مدينة قرطبة الاسلامية

--------------------------------------------------------------------------------


نبذة تاريخية
تأسست قرطبة في العصر الروماني عام 152 ق.م على نهر الوادي الكبير. وذاعت شهرتها منذ الصراع بين قرطاجنة وروما، عندما اصطحب هانييال معه نفرا من أهل قرطبة في حملته على روما. وفي عام 206 ق.م استولى عليها القنصل الروماني لوثيو مارثيو، ثم اتخذها الرومان منذ عام 169 ق.م عاصمة لأسبانيا السفلى. واتسع نطاقها في عهد الحاكم الروماني ماركوس كلوديوس مرثيلو الذي زينها بالأبنية الرائعة والأسوار المنيعة التي اشتهرت بها العمارة الحربية الرومانية. وهكذا دخلت قرطبة في سلك الإمبراطورية الرومانية وعمرت وازدحمت بالأسر الرومانية النبيلة.
وفي القرن الأول الميلادي، استطاع قائد الإمبراطور يوليوس قيصر أن يستولي عليها بعد موقعة "مندا" عام 45م. ثم أصبحت عاصمة إقليم باطقة بعد أن قسم الإمبراطور أغسطس قيصر أسبانيا السفلى إلى اقليميي لوزيتانية وباطقة. ثم أصبحت بعد ذلك واحدة من أربعة مراكز قضائية في أسبانيا الجنوبية بجانب قادس و إشبيلية وإستجة.
وعندما غزا الفندال والسواف والألان شبة جزيرة إيبيريا عام 409م، استولى الفندال على إقليم باطقة، واستولوا على إشبيلية، وجعلوها عاصمة الإقليم. أما قرطبة فقد ظلت خاضعة للبيزنطيين حتى نجح ملك القوط الغربيين ليوفخلدو أخيرا في الاستيلاء عليها عام 568م، وأقام بها أسقفية. ثم أخذت قرطبة تفقد شيئا فشيئا أهميتها أمام طليطلة ، التي تفوقت عليها منذ أواخر القرن السابع الميلادي. وفي عام 93هـ / 711 م فتحت قرطبة أبوابها لجيوش المسلمين بقيادة طارق بن زياد. وكان الفتح الإسلامي للمدينة أمرا هينا ميسورا، حيث بعث طارق بن زياد قائده مغيث الرومي إلى قرطبة في سبعمائة فارس، فأقبلوا نحو المدينة ليلا يسترهم الظلام -وقد أغفل حرسها حراسة سورها- ونجح بعض رجال مغيث في ا رتقاء ممشى السور، ووثبوا داخل المدينة، وفاجئوا حراس بابها الجنوبي، فقتلوا منهم نفرا وفتحوا الباب، فتدفقت منه جيوش المسلمين، وفتحوا المدينة. وأصبحت قرطبة ، بعد فتح المسلمين لها ، حاضرة أسبانيا الإسلامية، واستعادت مكانتها القديمة التي سلبتها إياها طليطلة.
ومنذ عهد أيوب بن حبيب اللخمي، استقر بها ولاة الأندلس قرابة ثلاثة قرون حتى سقوط الخلافة الإسلامية في الأندلس. ولقد احتفظ أهلها من النصارى بحريتهم الدينية والمدنية مقابل ما كانوا يدفعونه من جزية وفقا لعهد المصالحة بينهم وبين المسلمين.
أما تاريخ قرطبة الإسلامية فيبدأ منذ عهد السمح بن مالك الخولاني الذي ولي الأندلس عام 100هـ / 719 م، وهو الذي رفعها إلى مصاف الحواضر الكبرى. وكان السور الروماني الذي يحيط بقرطبة قد تهدم في بعض أجزائه، وتفتحت العاصمة للداخلين إليها والخارجين منها، فأعاد السمح بناء هذه الأجزاء المهدمة من اللبن، إذ أن المسلمين كانوا حديثي عهد الأندلس لا يعرفون بعد مقاطع أحجارها.
وفي عام 139هـ / 756 م بدأ نجم قرطبة بالصعود عندما أعلنها عبد الرحمن بن معاوية المعروف بعبد الرحمن الداخل عاصمة له بعد أن سانده مسلمو الأندلس، ونادوا به حاكما عليهم. وقد جعل عبد الرحمن قرطبة، مهدا للعلم والثقافة ومركزا للفنون والآداب في أوروبا كلها، فقام بدعوة الفقهاء والعلماء، والفلاسفة والشعراء. فكانت أكثر مدن أوروبا سكانا.
وفي عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، وابنه الحكم المستنصر من بعده، وصلت قرطبة مستوى من الرخاء والثراء لم تبلغه حاضرة أخرى من قبل. ولقد نافست قرطبة في عهدهم بغداد عاصمة العباسيين، والقسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، والقاهرة عاصمة الفاطميين. ووصل سفراء البلاط القرطبي إلى بلاد بعيدة مثل الهند والصين يحملون لملوكها من خليفة المسلمين في الغرب، رسائل مليئة بالمودة والصداقة والسلام، بينما تقاطر على البلاط الأموي مبعوثون ومندوبون عن أباطرة البيزنطيين وألمانيا وملوك كل من فرنسا وإيطاليا والمماليك الأخرى في أوروبا وشمال أسبانيا، وزعماءوفي عام 139هـ / 756 م بدأ نجم قرطبة بالصعود عندما أعلنها عبد الرحمن بن معاوية المعروف بعبد الرحمن الداخل عاصمة له بعد أن سانده مسلمو الأندلس، ونادوا به حاكما عليهم. وقد جعل عبد الرحمن قرطبة، مهدا للعلم والثقافة ومركزا للفنون والآداب في أوروبا كلها، فقام بدعوة الفقهاء والعلماء، والفلاسفة والشعراء. فكانت أكثر مدن أوروبا سكانا.
وفي عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، وابنه الحكم المستنصر من بعده، وصلت قرطبة مستوى من الرخاء والثراء لم تبلغه حاضرة أخرى من قبل. ولقد نافست قرطبة في عهدهم بغداد عاصمة العباسيين، والقسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، والقاهرة عاصمة الفاطميين. ووصل سفراء البلاط القرطبي إلى بلاد بعيدة مثل الهند والصين يحملون لملوكها من خليفة المسلمين في الغرب، رسائل مليئة بالمودة والصداقة والسلام، بينما تقاطر على البلاط الأموي مبعوثون ومندوبون عن أباطرة البيزنطيين وألمانيا وملوك كل من فرنسا وإيطاليا والمماليك الأخرى في أوروبا وشمال أسبانيا، وزعماء
البربر، وأمراء ورؤساء القبائل الإفريقية، حاملين معهم الهدايا الثمينة والغريبة. وكان الخليفة يستقبلهم وحوله حاشية من رجال سياسة وعلم وثقافة، فيقدم لهم من الكرم وال جود ما يبهرهم، ويقوم على تسليتهم أفضل الشعراء والمغنين والموسيقيين، فيعود الضيوف إلى بلادهم وقد بهرهم ما شاهدوه في بلاط الخليفة المسلم.
وظلت قرطبة تنعم بهذا التفوق على سائر مدن أسبانيا زمنا، حتى سقطت الخلافة الأموية عام 404هـ / 1013 م، حين ثار جند البربر على الخلافة ودمروا قصور الخلفاء فيها، وهدموا آثار المدينة، وسلبوا محاسنها.
ومنذ ذلك الحين انطفأت شعلة تفوقها، وتخلت عن مكانتها السامية لإشبيلية. ورغم هذه العواصف التي هزت كيانها استطاعت أن تحتفظ ببعض عظمتها وتفوقها في المجال الفني والصناعي والأدبي، حتى فتحها فرناندو الثالث في 29 من يونية سنة 1236م / 633 هـ.
وأثار سقوط قرطبة في أيدي النصارى الحزن والأسى في نفوس المسلمين، وتحول مسجدها الجامع الكبير إلى كنيسة كبرى، وهجرها عدد كبير من سكانها المسلمين فاستبدل فرناندو بهم سكانا آخرين من قشتالة وليون وقطالونية وغيرها من أقاليم أسبانيا النصرانية.
والان ندخل فى صلب الموضوع اهم معالمها المعمارية:-
منذ أن تولى عبد الرحمن الداخل حكم قرطبة اعتنى عناية فائقة بالإنشاء والتعمير بالمدينة، فحصن العاصمة وزينها بالحدائق وأنشأ مدينة الرصافة ومقرها العظيم في الشمال الغربي على بعد 4 كم من قرطبة، وقد أحاطها بالحدائق الزاهرة وأطلق عليها ذاك الاسم تخليدا لذكرى الرصافة التي أنشأها جده هشام بن عبد الملك بالشام - وكان هذا القصر يطل من ناحية الجنوب على الحقول التي تفصله عن قرطبة ويطل من الشمال على أرض واسعة تسمى (فحص السرادق) وقد اتخذ عبد الرحمن من ميدانها الفسيح منازل لجنده وقواده ومكانا يتدرب فيه الجنود بصورة مستمرة ومنتظمة. كما أقام عبد الرحمن الداخل " دار السكة " لضرب النقود على النحو الذي كانت تضرب عليه نقود بني أمية في المشرق من حيث الوزن والنقش.
الأسوار: كما بدأ عبد الرحمن الأوسط عام 150هـ / 767 م في إنشاء سور قرطبة الكبير الذي استمر العمل فيه أعواما كما أنشأ مساجد محلية كثيرة في قرطبة وغيرها وعلى رأسها المسجد الأموي الجامع الذي بدأ في إنشائه عام 170 هـ / 786 م. ويقع هذا المسجد في الجهة المقابلة لقصر الإمارة وبينهما مساحة واسعة استغلها عبد الرحمن في إنشاء قصر خاص لنفسه وعدد من القصور الصغيرة لآل بيته أحاطها بالحدائق الغناء وسور يدور حولها. وقد امتدت هذه القصور حتى وصلت إلى ضفة نهر الوادي الكبير فبنى عبد الرحمن قصور الإدارة ناحية النهر. كما فتح بابا في الشارع بين النهر والسور سمي "باب السدة" وجعله للجمهور، وهو يفضي إلى المكاتب الحكومية. كما خصص جانب باب السدة لمواقع الكتاب الذين يعاونون الناس في كتابة شكاواهم وطلباتهم والذين يعرفون اليوم بالكتاب العموميين.
وبعد أن تولى عبد الرحمن الثالث الحكم عام 317هـ / 949 م أصبحت قرطبة من أكبر المدن في أوروبا وأكثرها حضارة وثقافة وعلما، وبلغ عدد سكانها إلى نصف مليون نسمة. وكانت قرطبة في ذلك الوقت تنقسم إلى جانبين كبيرين: جانب شرقي وجانب غربي. وعند اتساعها تجاوزت نطاقها القديم جنوبا في الضفة اليسرى من نهر الوادي الكبير، وشرقا فيما وراء باب رومية.

