لم تكن كتائب الشهيد عزالدين القسام وهي تزف للأمتين العربية والإسلامية انتصارها على العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة، قد جانبت الصواب أو سوقت نتيجة تهدف إلى مغالطة ملايين الجماهير العربية بحقيقة زائفة، أو وهم كاذب، مثلما يفعل عادة النظام العربي الرسمي في حروبه الخاسرة في أكثر من ميدان.

هذه المرة انقلب الواقع، وأحدثت المقاومة الفلسطينية بزعامة حركة "حماس"منعرجا جديدا في الصراع العربي الصهيوني، بعد أن حققت انجازات عسكرية وسياسية لم تكن تتوقعها إلا قلة من المؤمنين بنجاعة خيار المقاومة كمبدأ استراتيجي لاستعادة الحقوق والكرامة، هذه القلة أصبحت الآن غالبية ساحقة من المحيط إلى الخليج، بل وفي شتى أصقاع العالم الإسلامي، وعند الرأي العام الانساني، تؤمن بأن عصر المستحيلات في هذا الصراع المصيري قد ولى بلا رجعة.

مرة أخرى ينكشف للقاصي والداني أن أسطورة الجيش الإسرائيلي أصبحت مجرد خرافة ووهم من صناعة وعينا الكاذب فيما مضي من عقود الصراع الستة، وربما كان السيد عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية قد عبر،غداة انطلاق العدوان على غزة، عن قناعة الهيكل العربي الرسمي بأن أسطورة إسرائيل العسكرية أصبحت شيئا من الماضي، وهذا ما فضحته معركة غزة، وكشفته، بل إن المقاومة الفلسطينية هي التي أصبحت أسطورة ومضرب المثل في الإقدام والذود عن الأرض والعرض.

فبالمقاييس العسكرية، أنجزت هذه المقاومة بقيادة كتائب القسام النصر الذي وعدت به جماهيرها، وأكدت أن مجاهديها قتلوا في معركة الثلاثة والعشرين يوما 80 جنديا صهيونيا وجرحوا المئات ولقنوا إسرائيل درسا لم تتلق مثيلا له طيلة ستين عاما في فلسطين المحتلة، وتأكيدا لصدقيتها اعترفت "القسام" في المقابل بأنها فقدت 49 من مقاتليها على رأسهم الشهيد الشيخ سعيد صيام وزير الداخلية، وقبله الشهيد البطل نزار ريان.
أما القضية الفلسطينية فقد حققت نصرا لم تنجزه في أي من معاركها السابقة، واستفادت أيما استفادة من التعاطف الدولي المتعاظم مع ضحايا "الهولوكوست" الإسرائيلي في غزة، مما أعاد القضية إلى مكانها اللائق، وتبين للجميع أن بضعة الآلاف ممن يحملون السلاح في غزة، ليسوا "شرذمة من إرهابيين"، بل هم مقاومون وطنيون يدافعون عن حقهم في الحرية والحياة، حتى تحقيق النصر الأكبر بإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف