الاعلام الإسرائيلي قاد حملة تحريض واسعة لاجبار حكومة بلاده على الاعتداء على غزة

الاعلام الإسرائيلي قاد حملة تحريض واسعة لاجبار حكومة بلاده على الاعتداء على غزة



* تل أبيب جيشت لحملتها العسكرية طاقما إعلاميا كبيرا دربته منذ 4 أشهر

الاعلام الإسرائيلي قاد حملة تحريض واسعة لاجبار حكومة

- كتب: محمد سلامة

بموازاة الحرب العسكرية وسريان آلة التدمير الإسرائيلية على غزة، هناك حرب إعلامية شرسة وخاصة لبث الخوف والرعب بين أهالي غزة ومحاولة التشكيك بقدرات المقاومة اضافة الى الحصول على تأييد الرأي العام العالمي الذي لا يحقق الكثير من المكاسب على الأرض ولكنه على الأقل يحسم الجدل التاريخي الأخلاقي حول مجريات الحرب. لا نريد أن نتحدث عن الرأي العام العربي فهو يدعم المقاومة في غزة إلى درجة عدم قبول أو حتى تقبل أي رأي مخالف واتهام أصحابه بالخيانة والعمالة ، فصوت الشارع العربي حسم الموقف وأصبحت أهداف وسائل الإعلام التماشي مع صوت الشارع أكثر من التحليل الموضوعي.

أما في مجال الرأي العام العالمي فكانت ساحة الصراع مشتعلة. في اليومين الأولين للعدوان كان الإعلام المؤيد لإسرائيل الأشد تأثيرا بحكم سيطرته على الإعلام الأميركي ، و من الواضح أن نقد إسرائيل في الصحف الأميركية شبه مستحيل رغم وجود هذا النقد في الصحف الإسرائيلية نفسها. ولا نعرف مدى أهمية الانتصار في حرب إعلامية دولية في ظل هذا الانحياز الأميركي لإسرائيل واللامبالاة الدولية والدمار الكبير في غزة ، ولكن تبقى الحقيقة الأساسية أنه مهما نفذ محور الشر الأميركي - الإسرائيلي من ضغوطات عسكرية وسياسية ، فإن هذا لن يغير أبدا في الحقيقة التاريخية للصراع العربي الإسرائيلي وترسيخ صورة إسرائيل كدولة احتلال عنصرية تدميرية وليست ضحية.

كما ان الإنقسام واضح في الرأي العام العالمي ، حيث يبقى المواطن الأميركي أسيرا لوسائل إعلام فقدت كل معنى للموضوعية والكرامة واحترام الحقيقة وأصبحت بوقا لتأييد إسرائيل ، بينما يتمتع المواطن الأوروبي بميزة قراءة وجهتي النظر السياسية ، كما تتميز الصحف الأوروبية بالالتزام التام بالمبادئ الأخلاقية الديمقراطية في رفض استهداف المدنيين وإظهار حقائق الوحشية الإسرائيلية بالرغم من ضغوطات اللوبي الإسرائيلي. ومواقع الإنترنت الإعلامية للمؤسسات المناهضة للحرب والعدوان حققت تأثيرا جيدا في نقل الحقيقة ، وكانت صور الأطفال الفلسطينيين الذين يقتلون ويصابون بفعل الغارات الجوية الاسرائيلية قد اقتحمت كل مواقع الإنترنت. تجييش اعلامي

اسرائيل جندت لحملتها العسكرية على قطاع غزة طاقما إعلاميا كبيرا استغرق تدريبه أشهرا ليكون جاهزا للمعركة الإعلامية بحسب خبراء ووسائل إعلام. فقد قال البروفسور دوف شنعار المحاضر في جامعة بن غوريون في بئر السبع لوكالة فرانس برس إن "إسرائيل تعلمت من تجاربها السابقة استخدام العلاقات العامة ، ووسائل الاتصالات للتوجه إلى الدبلوماسيين لتعريف العالم عن أسباب الحملة العسكرية وتفاصيلها". وبدأت إسرائيل حملتها الإعلامية قبل عدة أسابيع بتأكيدها للسياسيين أن صبرها بدأ ينفد من هجمات حركة حماس على المدنيين والعزل ، واستخدمت أفضل المتحدثين باسمها للمعركة في وسائل الإعلام على رأسهم رئيس الدولة شيمون بيريز ، ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني

وأنشأت إسرائيل منذ 8 أشهر هيئة للإعلام القومي لتوضح خلفية الحملة العسكرية بالتعاون الوثيق مع سكرتير الحكومة عوفيد يحزكال ومع قوى الأمن المختلفة ، بحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت". وقال رئيس هيئة الإعلام القومي ياردن فاتيكا للصحيفة: "حضرنا سلفا المواد الإعلامية التوضيحية والمقابلات والرسائل ، وبات الموضوع الإعلامي يتوحد مع عملية اتخاذ القرارات" ، وأضاف: "نحن لا نحل محل الناطقين باسم الخارجية أو الجيش أو المؤسسات الأخرى ، بل نساعدهم وننسق بينهم ليتحدثوا بخط واحد".

حملة تضليل وتحريض

التضليل

المتابع للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ، وحتى قبل أيام قليلة لبدئه الفعلي على الأرض ، يندهش من تلك المهارة التي تميز بها إعلام الاحتلال في تضليل ما يخفيه المستوى العسكري والأمني والسياسي الإسرائيلي للقطاع ، وهي نفس الملامح التي نستنتجها في كل حرب يخوضها الاحتلال. فالحرب الإعلامية كانت وما زالت هي وسيلة من أهم الوسائل المصاحبة لأزيز الرصاص وهدير القذائف.. فأهمية الإعلام في تهيئة أجواء الحرب والتفنن في إدارتها باتت أكثر سمات الفضاء المفتوح.

ومن غير المبالغة في القول ، فإن قدرة الإعلاميين الإسرائيليين على قلب الحقائق وتسويق الأوهام على أنها مسلمات بطريقة فائقة تجعل الشخص غير الملم بحقيقة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية ينحاز إلى الرؤية ووجهة النظر الإسرائيلية ، وبالتالي يقع في الشرك الذي رسمه القائم بالاتصال.

والسؤال دائما يتكرر ، وفي كل حادثة مشابهة للعدوان الإسرائيلي ، كيف يمكن أن نقرأ ما ينشره إعلام العدو؟ وما الذي يجعله إعلاما فاعلا حقا؟ لاسيما أننا بتنا نعيش في فضاء العالم المفتوح ". التحريض

الاعلام الاسرائيلي قاد حملة تحريض واسعة على حكومة اسرائيل لاجبارها على اتخاذ القرار بتنفيذ عملية عسكرية ضد قطاع غزة.فالاعلام الاسرائيلي استشرس قبل العملية باسبوع من خلال ما كتبه عن عجز حكومة أولمرت و مطالبة وزير الحرب ايهود باراك بأحد خيارين اما الهجوم على غزة او الاستقالة.

وفي جولة سريعة على ما كتبته الصحف الاسرائيلية قبل اسبوع من بدء الهجوم يظهر مدى الدور الذي قامت به الصحافة الاسرائيلية و لا تزال .و من العناوين الملفتة "وزراء ضد باراك ردا على غزة" هذا عنوان عريض نشرته معاريف الاسرائيلية على صدر صفحتها الاولى . و عنوان آخر "خائفون من حماس" هذا العنوان فيه استفزاز للمؤسسة العسكرية الاسرائيلية من خلال اتهامها بالخوف من حماس وعدم الاقدام على شن هجوم ضدها. مقابل هذا الخبر ينشر عنوان اخر على صحيفة هارتس "في غزة مستعدون للحرب" وهو ما يصور للجمهور الاسرائيلي ان غزة دولة قوية تستعد للحرب بامتلاكها اسلحة قادرة على مواجهة آلة الحرب الاسرائيلية.

فالاعلام الاسرائيلي يمارس ارهابا على القارىء عندما ينشر عناوين تؤكد ان الاسرائيلي معرض في اي لحظة للقتل ومن امثلة ذلك العنوان الذي نشر في صحيفة الاسبوع يقول" واحد من كل ثمانية اسرائيليين تحت مدى الصواريخ".الى جانب صور لخرائط تبين مدى الصواريخ المنطلقة من حماس باتجاه المستوطنات التي تتهددها الصواريخ ، كما تفننت الصحف الاسرائيلية في عرض صور لاطفال اسرائيليين خائفين في اشارة الى ان المؤسسة العسكرية الاسرائيلية لا توفر الامن والحماية لهم.و برزت صور اخرى كبيرة ومخيفة على الصفحات الاولى لصحف اسرائيلية لمقنعين من كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس.