قنطرة قرطبة وتجدون الصورة على الربط التالى:-

http://rowad.al-islam.com/rowad/?ac...e=c_kortba6.jpg
القناطر: ومن معالمها الحضارية تلك القنطرة التي كانت تجاه المسجد الجامع من الناحية الجنوبية وهي قنطرة رومانية الأصل، جددها المسلمون أيام السمح بن مالك أمير الأندلس وجددت بعد ذلك غير مرة وهي قائمة على ستة عشر عقدا وهي تربط قرطبة بضاحيتها المسماة (حي روح القدس) وما زالت هذه القنطرة تحتفظ بكثير من معالمها الأندلسية.

مدينة الزهراء بقرطبة وتجدون الصورة على الرابط التالى:-

http://rowad.al-islam.com/rowad/?ac...e=c_kortba1.jpg

القصور: من الآثار الباقية منية العامرية وهي تقع على سفح جبل قرطبة على بعد تسعة كيلو مترات غربي قرطبة وثلاثة فقط إلى الغرب من مدينة الزهراء ، في ضيعة تعرف باسم فونتانار دي لاجورجوخا، وفي موضع يطلق عليه اليوم اسم مورو كيل. وقد قام صاحب الضيعة بهدم هذه الأطلال كلها تقريبا في عام 1344هـ / 1926 م ليقيم على أسسها دارا جديدة. وتنسب العامرية إلى ابن أبي عامر الذي بناها في عام 368هـ / 979 م، وحوطها بالجنان والبساتين، ثم أدار عليها سوار منيعا.
وكان قصر العامرية يتكون من قاعات ثلاث متوازية، يحيط بها من الشرق والغرب غرف مربعة تتوزع ثلاثة في كل من الجهتين، وفي الشمال الشرقي يقوم بناء آخر ملاصق لهذا البناء ينقسم بدوره إلى غرف صغيرة لعلها كانت مرافق أو ملحقات بالقصر، وكان يتصل بهذه الغرف بركة كبيرة طولها (49.70) مترا، وعرضها (28) مترا، وعمقها (3) أمتار، أقيمت كلها من الحجر.

جامع قرطبة وتجدون الصورة على هدا الرابط:-

http://rowad.al-islam.com/rowad/?ac...e=c_kortba4.jpg
الم ساجد: اشتهرت قرطبة بالعديد من الآثار التي تجسد روعة المعمار وتعد شاهدا على الحضارة الإسلامية في ذاك الوقت. ويعد المسجد الجامع أهم تحفة معمارية أنشئت في عهد عبد الرحمن الداخل. وهو يقع في الجهة المقابلة لقصر الإمارة. وقد بدأ في إنشائه عام 170هـ / 786 م، وجلب إليه الأعمدة الفخمة والرخام المنقوش بالذهب واللازورد وبلغ ما أنفق عليه 100 ألف دينار ثم زاد خلفاؤه من بعده في هذا العمل حتى أصبح أعظم مساجد الأندلس.
ولقد أتم هشام الأول ابن عبد الرحمن المعروف بالرضي بناء المسجد الجامع وأنشأ مساجد أخرى. وفي عهد عبد الرحمن الأوسط زاد في المسجد الجامع قدر بهوين كبيرين من ناحية القبلة ونقل المحراب إلى الجزء الجديد وأقام أعمدة أخرى و أقواسا فوق الأعمدة الأصلية فكانت الأقواس المزدوجة التي يعدها المعماريون من روائع العمارة الإسلامية وكان صحن المسجد مكشوفا يدور حوله سور وهو الآن ضمن الكنيسة.

مئذنة جامع قرطبة وتجدون الصورة على الرابط الاتى:-
http://rowad.al-islam.com/rowad/?ac...e=c_kortba2.jpg

