أرجو التكرم بالسماح لي بسرد قصتي البسيطة‏,‏ مقارنة بما اقرأه في بابكم الكريم من مآس ومشكلات تهون أمامها عظائم الأمور‏.‏

أنا يا سيدي شاب أبلغ من العمر‏35‏ عاما‏,‏ نشأت في أسرة مترابطة لأب يتفاني في خدمة أولاده وكان كل همه تربيتهم تربية صحيحة‏,‏ وأم لا تتواني عن عمل أي شيء لإسعاد أولادها وحتي لا أطيل علي سيادتكم فقد نشأت والحمد لله ملتزما ولي بعض الصفات الشخصية التي أعتز بها مثل حب العمل والنجاح والطموح والرغبة في التميز بالمجهود والثقة العالية بالنفس وكنت أثناء فترة الدراسة الجامعية أعمل بجانب الدراسة عملين منفصلين منهما مشروع خاص
برغم اعتراض الأهل علي الأمر إلا أني الحمد لله نجحت في التوفيق ما بين العمل والدراسة‏,‏ ولم يكن لي أي أهداف أيام الدراسة سوي النجاح في حد ذاته‏,‏ وكأي شاب في مقتبل العمر اهتممت بالمظهر والصداقات العابرة‏,‏ ولم أفكر يوما في تمديد حلمي ليشمل المستقبل‏,‏ إلي أن تعرفت علي زميلة لي أيام الدراسة‏,‏ أعجبت بشخصيتها القوية وجديتها المبالغ فيها والتزامها في كل شيء‏,‏ وأحسست أن تلك هي الفتاة التي أبحث عنها‏,‏ وتلك هي الصفات التي يتمناها أي شخص في شريكته ليكون سعيدا في حياته‏,‏ وتحدثنا وتفاهمنا وكانت نعم العون والمخطط للمستقبل‏,‏ وتقدمت لوالدتها وجلست معها وتحادثنا‏,‏ وتفضلت مشكورة بقبول كل ظروفي برغم أنهم أعلي من مستوانا ماديا واجتماعيا‏
ولكن السيدة الفاضلة تمنت لنا التوفيق والحمد لله وبمشاركتها لي في كل أموري نجحت في الزواج بدون أي مساعدة خارجية من الأهل وأنا عمري‏26‏ سنة بعد أن وفرت جميع الالتزامات المطلوبة مني‏,‏ وقبل الزواج بأيام قليلة اقترحت علي زوجتي عن طريق إعلان بالجريدة التقدم للالتحاق بعمل في دولة خليجية‏,‏ ولم يكن واردا في بالي موضوع السفر للخارج‏,‏ ولكني تلبية لرغبتها تقدمت للوظيفة‏,‏ وخرجت من المقابلة بعد‏10‏ دقائق وأنا مقتنع انه تم قبولي حتي قبل أن يبدي لي أي شخص الموافقة‏,‏ وبالفعل في صباح اليوم التالي قام مدير المكتب بالاتصال بي وحثي علي إنهاء الإجراءات وتم السفر‏,‏ ولحقت بي زوجتي بعد بضعة أشهر لنبدأ معا حياتنا الزوجية المأمولة‏
في أول أيام زواجنا في الغربة ومع مرور يومين فقط أحسست إحساسا غريبا يملؤني بأن زوجتي الحبيبة لديها نوع غريب من أنواع البرود‏,‏ لدرجة أنني وبدون قصد حدثت لي حالة اضطراب استمرت عدة أيام لم أقترب منها‏,‏ برغم أننا في أيام زواجنا الأولي‏,‏ ومرت بنا الأيام بحلوها ومرها ورزقنا الله بطفلة آية في الرقة والجمال وكانت نعم الهدية من الله عز وجل‏,‏ ومع طول فترة الزواج والشعور داخلي يزداد بعدي النفسي عن زوجتي برغم شهادتي بتميزها علي جميع الأصعدة في عملها وعلاقتها بأهلها وابنتها‏,‏ ولكن لم أجد لنفسي مكانا في حياتها برغم اقتناعي بأنها إنسانة في منتهي الرومانسية‏,‏ وبعد مدة من ولادة ابنتنا اشتقت مرة أخري للخلفة وطلبت منها أن تسمح بالحمل ولاقيت اعتراضا شديدا لمدة تزيد علي العامين حتي وافقت ورزقنا الله بطفل نعمة من المولي عز وجل‏
