مكتبة مدبولى كيان يجسد الحلم البسيط الذى تحول لأكبر مؤسسة نشر


مدبولى، اسم يعنى الكثير، اسم له مردود تكتب عنه ولا ينضب نهر الكتابة فيه، فأنت تتحدث عن رجل اقترب من حد الأسطورة فى عالم الثقافة، شق طريقه من الصفر، ليختار مهنة أقرب للانتحار "بائع كتب"، فى وقت كانت القراءة أشبه بالحرث فى الماء، اكتفى بقوت يومه البسيط من بيع الجرائد على رصيف بميدان التحرير، ويتحول لصاحب أكبر دار نشر، وامتزج اسمه بجلسات المثقفين منذ الستينيات، فلا تتعجب أن تجد عنده بهاء طاهر أو نجيب محفوظ قبل مماته أو محمود درويش ونزار أو أدونيس أو نازك الملائكة، وكثيرون من مثقفى مصر والوطن العربى، فأصبحت زيارة مكتبته على قائمة المثقفين من خارج مصر، والمرور على مكتبته جزء أصيل من مثلث وسط البلد الثقافى ما بين أتيليه القاهرة ومقهى ريش والبستان، ليعطى ميدان طلعت حرب مذاقاً خاصاً لا يمكن لك تخيله بدون لافتة مكتبة مدبولى.

عن دور مدبولى فى إثراء حركة النشر فى مصر، كان للمثقفين كلام رصده اليوم السابع..

رائد فى مجاله
لا يسأل حداد عن حداد، عبارة لم تعرف طريقها فى حوارى مع محمد هاشم صاحب دار ميريت للنشر، حين وصف مدبولى بأحد المنابر الثقافية، حين يتردى دور المؤسسات الرسمية فى نشر كتاب، كما كان يحدث فى الستينيات ليتبناها هو وينشر أى كتاب جديد فى وقت انعدمت فيه دور النشر التى كانت تتبنى التجارب الجديدة.

ورصد هاشم كيف كانت ومازالت مكتبة مدبولى "ملاذاً" للمثقفين فى رحلة البحث عن الكتب الممنوعة والمصادرة، والتى تصطدم بالسلطة، رغم أنه لم يكن شخصاً صدامياً، وكانت سمات الشخصية المصرية الطيبة الذكية هى المحرك الأول لعم مدبولى.

نفى هاشم أن ينتهى دور الناشر الفرد العصامى الذى كان يلعبه مدبولى، مؤكداً أن مدبولى أرسى كثيراً من قواعده فى نفوس العديد من أصحاب دور النشر، فباتت القناعة والإيمان بدور الثقافة جزءاً من تفاصيل أغلب دور النشر، وهو ما سوف يسهم فى استكمال دور مدبولى.

أشاد هاشم بدور المستشار الخفى الذى كان يلعبه مدبولى مع كثير من دور النشر، قائلاً "هو شخص لا ينافس أحداً، وبالعكس كان يحدد لكثير منا أسعار بيع الكتب، ويقلل البعض منها فهو يعرف مضمون كل كتاب وميزانية شرائه عند من يبحث عنه".

مؤسسة كاملة
لم يختلف كثيراً حديث مسعود شومان مدير عام إدارة المأثورات الشعبية بالهيئة العامة لقصور الثقافة، حين جعل من تحول اسم مدبولى من فرد لمؤسسة بمثابة إشارة إلى دور مميز له، يدل على ذكائه الفطرى كشخص أمى امتلك القدرة على شق طريقه بنجاح، وجعل من مثقفين مستشارين له، فى وقت كانت فيه معظم دور النشر تأخذ أسماء دالة "شروق، الكاتب، فكرة، نهضة مصر .....إلخ".

ويعود مسعود شومان لاعتناق مدبولى قناعة فكرة النشر الفردى الخاص، فهو واحد ممن يحملون على كاهلهم عبء النشر الخاص، فهو يعرف ماذا تعنى الكتابة والقراءة ولم يعرف اليأس رغم تأثره بأزمات الورق وارتفاع أسعاره، لكنه كان يعرف من أين يبدأ وإلى أين ينتهى.