ومن أهم هذه الآثار لا يزال مسجد قرطبة الجامع باقيا حتى اليوم بكل عقوده الإسلامية وأروقته ومحاريبه وقد تحول إلى كاتدرائية في القرن السادس عشر الميلادي. وأقام النصارى هياكلهم في عقوده الجانبية وبنوا مصلى على شكل صليب في وسطه وأزالوا كثيرا من قباب المسجد وزخارفه الإسلامية، وجعلوا مكانها زخارف نصرانية ومن ذلك مئذنة المسجد التي تحولت إلى برج للأجراس وعلى الرغم من ذلك فإن آيات القرآن الكريم والنقوش الإسلامية لا تزال تزين محاريبه الفخمة وأبوابه.
ومن الآثار أيضا المآذن المتبقية من المساجد المهدمة بعد سقوط دولة الإسلام في الأندلس، حيث شملت حركة التدمير معظم المساجد، فتحول بعضها إلى كنائس محلية، خربت مآذنها أو تحولت إلى أبراج للنواقيس، وهدمت بيوت الصلاة فيها وأقيمت في مواضعها كنائس من الطراز الروماني أو القوطي. ولم يبق بقرطبة الآن إلا ثلاثة أبراج لكنائس كانت في الأصل مآذن لمساجد.
أما أولى المآذن فهي لمسجد هدمه القشتاليون وأقاموا على أساسه كنيسة تعرف اليوم بكنيسة دير سانتا كلارا. ويرجع تاريخ هذه المئذنة إلى أواخر القرن العاشر الميلادي، وإن كانت تشبه كثيرا من حيث طريقة البناء ومن حيث النواة المربعة مئذنة جامع القرويين بمدينة فاس . والمئذنة مربعة القاعدة، يبلغ طول كل جانب منها (4.70) مترا، ويتوسطها من الداخل نواة مركزية مربعة الشكل كذلك أشبه بالدعامة، يدور حولها فيما بينها وبين جدار المئذنة درج، يرتقي بواسطته الصاعدون إلى سطح المئذنة. والبناء من الحجر يتناوب في صفوفه كتلة موضوعة طولا وكتلتان أو ثلاثة من جوانبها، وأوجه المئذنة ملساء، تنفتح فيها بعض المنافذ الضيقة لإدخال الضوء ، وتنتهي من أعلى بشرفات ويعلو مدخل المأذنة عقد مفرطح مخفف للضغط، بأدناه عتب من سنجات.
أما المئذنة الثانية فهي أقدم عهدا ويرجع تاريخ بنائها إلى عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط. وهي الآن البرج القائم في كنيسة سان خوان، وقد تحولت المئذنة إلى برج للنواقيس. وهذه المئذنة بناء متواضع مربع الشكل، يبلغ طول ضلعها (3.70) مترا، وارتفاعها من مستوى سطح الأرض حتى السطح الذي كان يقوم عليه بيت المؤذنين أو القبة العليا ثمانية أمتار. وتخطيط المئذنة من الداخل مستدير، إذ تتوسطها نواة مركزية أسطوانية يدور حولها درج لولبي. أما من الخارج فجدرانها من صفوف حجرية من نوع رديء تآكلت طبقته السطحية بفعل الرطوبة، ونظام البناء فيها يقوم على طريقة تعاقب الكتل الحجرية التي يتكون منها البناء طولا وعرضا بمعنى أن تتناوب كتلة توضع من وجهها طولا مع كتلة أو كتلتين وفي بعض الأحيان ثلاثة توضع عرضا من جوانبها. وتمتاز هذه المئذنة الصغيرة بأن كل وجه من أوجهها الأربعة يزدان بفتحة رشيقة مزدوجة تمثل عقدين توأمين على هيئة حدوة الفرس أي تجاوزت نصف الدائرة، اقتصرت سنجاتها على ثلثها الأعلى.
والسنجات في هذه العقود ثلاثة: سنجة وسطى من الحجر تؤلف مفتاح العقد وسنجتان تتألف كل منهما من ثلاثة قوالب من الآجر الأحمر تطوقان السنجة الوسطى من اليمين واليسار. ويستند كل عقدين توأمين في الوسط على عمود مركزي في كل من الواجهات الأربعة، ولكن لم يتبق للأسف من هذه الأعمدة إلا عمود واحد رشيق يحمل تاجا من الطراز الكورنثي هو التاج الوحيد الذي تبقى في المئذنة بواجهتها القبلية، وينتمي هذا التاج إلى مجموعة تيجان الأعمدة الأربعة التي يقوم عليها عقد المحراب بالمسجد الجامع بقرطبة، وتنسب إلى الأمير عبد الرحمن الأوسط، وزخارفها تقوم على أساس ا لفروع النباتية المزدوجة. أما الفتحات المعقودة بأوجه المئذنة فكلها صماء مغلقة ما عدا فتحة الواجهة القبلية فهي نافذة.
والفتحات المعقودة بالمئذنة لا تحوطها اليوم طرر أو تربيعات مستطيلة الشكل، وربما كان يطوقها في الأصل طرر بارزة على النحو الذي نراه في جميع الآثار القرطبية. وكان يعلو العقود التوأمية في كل من الواجهتين الشماليتين بائكة صغيرة بارزة تتألف من سبعة عقود صغيرة على شكل حدوة الفرس تقوم على ثمانية أعمدة من الرخام قوطية المظهر يبدو أنها اتخذت من أبنية قديمة. ولم يتبق من هاتين البائكتين إلا آثار تدل على أنها كانت تعلو بدن المئذنة.
