فكّر معانا

رجـــل دقيــق




قال لي مدحت في توتر: أعرف أنني أبدو جبانًا، لكن هذا لا يضايقني البتة.. بل أنا جبان بالفعل.. لكني أعرف كذلك أنني رجل دقيق لا يفوته شيء
طلبت له كوبًا من الليمون عالمًا أن هذا سيزيد الأمور سوءًا.. ليمون الشرطة لا ينعش كأي ليمون في العالم، لكنه يعطي جوًا من التوتر وتقلصًا في المعدة كأنه حمض نتريك.. أذكر هذا منذ أيام الماضي عندما كنت أمام المدفع لا خلفه، وكنت أتوتر لدى تعاملي مع الشرطة في موضوع بطاقة شخصية أو رخصة قيادة
قلت له: نحن معك.. هذا سبب كافٍ كي تطمئن
قال متوترًا: لكن الأخطاء تحدث.. لن تضعوا شرطيًا معي في فراشي.. هناك لحظة ما سوف تغيبون فيها عني وعندئذ
كانت مشكلته هي أن مختار خرج من السجن.. ونحن نراقب مختار طبعًا لكن لا يوجد شيء ضده.. إنه يتصرف كأي مواطن آخر
قلت لمدحت وأنا أناوله لفافة تبغ: لا يمكن أن نسجن مختار؛ لأنك تخافه
ـ الرجل لا يمزح... هذه هي المشكلة
*******
كان مدحت رجلاً في الخمسين من العمر.. ضئيلاً جاحظ العينين تبرز عروق صدغيه وتبرز أسنانه، مما يعطيه طابعًا خاصًا يذكرك بالقوارض، لكن مدحت كان مواطنًا، وكانت عنده مشكلة حقيقية
ـ في العام 1979 كنت أسكن في تلك الشقة المفروشة، وكانت تسكن فوق شقتي أرملة عجوز ثرية.. وفي ذلك اليوم المشئوم، كنت أعدّ طعام العشاء وحدي في شقتي عندما سمعت صوت دقات الهون من الطابق العلوي.. اعتادت الأرملة أن تستدعيني بهذه الطريقة، وكانت لها طلبات عديدة أغلبها تافه.. تريد من يفتح لها أسطوانة الغاز.. تريد من يغلق لها المحبس.. تريد من يضبط لها التلفزيون.. كنت أقوم بهذه الأمور في رضا، لذا عندما سمعت هذه الجلبة هرعت لألبي نداءها
لم أدر ماذا حدث ولا كيف حدث.. فعلى الدرج اصطدمت بمختار نازلاً من شقتها.. كان ابن أخيها وكان قوي البنية شرسًا، ولكني في هذه المرة لم أنظر لوجهه.. كنت أنظر لتلك المدية في يده والتي تلوثت بالدم.. كأنه نومني مغناطيسيًا للحظة، ثم صرختُ مذعورًا: هل.. هل فعلتَها؟
هنا أولج نصل المدية في أسفل صدري.. إصابة سطحية جدًّا كما قال لي الطبيب فيما بعد.. وسرعان ما كان يثب الدرج نازلاً
برغم كل شيء قلت لنفسي إنني سليم.. سليم.. الإصابة سطحية وهو لم يؤذِ شيئًا.. وكان تفكيري سريعًا جدًّا.. تحاملت على نفسي إلى ان دخلت شقتي واتصلت برجال الشرطة.. ونسيت كل شيء عن ذلك الجرح
عندما جاءوا رأوا المشهد المعروف الذي لن أصفه لك.. لقد قتلت السيدة في الحمام وكانت تحمل يد الهون في يدها ترسل لي استغاثة أخيرة.. ليرحمها الله.. لقد قتلها ابن أخيها طمعًا في مالها، وبرغم هذا لم يجد عندها شيئًا
