أبو جعفر المنصور والأصمعي و الشعراء

كان أبو جعفر المنصور أميرا للمؤمنين وقد اشترط شرطا على الشعراء وهو أنه يكافئهم على الشعر إذا كان من معقولهم وليس من منقولهم وكان أبو جعفر يحفظ القصيدة من أول مرة يسمعها وله

غلام يحفظها عند سماعها مرتين و له جارية تحفظها عند سماعها ثلاث مرات فكان إذا دخل عليه الشاعر يقول السلام عليك يا أمير المؤمنين فيقول و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته فيقول

الشاعر المسكين : قد نظمت قصيدة من معقولي فيقول له قل : فيقول قصيدته وبعد الإنتهاء منها يقول له أبو جعفر هذه ليس من معقولك والدليل على ذلك أنني أحفظها فيقولها الأمير وذلك حتى

يحفظها الغلام فيقول الأمير حتى غلامي هذا يحفظها ثم يقول يا غلام فيأتي الغلام فيقول الأمير أليس تحفظ القصيدة التي مطلعها كذا وكذا فيقول نعم يا سيدي فيقولها كلها ثم يقول حتى الجارية

التي عندي تحفظ هذه القصيدة فينادي عليها فتأتي من الداخل و كأنها لم تكن موجودة مع أنها كان من وراء الجدار تسمع القصيدة فيقول الأمير ألست تحفظين القصيدة التي مطلعها كذا وكذا فتقول

نعم يا سيدي فتقولها كلها فيخرج الشاعر وقد طار عقله وحار قلبه وهكذا يفعل أبو جعفر مع كل شاعر جاء إليه فجاء الأصمعي وقال ما لكم أيها الشعراء فحكوا له القصة فقال الأصمعي إن في الأمر

لمكراً ثم ذهب وأتى متنكراً ثم طلب أن يدخل على الأمير أبو جعفر المنصور وأدعى أنه أعرابي من بلاد الموصل ودخل على الأمير فقال أتعرف الشروط ؟ قال نعم إن كان من معقولي أجزتني وإن كان

من منقولي ليس لي شيئ ، فقال الأصمعي الآن هات ما عندك :- فقال الأصمعي قصيدته المعروفة : -


صوت صفير البلبل هيج قلبي الثمل

الماء والزهر معاً مع زهر لحظ المقل

وأنت يا سيدلي وسيدي وموللي

فكم فكم تيمني غزيل عقيقلي

قطفته من وجنة من لثم ورد الخجل

فقل لا لا لالا وقد غدا مهرولا

و العود مالت طربا من فعل هذا الرجل

فولولت وولولت ولي ولي يا ويللي

فقلت لا تولولي وبيني اللؤلؤ لي

قالت له حين كذا انهض وجد في النقل

و فتية سقونني قهوة كالعسيللي

شممتها بالأنف أزكى من القرنفل

في وسط بستان حلي بالزهر والسرور لي

و العود دندن لي والطبل طبطب طب لي

طب طبطب طبطب طب طبطب طب لي

والرقص قد طاب لي والسقف سق سق لي

شوى شوى وشاهشو على ورق سفرجلي

وغرد القمر يصيح ملل في ملل

و لو تراني راكبا على حمار أهزل

يمشي على ثلاثة كمشية العرنجل

و الناس ترجم جملي في السوق بالقليقلي

والكل كعكع كعيكع من خلفي ومن حويللي

لكن مشيت هاربا من خشية العقنقلي

إلى لقاء ملك معظم مبجل

يأمر لي بخلعة حمراء كالدم دملي

أجر فيها ماشياً مبغدداً للذيل

أنا الأديب الألمعي من حي أرض الموصل

نظمت قطعاً زخرفت يعجز عنها الأدب لي

أقول في مطلعها صوت صفير البلبل

وبعد السماع ما استطاع الأمير أن يحفظ منها شيئا فقال لعل الغلام يكون قد حفظها فنادى عليه ياغلام أتحفظ هذه القصيدة ؟ قال لا يا سيدي ما سمعت بها قبل ذلك فقال للجارية هل تحفظين هذه

القصيدة فقالت لا لم أسمعها قبل ذلك فنظر إلى الأعرابي وقال يا أعرابي هات ما كتبت عليه قصيدتك حتى نعطيك وزنه ذهباًفقال يا أمير المؤمنين

قد ورثت عمود رخام من أبي كتبت عليه قصيدتي

وهو على ظهر ناقتي لا يحمله من الجنود إلا أربعِ

فانهار الخليفة والناس ينظرون إليه ثم جاءوا بالعمود ووضعوه في الميزان فأخذ جميع ما في الخزنة ثم حملوه له على خرج الناقة و انصرف فقال وزيره أوقفه يا أمير المؤمنين فو الله ما أظنه إلا الأصمعي

يا أعرابي أمط اللثام عن وجهك فأماطه فإذا هو الأصمعي فقال له الأمير أتفعل هذا مع أمير المؤمنين فقال نعم لأنك بذكائك ودهائك قد قطعت أرزاق الناس فقال الأمير أعد المال إلى الخزنة فقال ولكن

بشرط قال ما هو ؟ قال : أن تعطي الناس على معقولهم ومنقولهم فقال الأمير لك ذلك و بذلك انقشع ظلام الفقر بهذه الخطة الماكرة الذكية عن الشعراء الفقراء .





لو انا من الاصمعي مكنتش رجعت الدهب



تحياتي
ابو اسكندر