ويرجع شومان أهمية موقع المكتبة فى وسط البلد داخل مثلث المثقفين، الذين كانوا بمثابة إعلانات متحركة عن مدبولى ومكتبته، له دور مستمر وفاعل وشديد الخطورة فهو ليس ناشراً فقط وإنما "بياع أيضاً" يعرف قانون التسويق ويطبقه بفطرة وذكاء شخصى.

بهاء طاهر الذى تفاعل مع مدبولى منذ الستينيات وعرف شخصه وطيبته ووصف وفاته بأنها شىء محزن للأدب والثقافة العربية، شب معهم منذ الستينيات، وتذكر طاهر كيف كان يدخر نقوده لشراء مجلة الآداب البيروتية بـ 12 قرشاً، ويعرف أنه لن يجدها سوى عند مدبولى، وكذلك الكتب التى كانت قليلة وممنوعة فى فترة الستينيات لسارتر والوجودية، وكتب سيمون دى بيفوار وكوين ويلسن.

نكبة للنشر فى مصر
بلهجة المنكوب تحدث يوسف القعيد عن مدبولى ووفاته الذى اعتبرها خسارة فادحة، لم تخلو نبرات صوته من الحزن الحقيقى الغير مزيف على مدبولى، الذى رآه دوماً يختار الصعب فى وقت الكل يبحث فيه عن الثراء والمكسب، يعرف ماذا يعنى الكتاب؟ وماذا يريد الناس من الكتاب؟

القعيد كان يرى مدبولى حلماً حقيقياً يتجسد أمامه فى تبنيه لقضية الثقافة وتوفير كل موادها التى تسهم فى إثراء كتابات وإبداعات جيل بأكمله، يعرف كيف كان مدبولى حلقة بين المبدع والمتلقى بتوفير تجارب المبدعين الجدد، دون مشقة التعامل مع دور نشر تتعامل مع الإبداع كسلعة تخضع للمكسب والخسارة.

عاد يوسف القعيد بذكرياته مع مدبولى، ليؤكد أنه لولا مدبولى، لما كان كثير من المثقفين قرأوا أو عرفوا شيئاً عن "خريف الغضب" الذى كان يعرض فى حلقات مصورة فى حينها، و"إبليس فى خطر"، و"بيع هضبة الأهرام"، و"وليمة لأعشاب البحر"، و"صنع الكلام السياسى فى مصر"، وكثير من الكتب النادرة للسياسة فى بداية عصر مبارك وأواخر عصر السادات.

وصمت القعيد، وهو ينعى من قلبه فقدان مصر عم مدبولى، حزين على ما آلت إليه جنازته التى اقتصرت على أقاربه ومحبيه وبعض المثقفين الذين ربطتهم علاقات وطيدة بعم مدبولى.

صعيدى اخترق الحياة الثقافية
مدبولى من مواليد إحدى قرى الجيزة عام 1938، وتعود أسرته فى أصولها إلى محافظة سوهاج فى صعيد مصر، بدأ حياته فى بيع الصحف وعمره 6 سنوات فى منطقة الدقى وداير الناحية غرب القاهرة، وبعد أن كبر فتح وشقيقه أحمد كشكاً لبيع الصحف بالقرب من جامعة القاهرة, وانتقل بعدها إلى ميدان طلعت حرب الذى كان المثقفون المصريون يقصدون المقاهى المنتشرة حوله, وخصوصاً منها مقهى ريش الذى أتاح له ذلك معرفة المثقفين عن قرب, واستطاع أن يجمع عدداً منهم حوله, وقام فى الستينات بشراء متجر حوله إلى مكتبة ودار للتوزيع.

سرعان ما لفت انتباهه اهتمام المثقفين والقراء بشكل عام بالكتب الماركسية والوجودية ومسرح العبث, فقام بنشر ترجمات لهذه الكتب, وكان أول كتاب نشره "دراسات مترجمة عن مسرح العبث" ترجمة عبد المنعم حفنى الذى لازمه مدبولى طوال رحلته فى الحياة واشتركا فى نشر ما يقارب 80 كتاباً مترجماً.

توزيع الكتب الممنوعة من قبل النظام الناصرى
ورافق ذلك قيامه بنشر الأعمال الأولى لأدباء الستينات فى مصر, ومن بينهم جمال الغيطانى ويوسف القعيد, وبدأ فى توزيع الكتب الصادرة عن دار الآداب اللبنانية التى كانت تمثل فى حينها أهم دار عربية للنشر. كما قام بتوزيع أعمال نزار قبانى وغادة السمان وغيرهما من كتاب دار الآداب، ومع هزيمة 1967 بدأ بتوزيع الكتب الممنوعة من قبل النظام الناصرى ومن قبل النظام السعودى, وكان أبرز هذه الكتب قصيدة نزار قبانى الشهيرة "هوامش على دفتر النكسة" التى صدر قرار بمنعها, إلا أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر اتخذ قراراً يتيح لمدبولى توزيعها.

وفى السبعينات من القرن الماضى أصبحت دار النشر والتوزيع مركزاً لمعارضة الرئيس أنور السادات، فوزع مدبولى ونشر أشعار أحمد فؤاد نجم وكل الكتب التى كتبها المثقفون المصريون الذين هجروا مصر, فتولى توزيع مؤلفاتهم، حتى أن الصحفى الأشهر فى العالم العربى محمد حسنين هيكل اضطر إلى الاستعانة بمدبولى للحصول على الكتب من الخارج بعد أن استبعده الرئيس السابق محمد أنور السادات عن صحيفة الأهرام وعن جميع المناصب التى كان يشغلها، وكان مدبولى يعتبر نفسه ناصرياً بل جندياً من جنود عبد الناصر, إلا أن هذا لم يمنعه من توزيع كتب معارضة لعبد الناصر, لأنه اعتبر توزيع الكتاب حقاً للقارئ, وكان يقول, إنه لو قام كناشر بنشر هذه الكتب لكانت تعبر عن رأيه, إنما أن يقوم بتوزيعها فهو يحافظ على حق القارئ.

خزائنه السرية التى تتضمن الكتب الممنوعة فى مصر
وكان الراحل يتمتع بقدرات كبيرة فى العلاقات الاجتماعية, فكان يحدد شخصيات زبائنه ويعرف إذا ما كان عليه أن يفتح لهم خزائنه السرية التى تتضمن الكتب الممنوعة فى مصر، وقد أقيمت ضده 24 قضية أمن دولة بسبب توزيعه مثل هذه الكتب الممنوعة, واتهم بالترويج لكتب معارضة لنظام الحكم, وكان صدر بحقه حكم قضائى بالسجن لمدة عام فى عام 1991, لأنه اتهم بتوزيع كتاب "مسافة فى عقل رجل" لعلاء حامد باعتبارها مسيئة للذات الإلهية، إلا أن تدخل المثقفين لدى الرئيس مبارك أدى إلى وقف تنفيذ الحكم.

مطلوباً من قبل الجماعات الإسلامية
وكان كذلك مطلوباً من قبل الجماعات الإسلامية التى اعتبرته موزعاً لكتب العلمانيين, خصوصاً كتب المفكر المصرى نصر حامد أبو زيد وكتب نوال السعداوى وعبد الله القصيمى وغيرهم من المثقفين المصريين، لكنه فى آخر أيامه انتقل إلى موقع الرقيب عندما أعدم أحدث طبعتين من كتاب "سقوط الإمام" ومسرحية "محاكمة الله أمام مؤتمر القمة" لنوال السعداوى, لأنه وجد أنهما يسيئان للذات الإلهية.