بعد يوم قصدت طبيبًا ليفحص ذلك الجرح فقال إن المدية مزقت بعض الأنسجة في التجويف الثاني عشر بين الضلوع لكنها لم تمزق شريانًا أو وريدًا أو عصبًا وقد رأيت أنه لا داعي لذكر هذه الإصابة التافهة في مجرى التحقيق
*******
تم القبض على الفتى الذي أنكر كل شيء جملة وتفصيلا.. كنت أنا الشاهد الوحيد على رؤيته.. فيما عدا هذا لم يجدوا سلاح الجريمة ولا أي شيء ضده.. هكذا يمكنك أن تتصور حقده عليّ.. لولاي لما اتهمه أحد بأي شيء
برغم كل شيء حوكم وحُكم عليه بالسجن.. وعشت أنا حياة طبيعية أحاول أن أطرد هذه الذكرى الكئيبة من ذهني.. إلى أن جاء الشهر الحالي
قلت له للمرة الألف: عندما وجدت الرسالة
قال وهو يرتجف: نعم.. رسالة وجدتها تحت باب بيتي الجديد الذي لا يعرفه أحد.. تقول الرسالة: لا تحسب أن الزمن يُنسي الأحقاد.. سوف تدفع ثمن الأعوام التي قضيتها في السجن بسبب كلب مثلك
الرسالة مخيفة.. لكن اختفاءها أكثر بشاعة.. أنا أعرف يقينًا أنني أخفيتها في مكتبتي.. بالذات في كتاب عن القطب الجنوبي.. موضوع يتعلق بطائر البطريق.. بين صفحتي 188 و189.. أقول هذا لأؤكد لك أنني لم أنسَ شيئًا.. أنا رجل دقيق يا سيدي.. معنى أن أفتح الكتاب فلا أجد الرسالة أن هذا الرجل يملك الدخول إلى بيتي بسهولة تامة
قلت في غيظ: بل هو ساحر كذلك.. أن يعرف أنك أخفيت الورقة في كتاب، ويعرف ما هو الكتاب.. هل أنت متأكد من أن زوجتك لم تكن معك لحظة إخفاء الخطاب؟
ـ أنا غير متزوج.. قلت هذا عشر مرات
ـ ثم جاء موضوع الحريق
ارتجف وشرب جرعة ليمون هائلة وقال: نعم.. نعم.. يبدو أنه فتح شراعة باب شقتي وسكب بعض البنزين، ثم ألقى عود ثقاب مشتعلاً.. صحوت من نومي لأجد الصالة تحترق.. جريت إلى باب الشقة ودفعتُـه لأفتحه.. لكني لم أستطع.. إنه لا ينفتح.. يبدو أنه وضع شيئًا ثقيلا خلفه.. هكذا جريت إلى الحمام وملأت دلوًا من الماء عدة مرات، وسكبته على النار حتى أطفأتها بالجهود الذاتية
ثم لوح بالورقة وصاح في عصبية: هذا الرجل يجب أن يُعتقل.. أن يُعدم.. إنه قادر على التواجد في كل مكان وكل وقت.. في المرة القادمة سوف يفوز برأسي ولسوف تندمون يا حضرة الضابط.. ستندمون
ثم انفجر في البكاء
وسقط كوب الليمون على مكتبي
*******
حكيتُ القصة كما سجلتها لصديقي ثروت، وهو رجل ذكي.. ذكي لا يفوته شيء، وقد أصغى لي طويلاً ثم ضحك وقال: هذا الرجل مدحت كاذب طبعًا... لقد سمعت القصة، وهي كاذبة تمامًا.. ومعنى كل هذا الكذب شيء واحد: هذا الرجل مدحت هو قاتل العجوز وقد ألصق التهمة ببريء.. وبعد خروج مختار من السجن مصممًا على الإيقاع بالقاتل الحقيقي، أصيب الفأر مدحت بالذعر، وراح يحكي لكم سيلاً من الأكاذيب
ـ والدليل؟
ـ هناك ثلاثة أخطاء في قصته.. هل تعرف ما هي؟
*******
ولك عزيزي القاريء.. نسأل نفس السؤال
..
..
..