اسمح لي بأن اكتب إليك من الغربة وأدعوك بأخي لأنني قد تذكرتك في محنتي، وشعرت بأنك قريب مني بالرغم من أنني لا اعرفك ولم ألتق بك، فأنا إنسان واريت اليوم الثري ابني البالغ من العمر أربع سنوات ونصف السنة، وذلك بعد رحلة مريرة من العلاج، وجراحات المخ لدي كبار الاطباء في مصر، رحلة كنت أدخر فيها كل مرتبي بالغربة وأوجهه لعلاج هذا الطفل، واستعذب فيها العذاب الذي ألقاه في سبيل ذلك وأشفق علي ابني الصغير من الألم، لكن إرادة الله شاءت ان تنتهي الرحلة المريرة برحيله مخلفا وراءه فراغا سحيقا في نفسي، لقد مضي شهر رمضان وأسرتي مشتتة، وأنا وحيد في البلد العربي الذي أعمل به وزوجتي وطفلي في مصر للعلاج والجراحة، ثم جاء عيد الفطر ورجعت أسرتي، وسعدت بها ثم ماتت الفرحة حين اكتشفنا انسداد الصمام الذي يصرف سوائل المخ، فكنت أري فرحة العيد في عيون الآخرين، وأري نظرة الانكسار في عيني وعين زوجتي، وأشعر بالحسرة علي الطفل الذي يتعذب أمامي ولا استطيع ان أعمل له شيئا، وحين ساءت حالته حملته وهو بين الحياة والموت وأدخلته المستشفي لإجراء جراحة رابعة في المخ، وأجريت له ولم يفق منها وتوقف القلب الصغير عن العمل ثلاث مرات خلال الجراحة ثم صعدت روحه الطاهرة الي بارئها.

آه ما أصعب أن يموت الابن أمام أنظار أبيه يا أخي.


فلقد عرفت ذلك اليوم فقط ما هو الموت، فلأن يواري الإنسان أباه الثري أو أمه، أو أن يحمله أبناؤه الي مستقره الأخير كل ذلك من سنة الحياة، أما أن يحمل هو ابنه بيديه ليواريه الثري فإنه أمر مؤلم مؤلم مؤلم إلي أقصي حد.

كما ان موت الغربة قاس الي أبعد درجة - حين تحمل ابنك وأنت لا تقوي علي الوقوف فلا يتقدم أحد لحمله عنك، وحين يكون أداء الواجب ثقيلا أو حين تطلب من البعض أن يظلوا الي جوارك وكل منهم مشغول بحياته وهمومه، ولا عجب في ذلك لانك أنت صاحب المصاب وصاحب الواجب ولا عزاء للغرباء.

اليوم دفنت ثمرة فؤادي وفلذة كبدي واحتسبته عند ربه، وأرجو أن يغفر الله لي ان كنت قد قصرت في واجبي تجاهه، واني لأطمع أن ألحق به فلقد كان بالرغم من اعاقته نعم الصاحب لي، وكانت عيناه تنطقان بما لا يستطيع ان ينطق به لسانه وكنت أربت علي كتفيه وظهره، إذا اشتد به المغص فيربت هو بأصابعه الصغيرة علي كتفي، تعلق قلبه بي وتعلق قلبي به.

إن زوجتي منهارة وابنتي البالغة من العمر عشر سنوات تعاني مرارة الفراق، وفي أذني يرن دائما صوت الشاعر الذي قاله ذات يوم:

إياك أن تعيش يوما بعد ولدك!


فقل لي ولكل أب وأم وطفلة يمزق الحزن قلوبهم ما هو العزاء، حيث لا عزاء في الغربة وهل أعود لمصر مكتفيا منها بهذا القدر؟

ولكاتب هذه الرسالة أقول: عزاؤك انك لم تقصر في بذل كل ما تملك من جهد ومال وطاقة لعلاج ابنك، ولم تدع سبيلا لانقاذ حياته وتخفيف آلامه دون ان تتخذه، وانك قد قلت له بالفعل والقول ما قاله ابن الرومي في رثاء ابنه:


أقرة عيني لو فدي الحي ميتا

فديتك بالحوباء أول من يفدي


فكنت له بذلك نعم الاب كما كان لك بالرغم من اعاقته نعم الصاحب واحببته بجماع قلبك ونعمت بصحبته القصيرة وملأت عينيك من وجهه الجميل سنين عددا، واحتفظت له في قلبك وفي صدرك بأجمل الأحاسيس ونعم هو بعطفك عليك ورفقك به وعطائك العاطفي والأبوي الغامر له حتي رحل عن الحياة مرتويا بهذا الحب العظيم، ولسوف ينعم عند ربه بنعيم الولدان المخلدين في الدار الباقية، فإذا كان قد غاب عنك بجسمه الصغير فإنه ما زال يملأ روحك وقلبك بالحب وعطر الذكري، ومن كان لك في الدنيا سرورا قد أصبح لك في الآخرة أجرا، كما قال أحد الأعراب معزيا خامس الخلفاء الراشدين في دينه عبدالملك، وهو أجر لو تعلمون عظيم إذ يتشارك فيه المبتلون بفقد الولد مع سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه الذي قد ثكل كل بنيه ما عدا فاطمة خلال حياته، كما انه يصدق عليهم أعانهم الله جميعا علي أقدارهم الوعد الحق ببيت الحمد الذي تبنيه الملائكة في دار النعيم لمن لا يخرجه الحزن منهم عن جادة الصبر والايمان.

إن أحزان الحياة كثيرة، وكلها تحتاج لان يستعين عليها المرء بالايمان بربه والتسليم بقضائه وقدره والأمل الدائم في رحمته، والشجاعة الضرورية لاحتمالها ومواصلة الرسالة.

وفي موقف مماثل قال الشاعر العربي أبو العتاهية:

أقول لريب الدهر إن ذهبت يد

فقد بقيت والحمد لله لي يد

فتذكر دائما هذا المعني وأنت تكابد أحزانك وآلامك، لأن هناك يدا باقية تحتاج اليك لاستكمال رسالتك معها هي طفلتك، وهي أيضا زوجتك التي تحتاج اليك لتشد أزرها في هذه المحنة القاسية، وتدفع عنها غائلتها، كما انك تحتاج انت نفسك الي التعزي عن آلامك، بالاهتمام بأمرك وعملك وأسرتك وحياتك، أما العودة من الغربة، فلا مبرر لها في الوقت الحالي لأنك تحتاج الآن الي تعويض بعض ما استنزفه العلاج والجراحات العديدة من مدخراتك، وحين تستطيع فاصبر يا صديقي واحتسب، وترقب جوائز السماء للصابرين وجرحي الحياة والسلام.