صحيفة هارتس ايضا في الاسبوع الذي سبق العملية على غزة كتبت" سياسيون يطلبون من باراك الهجوم على غزة او ان يستقيل". بل ان حجم الاستفزاز الذي مارسته صحافة اسرائيل وصل الى حد القول" حماس تستغل الشلل السياسي في اسرائيل"و عنوان اخر يقول "حماس شمت رائحة الضعف الاسرئيلي وقويت علينا".

و يستمر المسلسل التحريضي من الصحافة الاسرائيلية حيث بدأ واشتد هذا التحريض الممنهج يوم التاسع عشر من كانون الاول الى لحظة بداية العملية فها هي هآرتس تواصل نشر العناوين ومنها"اكثر من سبعين صاروخا اطلقت على الجنوب ".و تقول "على خط النار" هذه العبارة جائت بجانب صور لاطفال اسرائيليين يبكون من الصواريخ.و عنوان اخر اختارته صحيفة يديعوت احرونوت"لا تهدئة دون الافراج عن شاليط".و تكتب الصحافة الاسرائيلية "مستوطنات اسرائيليات يجمعن حديد الصورايخ ويشعلن الشموع عليها في عيد النور".اما على صعيد الكاريكاتير فاكثرها تعبيرا عن الاستهزاء بجيش اسرائيل ما نشر على شكل صورة لمقاومين من حماس يطلقون صورايخ على اسرائيل ويقول احد المطلقين للصورايخ لزميله الاخر"الا تعتبر انها مهينة بان لا يرد علينا الجيش الاسرائيلي؟".

اما شاشات التلفزة الاسرائيلية فلم تكن اقل تحريضا فقد ركزت في تلك الفترة على النقاشات التي بحثت مسالة الهجوم على غزة وحاولت القناة الثانية تكرار بث تصريحات لتسيفي ليفني و هي تقول" ان حكومة برئاستي ستسقط حماس". و تصريحات اخرى لشاس" يجب الرد بعنف على غزة".

و برز في تغطية التلفزيون الاسرائيلي لهذا الموضوع محاولة وزير الحرب الاسرائيلي ايهود باراك مقاومة الضغط عليه لتنفيذ عملية ضد غزة حتى لا يوقع الجيش في مأزق لبنان جديد فقد علق باراك سابقا بالقول" جزء من الاصوات التي تطالبنا بالقيام بعملية ضد غزة لا تعلم انها تضر بالجيش".و حاول التلفزيون الاسرائيلي اظهار اختلاف وجهات النظر فهناك شاؤول موفاز الذي قال انه يجب اخذ كل شيء بجدية و محاولات باراك تهدئة الوزراء المتشددين بالقول معترفا" ان ضرب غزة لا يمكن ان يسكت حماس".

كراس اعلامي و كشفت "يديعوت أحرونوت" أن "الخارجية الإسرائيلية وزعت كراسا على المتحدثين الإسرائيليين ، وطالبتهم الالتزام بالجمل التي وزعت عليهم والتي نسمعها يوميا تتلخص في مسؤولية حماس عما يجري في غزة". كما يؤكد الكراس أن "سكان غزة ليسوا أعداء إسرائيل ، وأن القصف يستهدف الإرهابيين" ، مشيرا إلى أن إسرائيل خرجت من غزة قبل ثلاث سنوات لكن "الصواريخ لاحقتها" وإسرائيل "أدخلت 264 طن غذاء لغزة".

وقال البروفسور دوف شنعار: "لا أرى آلة إعلامية إسرائيلية بل ظاهرة تستخدمها إسرائيل لتشرح واقع السكان الذين يتعرضون لقصف الصواريخ". وأضاف "في الحروب دائما هناك حرب إعلامية نفسية مثلما تفعل حماس على محطات التلفزيون التي تتحدث فقط عن الضحايا والحصار". وأكد شنعار أن "الإسرائيليين ضغطوا على الحكومة كثيرا لضرب حماس وغزة لأنه لم يعد باستطاعتهم تحمل الصواريخ ، وسئموا سماع عبارات إبادتهم ، والقضاء على دولتهم ، ولا يعرفون شيئا عن معاناة غزة". وأضاف أن "الإسرائيليين لا يثقون بالإعلام العربي مثلما لا يستطيعون في قطاع غزة فهم معاناة الإسرائيليين جنوب إسرائيل".

أما حمودة أبو ندى المسؤول الإعلامي في المشروع الإسرائيلي المنظمة غير الحكومية لمراقبة الإعلام في النزاع العربي الإسرائيلي ، فقال: إن "إسرائيل لا تحاول إخفاء عوراتها إنما تقوم بعمل توضيحي وتفسيري للعالم ، والإعلام جزء من الحرب النفسية". وأضاف: "كل المجالات مثل المنشورات والتصريحات والإذاعات ، مثل نشر أن قيادة حماس تركت الناس وهربت ولم يعد عندكم مسؤولون ، وهذا يخلق بلبلة بين الناس". وتابع أن "حماس تقوم بحرب نفسية أيضا. فمثلا عندما قالت إن مصر أبلغتها أن إسرائيل لن تضرب غزة لم يكن هذا صحيحا ، أو أن الجندي الإسرائيلي المخطوف جلعاد شاليط أصيب ، بهدف الضغط على إسرائيل".

استغلال «يوتيوب»

و اتجهت إسرائيل إلى "معركة الإنترنت" ، إذ قام الجيش الإسرائيلي ببث مشاهد من الغارات الجوية والهجمات الأخرى ، على موقع "يوتيوب" الالكتروني. وأعلن المكتب الإعلامي لجيش الدفاع الإسرائيلي أن هذه الأشرطة التي يبثها تهدف إلى "المساهمة في نقل رسالتنا إلى العالم". ويظهر بعض هذه المشاهد بالأسود والأبيض هجمات جوية للمقاتلات الإسرائيلية ، على ما اعتبر مواقع تطلق منها صواريخ ومخازن للأسلحة ومجمعا لحركة حماس وأنفاقا تستخدم في تهريب السلاح. لكن المكتب الإعلامي للقوات الإسرائيلية أفاد أن موقع "يوتيوب" قام بحذف بعض هذه المشاهد. وقال "نأسف لقيام "يوتيوب" بحذف عدد من أشرطتنا التي تظهر نجاح الجيش الإسرائيلي في عملية "الرصاص المصبوب" ضد ناشطي حماس في قطاع غزة". وأضاف "في وقت تواجه فيه إسرائيل مجددا من يريدون تدميرها ، ينبغي أن يظهر الجيش للعالم اللاإنسانية التي ترتكب ضدنا وجهودنا لوقفها". تبرير لا حقيقة

من يقف على طبيعة الحرب الإعلامية التي يخوضها الاحتلال جنبا إلى جنب مع الحرب على الأرض تلوح له في الأفق ملامح "جماعات الإسناد" من مثقفين وكتاب إسرائيليين ، وظيفتهم الأساسية هي التبرير للكثير من الأفعال التي ينفذها الجيش من خلال كلماتهم المتناثرة عبر الصحف أو شاشات التلفزيون.بل يلجأ العديد من هؤلاء النخب والمحللين التابعين لهذه الوسائل إلى الترويج لـ"الحقيقة" كما يرونها في خدمة مصلحة "الأمن الوطني" وإلى جانب الدور التبريري الذي تقوم به وسائل إعلام الاحتلال ، يأتي الدور الآخر وهو الدور التضليلي ، بحيث تعمد إلى طرح بعض القضايا وفق رؤى تتبع السياسة العامة ، الهدف الأساس منها هو التضليل.

وهذا ما اعتمد عليه الاحتلال في بدء أول ضرباته للقطاع ، فقد ركزت المؤسسات الإعلامية على الحديث عن تهديدات مستقبلية ، بينما باغتت الطائرات بصواريخها العديد من الأهداف في القطاع.
التاريخ : 05-01-2009

منقول من جريدة الدستور