قد يفهم الإنسان أن لا تريد القيادة السياسية المصرية انجرار مصر إلى حرب مفتوحة مع إسرائيل في ظل ميزان قوة مختل (حتى وهي أول مسؤول عن اختلاله)، وقد يفهم حرصها على اتفاق

كامب ديفد مع إسرائيل حرصا على البقاء في السلطة تحت الحماية الأميركية (وقد كان التحامها بشعبها واعتمادها عليه أولى).. أما أن تمنع دخول الأطباء إلى غزة، وخروج الجرحى من غزة، وترد

الجسور الطبية والمساعدات الإنسانية القادمة من قطر وليبيا وغيرها من الدول وتصر على أن يستمر الحصار القاتل على شعب أعزل يُقتَّل تقتيلا.. خوفا من الكاميرات الإسرائيلية على المعابر (كما

يفهم من تبريرات الرئيس نفسه).. فهو أمر يدعو إلى الاشمئزاز حقا.

لقد خذلت القيادة المصرية الحالية دماء الشهداء المصريين، وروابط الأخوة مع الفلسطينيين، وريادة مصر للعرب أجمعين.. وحولت مصر من بلد قدوة، يقود كتابها كل العرب نحو التنوير، ويقود جنودها

كل العرب نحو التحرير.. إلى بلد في مؤخرة المؤخرة، يسحب العرب من أذنابهم إلى بيت الطاعة الأميركي ذي السيد الإسرائيلي.

ولا يستحق الشعب المصري الأبي مكانة الذنَب، وهو لم يقبل بهذا الدور الرديء قط طيلة تاريخه الضارب في القدم. لكنه حصاد منطقي للاستسلام لعدو لا يعرف رحمة، ونتيجة منطقية للانكفاء على

الذات المتضخمة.
"
الاستمرار في إغلاق هذه المعابر جريمة حرب في القانون الدولي الذي يلزم الدول بفتح حدودها أمام ضحايا الحروب، وهو فضيحة في العرف الإنساني الذي يلزم بنصرة المظلوم، وإطعام الجائع،

ومداواة الجريح

أما رد القادة المصريين على ذلك بأنه إعلان حرب على مصر، فهي محاولة باهتة للتستر على السوءة التي انكشفت، والعار الذي لا يمكن غسله. فمتى كان شعب مصر متواطئا مع عدوه وعدو

أمته؟! ومتى ماتت فيه الشهامة والكرامة والعزة والإيمان حتى يكون دعوته للنصرة حربا عليه؟!

وأما قول صحيفة الأهرام إن فتح المعابر "توريط لمصر" فهو قلب للحقائق رأسا على عقب، فالذي يورط مصر هو من يستعبد شعبها ويدمر اقتصادها، ويربي أبناءها على الهوان، ويعزلها عن أمتها

وامتداها الإستراتيجي. فليست مصر بحاجة إلى من يورطها اليوم، فقد ورطتها قيادتها التي فرضت عليها ثلاثة عقود من انهيار القوة وانحسار الدور.

رحم الله الأيام الخوالي التي كان الجيش المصري يتحرك فيها لتحرير فلسطين، وكانت القيادة المصرية تحاصر إسرائيل بالدبلوماسية الدولية النشطة في مؤتمر باندونغ وغيره.. فلا أحد يريد هذا اليوم

ولا يطمح له.. إن ما نريده اليوم هو فتح معابر غزة مع مصر، وهي الشريان الوحيد الذي يستطيع سكان غزة التنفس منه، وتضميد جراحهم، وشراء قوتهم، واستقبال ما يجود به الضمير العربي

والإنساني من فُتات.

وحسبنا الله ونعم الوكيل