يقول رب العالمين في كتابه الكريم {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}... [التوبة الآية 40].

توضح هذه الآية عتاب الله لمن استنفروا لغزوة العسرة ولم ينفروا وأنهم إن لم ينصروا رسول الله بالنفر معه فالله متكفل بنصره إذ قد نصره في مواطن القلة، وأظهره على عدوه بالغلبة والعزة، وقد نصره بصاحبه في الغار بتأنيسه له وبوفائه، ووقايته له بنفسه ومواساته له بما له، وقد الجأ إلى الخروج مكرها حتى لجا إلى الغار.


وهذا هو يوم الهجرة حينما تآمرت قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يجمعوا من كل قبيلة فتى جلدا قويا ويحاصرون بيته ويضربوه ضربة رجل واحد فيتوزع دمه على القبائل فلا يقدر بنو هاشم على حرب كل العرب فلم يبقى أمامهم سوى أن يطلبوا ديته فتدفع ديته إلى أهله ويستريحون منه، هكذا دبروا ومكروا فهل ترك الله نبيه أم لأنه رعاه وتولاه بالحماية والحراسة والحفاظ عليه والنصرة له، وتتجلى رعاية الله وحمايته وحفظه لرسوله فيما يلي:



1- في اطلاع الله لرسوله على كيد الأعداء ومكرهم وبيان مؤامرتهم وما عزموا عليه ولم يكن رسول الله ينهم ولم تكن له عين فيهم وإنما الذي أطلعه هو الله رب العالمين {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}.

2- وفي الحصار الذي ضرب حول بيته (صلى الله عليه وسلم) وخروجه من بينهم دون أن يعلم به أحد منهم وهو يقرأ قوله تعالى {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} مما يدل على رعاية الله لرسوله وحفظه له كما أخبره في قوله {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}.

وإذا العناية لاحظتك عيونها *** نم فالمخاوف كلهن أمان
3- وفي تتبع أثر النبي (صلى الله عليه وسلم) من بيت أبي بكر إلى الغار حتى بلغوا باب الغار ورأوا على بابه نسج العنكبوت حتى قالوا: لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه، وأنصت الرسول وصاحبه إلى وقع أقدام المطاردين ونعالهم تخفق إلى جوارهم، حتى أخذ الروع أبا بكر وهمس يحدث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قائلا: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) يا أبا بكر: ما ظنك باثنين الله ثالثهما {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} إن في ذلك ما يؤكد أن عين الله تحرس رسوله وأنه محفوف بالعناية العليا وأنه في حياطة وحراسة قيوم السماوات والأرض.

4- ولما رصدت قريش الجائزة لمن يأتي بمحمد حيا أو ميتا طمع في نيلها سراقة بن مالك ورغب أن تكون الجائزة له خاصة فقام ودخل خباءه وقال لخادمه أخرج الفرس من خلف الخباء، يقول سراقة: فأخذت رمحي وخرجت من ظهر البيت وأنا أخط بزجة الأرض، حتى أتيت فرسي فركبتها ففرت بي حتى دنوت منهم، فتعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت، وامتطى سراقة فرسه مرة أخرى وزجرها فانطلقت به حتى اقترب من الرسول عليه الصلاة والسلام وصاحبه وكان أبو بكر يكثر الالتفات ليتبين هذا العدو الجسور.
فلما دنا عرفه فقال لرسول الله هذا سراقة بن مالك قد أرهقنا، وما أتم كلامه حتى هوت الفرس مرة أخرى ملقية سراقة من على ظهرها، فقام سراقة معفرا ينادي بالأمان، ووقع في نفس سراقة أن الرسول حق فاعتذر إليه وسأله أن يدعوا الله له، وعرض عليهما الزاد والمتاع فقالا: لا حاجة لنا ولكن عم عنا الطلب، فقال: قد كفيتم.

ثم رجع فوجد الناس جادين في الطلب والبحث عن محمد وصاحبه، فجعل لا يلقى أحدا إلا رده ويقول: قد كفيتم هذا الوجه، لقد أصبح أول النهار جاهدا عليهما، وأمسى آخره حارسا عليهما، إنها عناية الله وحمايته ونصرته لمن احتمى به.


وقريب من هذا الموقف موقف موسى عليه السلام حينما خرج بمن آمن من قومه والسحرة بأمر من ربه، قال سبحانه: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ}.


وأرسل فرعون في المدائن حاشرين وجمع فرعون جنوده وكيده وظل يجد في السير، حتى أوشك أن يدرك موسى عليه السلام ومن معه، وهنا حينما ترى الجمعان موسى ومن معه وفرعون وجنوده قال أصحاب موسى إنا لمدركون، لكن موسى لم يفقد ثقته بربه وظل اعتصامه بحبل الله قويا لا يهن ولا يفتر فأجابهم بقوله: {كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} فماذا كانت النتيجة.


كانت أن أوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم. وخرج موسى ومن معه واجتازوا البحر ونجاهم الله، وجاء فرعون ومن معه فاقتحموا البحر وهنا أطبق الموج عليهم وأغرق الله فرعون ومن معه أجمعين، وتراجع فرعون إلى حجمه وهتف قائلا (أمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين).


إنها إذا حماية الله لأتباعه وحراسة الله لجنده ورعايته لمن احتمى بحماه وحفظه لمن استمسك بهداه، وصدق الله {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}..