أوشك عدد شهداء المجازر الإسرائيلية في غزة أن يصل إلي الف وهو رقم يقترب من عدد شهداء السلام من ضحايا العبارة السلام 98،

شهداء الفساد والاحتكار واستغلال النفوذ والإهمال والذين تجاوز عددهم الألف!

لكن في كل الأحوال شهداء غزة لم يصل عددهم إلي نصف عدد شهداء قطار الصعيد الذي راح ضحيته حوالي ألفي مواطن مصري ماتوا حرقًا.

أما عدد الجرحي الفلسطينيين في جريمة العدوان الإسرائيلي علي غزة، فقد اقترب من أربعة آلاف فلسطيني، وهو رقم لا يشكل

- رغم فداحته - نصف عدد جرحي حوادث الطرق في مصر، ولا نتحدث عن عدد شهداء وموتي الطرق في بلدنا حيث يصل عددهم إلي ثلاثة

وستين ألف شهيد سنويًا، أي أن عدد موتي الطرق في مصر كل عامين يساوي عدد شهداء مصر في الحروب الأربعة ضد إسرائيل علي مدي

35عاما، لكن الفرق فقط أن المصريين تعايشوا وتعودوا علي الموت والإهمال والفساد!

ماذا أريد أن أقول من هذه المقارنة بين أرقام شهداء الحرب وشهداء السلام؟

أبدًا، كل ما هو مؤكد أن الناس تدفع ثمن الاستبداد الوطني فادحا كما تدفع تماما ثمن الاحتلال الأجنبي، إن ما يصنعه الاستبداد

(وقرينه بالضرورة الفساد) هو وجه آخر مما يصنعه الاستعمار والاحتلال وهذا درس قديم جدًا، ومع ذلك لم يتعلمه أحد حتي مَنْ

علموه لنا، فكم مليون مرة قرأنا في كتب التاريخ الحديث أن الضباط الأحرار عندما عادوا من هزيمة وضياع فلسطين اكتشفوا أن

محاربة الاستعمار وإسرائيل والصهاينة يجب أن تبدأ من الداخل، من العواصم العربية، من تغيير العروش والحكام، والقضاء علي

الاستعمار وأعوانه، كم مرة..؟

ومن المرارة الحقيقية أن نقول إن النكبة التي نعيشها تثبت أن العدو هو الفساد والقمع والقهر في الداخل، إن الحال هو نفسه،

سيطرة من رأس المال علي الحكم، فالوطن يديره سياسيون ارتبطت مصالحهم بأموال وقروض وصفقات رجال الأعمال الذين تصدر

لهم القوانين وتسن لصالحهم التشريعات، وتتم ممارسة أكبر عمليات نهب لمصر من خلال بيع القطاع العام وفصل وتشريد العمال،

وقد وصلت البطالة إلي الحد المخزي المذل، وتردي الوضع الاقتصادي إلي درجة وضيعة، وسيطرت علي مصر طبقة النصف في المائة

من الإقطاع الجديد والسوبر باشوات، أما بقية الشعب فمغموس في الفقر والعوز والمرض والعلة.

آخر ما تحتاجه مصر أو غيرها هو الثورة علي طريقة يوليو 52، فنحن في حاجة إلي الثورة الحقيقية، ثورة الديمقراطية، الديمقراطية

هي طريقنا الوحيد، فالديمقراطية تحررنا لنملك تحرير فلسطين، والديمقراطية واجبة وحتمية في البلاد العربية كلها كي نخرج من

دائرة العجز وطوق التخلف وحظيرة العبودية، والحقيقة أن أبعد ما تريده أمريكا وإسرائيل في منطقتنا العربية هو الديمقراطية وهو

ما نحسه كل يوم ونراه كل ساعة، فالديمقراطية سوف تصعد بحكام منتخبين شرعيًا إلي مقاعد رئاسات الدول والحكومات، بينما

الكفيل والضامن لحالة العجز والهوان والهزيمة والرخاوة العربية هو الطغيان الحكومي الجمهوري والملكي وتزييف إرادة الشعوب

وعبودية وتأليه الحكام وتوريث الحكم.. حكمتك يارب!

ابراهيم عيسي