادارة الرأس الى أحد الجانبين ورفعه الى الأعلى. ان ضمان منافذ الهواء من الأنف والفم والحلق ضروري لتمكين المصاب من التنفس. كما يجب وضع المصاب مضطجعاً على ظهره مع رفع قدميه الى مستوى اعلى قليلاً من رأسه من أجل تسهيل سريان الدم نحو الأعضاء الحيوية كالدماغ والقلب والرئتين. ولكن مهلاً، ففي حال أي شك بوجود كسور في الأطراف أو في الحوض أو في فقرات الرقبة والعمود الفقري أو في الرأس، يجب ترك المريض من دون حركة.

- في حال غياب التنفس أو النبض لا بد من القيام بالإنعاش القلبي الرئوي الذي يهدف الى تأمين الأوكسجين للرئتين والدم الى الدماغ من أجل حمايته من التلف ريثما تصل سيارة الإسعاف. والمعروف ان قطع امدادات الدم عن المخ لأكثر من 4 الى 6 دقائق يمكنه ان يسبب تلفاً في خلاياه لا يمكن اصلاحه.

- في حال النزف يجب العمل على ايقافه بالوسيلة المناسبة.

- في حال الكسر يجب عدم تحريك المصاب مع محاولة تثبيته.

- المحافظة على درجة حرارة المصاب وازاحة الملابس الضيقة والمبللة عنه. يجب تجنب اي محاولة لرفع حرارة الجسم لأنها قد تسبب ضرراً لصاحبها.

- عدم اعطاء المريض أي شراب أو طعام لأنه قد يسبب التقيؤ، واذا أراد ان يشرب فيكفي ترطيب الشفتين بقطعة مبللة.

- في حال التقيؤ الدموي أو النزف من الأنف يجب ادارة المصاب الى أحد الجانبين لتفادي انسياب الدم الى الرئتين.

ولا بد من الاشارة الى أنواع اخرى من الصدمة، فهناك الصدمة الكهربائـــية، وهذه تتــم اذا لامس شخص ما أسلاكاً كهربــائية أو أجساماً يمر من خلالها التيار، وتختلف شــدة الصدمة بحــسب نوع التيار وشدته ومدة سريانه في الجسم. ولا يـــغرب عن البال ان الصدمة الكــهربائية بحد ذاتها تستعمل في الوسط الطبي لإعادة تنظيم ضــربات القلب أو لإيـــقاظ القلب الذي توقف عن الخفقات لسبب أو لآخر.

وهناك الصدمة المائية التي تحصل للبعض لمجرد ملامسة جلدهم الماء، وهذه الصدمة تأتي عادة بعد ظرف معين مثل الغطس المفاجئ في مياه باردة، او السباحة بعد تناول وجبة دسمة عارمة، او اثر التعرض لمدة طويلة لأشعة الشمس.

ومن أنواع الصدمة، نذكر الصدمة الحرارية التي تحصل في جو تتجاوز حرارته 40 درجة مئوية. والصدمة الحرارية حالة اسعافية تتطلب تدبيراً عاجلاً وإلا قادت الى الهلاك، نتيجة تسببها في تعطيل افراز العرق من الجسم فلا يستطيع التخلص من الحرارة الفائضة.

ويمكن الصدمة الحرارية ان تنال من كل الناس ولكنها اكثر حصولاً عند الأطفال الصغار، والمتقدمين في السن، وأولئك الذين يشكون أمراضاً قلبية وعائية أو أمراضاً مزمنة في الكبد والكلية والرئة، وعند من يقومون بمجهودات رياضية عنيفة.

وهناك الصدمة العاطفية الشائعة في صفوف الشباب، وهي تحصل عادة بعد علاقة حب فاشلة مع الجنس الآخر. وتختلف ردود الفعل على الصدمة من شاب الى آخر وفقاً لطبيعة الشخص وتجاربه السابقة ومدى ثقته بنفسه. وقد تظهر هذه الصدمة بعوارض نفسية وجسدية تنتهي أحياناً بالاكتئاب الشديد الذي يمكنه ان يقود الى الهلاك.

وقد يستطيع المصاب بالصدمة العاطفية التغلب على آثارها من خلال ممارسات تطاول حياته الدينية أو الاجتماعية أو المهنية أو ربما علاجها بالتي كانت هي الداء فيلجأ الى اقامة علاقة أخرى. غير ان البعض قد يلزمه أن يستشير طبيباً نفسياً لمساعدته في التغلب على محنته العاطفية.


اعداد الدكتور أنور نعمة
الحياة