دمار شامل خلفته آلة الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، وكلمة الدمار يمكن أن لا تكون معبرة عن الصورة بصفة دقيقة، فشهود عيان تحدثوا عن خراب ومحاولة إفناء جماعي وكأن المنطقة قد أصابها زلزال مدمر أو اجتاحتها موجة من موجات تسونامي المرعبة.

إضافة لشهود العيان، فإن الصورة التي نقلتها وسائل الإعلام قد عبرت عن حجم المأساة وحجم الهول الذي تعرض له قطاع غزة، وهذا الخراب الحاصل هو نتيجة حتمية لتجاوز إسرائيل لأخلاقيات الحروب واستعمالها لأسلحة محرمة دوليا ومنها على سبيل المثال الفوسفور الأبيض الذي زاد في قتامة المشهد.

بعد كل الموت والدمار والخراب وسقوط أكثر من 1300 شهيد فلسطيني قدرت جماعات حقوقية أن عدد الأطفال منهم تجاوز 410 أطفال و5450 مصابا، إصابة بعضهم بليغة، صرحت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني أن القتلى المدنيين في قطاع غزة سقطوا "عرضا"، وأضافت أنه "كان يتعين علينا تنفيذ تلك العملية، إنني مطمئة لحقيقة أننا نفذناها".

ولا يفهم الواحد منا ماذا تعني بكلمة "عرضا"؟ هل تعني أن القنابل والصواريخ التي كانت توجه إلى المنازل لم تشأ قتل المدنيين؟ أم أن دقتها لم تكن بالقدر العالي من الكفاءة؟ أم أنها لم تكن تعلم بأن تلك البناءات قد يوجد بها أطفال ونساء وشيوخ لا علاقة لهم بالقتال؟

ربما ننتظر أن تزود أمريكا حليفتها إسرائيل بصواريخ وقنابل مكتوب عليها صواريخ ضد الأطفال، صواريخ ضد المقاومين، وبالتالي لن تجد تل أبيب ما تبرر به جرائمها ضد الأبرياء والعزل.

المأساة التي تعرض لها سكان القطاع حركت ضمائر العالم الحية وحتى بعض المثقفين الغربيين الذين شكلت وعيهم الآلة الإعلامية الصهيونية سابقا استفاقوا على حقيقة الكيان الإسرائيلي وبشابعة جريمته في غزة مما جعلهم يغيرون نظرتهم تجاهه.

الممارسات الإسرائيلية في حربها على غزة جعلت عديد الأصوات تدعو إلى ملاحقتها قضائيا وجعلت الأمين العام للأمم المتحدة يدعو إلى محاسبة المسؤولين عن قصف مبان ومدارس تابعة للأمم المتحدة، وقال: "هذا هجوم مشين غير مقبول على الأمم المتحدة ويجب إجراء تحقيق كامل لضمان عدم تكرر هذا العمل مطلقا ويجب محاسبة المسؤولين عن قصف المنشآت الأممية عبر نظام قضائي ملائم".

كلام بان كي مون فيه الكثير من الحقائق التي شاهدها بعينه أثناء الزيارة التي أداها إلى قطاع غزة وقد أصيب بالصدمة والانزعاج، لكن هل يتجاوز هذا الموقف مجرد الاستنكار والصدمة والانزعاج إلى الفعل وتتم محاسبة المسؤولين لا عن قصف مباني الأمم المتحدة فحسب، بل على الجرائم المرتكبة بحق المدنيين وبحق أهل القطاع بصفة عامة؟ فمن سيتكفل بلملمة الجرح الغائر الذي خلفته إسرائيل في جسد القطاع؟ ومن سيعوض الأهالي الذين فقدوا عوائلهم؟ ومن سيعيد إلى غزة الحياة؟

هكذا ببساطة تقتل إسرائيل أكثر من 1300 فلسطيني وتتسبب في تدمير البنية التحية للقطاع، ثم يسجل التاريخ الحدث وتطوى الصفحة وكأن شيئا لم يحدث وكأن الدم الفلسطيني مباح لآلة القتل الإسرائيلية تريقه متى شاءت وبالوسائل التي تريد.

يبدو أن هذه المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل هذه المرة لن تمر هكذا، فحجم التعاطف العالمي مع الفلسطينيين تضاعف بشكل كبير، وما على العرب والحاملين هَمَّ القضية إلا توظيفه التوظيف الأمثل والوقوف بكل قوة في وجه الصلف الإسرائيلي.