أما المئذنة الثالثة الباقية بقرطبة فهي المئذنة التي تحولت إلى برج النواقيس بكنيسة سانتياجو بالجانب الشرقي من قرطبة. وتتميز هذه المئذنة بقاعدتها المربعة من الخارج ونواتها الأسطوانية في الداخل وبالدرج الحلزوني الذي يدور بينهما. وتصميم المئذنة بوجه عام يشبه تصميم مئذنة برج كنيسة دير سانتا كلارا. أما التاج الكورنثي فيها فيشبه إلى حد كبير التاج المتبقي بمئذنة كنيسة سان خوان.
الحمامات: وكان أهل قرطبة يسترخون في حمامات عامة وخاصة كلها مدفأة وتجري فيها المياه الساخنة والباردة. وكانت الحمامات العامة تعتبر من أهم المنشآت المدنية في المدينة لكثرتها وتعددها من جهة، ولارتباطها الوثيق بالطهارة المتأصلة بعمق في الإسلام من جهة أخرى، وقد تميزت قرطبة بوجه خاص بكثرة حماماتها حتى قيل إن عددها بلغ 300 حمام. وقد بلغ عدد حمامات قرطبة بعد أن تناهت في الاتساع في عصر المنصور ابن أبي عامر حوالي 900 حمام.
ومن الآثار الإسلامية الباقية في قرطبة حمامان: الأول صغير المساحة، عثر عليه عام 1321هـ / 1903 م في جوف الأرض في المنطقة المعروفة بساحة الشهداء داخل نطاق القصر الخلافي بقرطبة. وكانت غرفة المدخل مزودة بحوضين للاستحمام وتسقفها قبوة متعارضة، ويلي هذه الغرفة غرفتان تعلوهما قبوتان نصف أسطوانيتين مزودتان بمضاوي نجمية الشكل من ثمانية رءوس. والغرفة التالية تنتهي في كل من طرفيها بعقدين منفوخين توأمين يرتكزان على دعامتين من الآجر مثمنتي الشكل، وكان اتساع كل من الغرف الثلاثة أقل من مترين.
وبينما كانت الجدران من صفوف حجرية منتظمة الشكل، كانت الأرضيات مكسوة بل وحات الرخام. ويتصل الغرفة الأخيرة - عن طريق درج - بقاعة فسيحة مربعة الشكل يبلغ طول كل جانب منها (8) أمتار، ويحيط بهذه القاعة ممر تحدده أربع دعائم ركنية من الحجارة تلتصق بها وتتوزع بينها أعمدة يبلغ عددها (28) عمودا. ويعلو هذه القاعة قبوة مخرمة بمضاوي على شكل نجوم وزخارف أخرى، دهنت جميعها بزخارف حمراء اللون قوامها توريقات على أرضية بيضاء. ويحتفظ متحف الآثار الأهلي بمدريد ببعض آثار الزخارف التي تم الكشف عنها داخل الحمام، منها عقد زخرفي ثلاثي الفصوص من الجص، ومنها منابت لعقدين زخرفيين آخرين، كما عثر على قطع من الحجارة مزينة بزخارف على شكل شرفات صغيرة مسننة على أرضية حمراء، وقطع جصية عليها كتابة كوفية، ويبدو أن هذا الحمام - من أسلوبه الزخرفي - يرجع إلى عصر الحكم المستنصر.
وتقع بقايا الحمام الآخر بالقرب من المسجد الجامع، إلى الجنوب الشرقي منه، وهي لا تعدو بلاطين مقببين بقبوتين نصف أسطوانيتين تتخللهما مضاوي نجمية الشكل، طول أحدهما (10.40) مترا، وعرضه (3.50) مترا، وطول البلاط الثاني (12.70) مترا، وعرضه (4.50) مترا. ويتوزع هذان البلاطان في البيتين رقمي (18،16) بشارع كارا. وقد تعرض هذا الحمام لبعض التغيرات في نظام بنائه وفي عقوده في العصر النصراني.
وكانت المدينة نفسها، أو المركز العمراني القديم- باشتمالها على المسجد الجامع، والقيسرية والفنادق والحمامات والأسواق- مركز الحياة الدينية والاجتماعية والاقتصادية. كما كانت تنقسم إلى أحياء تعرف في الأندلس بالحومات. وكانت هذه الحومات تسمى بأسماء الأبواب المجاورة لها أو بأهم الآثار القائمة في مناطقها، أو بأسماء حرف سكانها، مثل حومة باب الفرج، وحومة الرقاقين قرب باب العطارين، وحومة النجارين، وحومة عين فرقد شرقي قرطبة، وحومة غدير بني ثعلبة، وحومة حير الزجالي خارج باب اليهود. وكانت شوارعها مرصوفة ونظيفة ومضاءة على الجهتين.
ومع سقوط قرطبة تم محاولة إزالة معظم آثارها القديمة، وإضفاء التقاليد القشتالية التي حملها الغالبون معهم. ومع أن إعادة تعمير قرطبة بعد سقوطها بالعناصر الأسبانية الجديدة قد غيرت كثيرا من مظهرها العمراني الذي كانت عليه، إلا أن قرطبة ظلت تحمل الطابع الإسلامي. ولم يتمكن الفن القوطي، الذي أدخله النصارى في الأندلس ، أن يتغلغل في فنونها، وظلت عمائر قرطبة الإسلامية مصدرا يستوحي منه معماريو النصارى كنائسهم ودورهم ومختلف أبنيتهم






الموضوع منقول من موقع الاسلام/الرواد