وخلال تلك الفترة كان البعد النفسي داخلي يزداد رغم عدم تلميحي مجرد التلميح لها بما يحدث داخلي وهي مقنعة بأنها نعم الزوجة ونعم العون لزوجها‏,‏ وكل من يشاهد أسرتنا يحسدنا علي ما يراه ولا يعلم ما في النفوس‏
وبعد فترة بدأت زوجتي تهتم بعملها ونجاحها فيه وبصديقاتها الموجودات باستمرار في بيتنا في وجودي وعدم وجودي‏,‏ ووصلنا لمرحلة وجود طفلينا مع الخادمة التي تقوم بعمل كل شيء للطفلين‏,‏ وأحسست من داخلي بزيادة الفجوة بيننا‏,‏ إلي أن بدأت تظهر في حياتي بعض الشخصيات التي تعطيني فقط مشاعر لا ألقاها في بيتي‏,‏ ورغما عني تعلقت بالكلمات وليس بالشخصيات‏,‏ وأكرر ليس بالشخصيات لكن فكرة الاهتمام في حذ ذاتها ملكتني‏,‏ إلي أن اكتشفت زوجتي مكالمة تليفونية من احداهن واقامت الدنيا وأصرت علي الانفصال لأن كرامتها لا تتحمل أن تقبل فكرة الخيانة‏,‏ لأنها لا تقصر في شيء مع العلم أن كل من حولنا‏,‏ خصوصا أهلها لاحظوا خلال الاجازات أني لا اقترب من زوجتي ولا مرة واحدة خلال الاجازة‏,‏ وهي لا تهتم بالأمر‏,‏ وأنا بكل صدق أهرب لاحساسي بالفجوة الرهيبة بيننا في المشاعر‏.‏
نزلت مصر إجازتي السنوية وأنا مقرر أن أحسم الموضوع وأصارحها بكل ما لدي‏,‏ وجلست مع والدتها وتفضلت مشكورة بتصحيح الأمر بيننا بعد أن صارحتها بكل ما يجول داخلي من مشاعر غربة عن زوجتي وبعد نفسي عنها وعن برود العلاقة بيننا‏,‏ وجلست مع زوجتي ولمحت في عينيها رغبتها في إتمام الصلح ولم اعترض علي أن تبقي في مصر وأرجع أنا لمقر عملي‏,‏ وبعد عدة أيام وجدتها تطلب مني العودة معي مرة أخري‏,‏ وعدم رغبتها في البقاء في مصر وبمنتهي الأمانة ساورني الشك في مدي مصداقية رغبتها في العودة؟ أهي عودة لحضن الزوج والبيت والأطفال أم عودة للعمل والأصدقاء والنجاح والمرتب العالي مرة اخري؟
المهم أنها بالفعل عادت مرة أخري وانتقلت من عملي إلي مركز مرموق في عاصمة الدولة التي نحن بها‏,‏ وفوجئت بتمسك زوجتي بعملها وإصرارها علي الاستمرار فيه لدرجة انني عندما خيرتها ما بيني وبين عملها اختارت عملها‏,‏ بل واقترحت علي بأن انتقل أنا لمقر عملي الجديد وتبقي هي في مدينة اخري مع أولادي في عملها‏.‏ كانت تلك هي اللحظة التي انتهي فيها كل شيء داخلي لتلك المرأة‏,‏ واتسعت الفجوة بيننا بصورة لم أكن أتصورها‏,‏ وانتقلنا لمقر العمل الجديد تحت إلحاح مني وقبل أن ألتحق بعملي الجديد كانت هي انتقلت بعملها نفسه لفرع المدينة الجديدة حتي لا تجلس في البيت وتربي الأولاد لأنها لا تحتمل الجلوس في البيت‏,‏ ووجدت زواجنا عبارة عن شخصين منفصلين تماما وكل شخص له حياته المستقلة خارج البيت وداخله‏,‏ وخلال تلك الفترة كنت أبحث فقط‏,‏ واكرر فقط‏.‏
عن كلمة حنونة ولحظة اهتمام ولو عبر الهاتف مع أي شخص لشعوري بالوحدة الداخلية والفراغ العاطفي‏,‏ ولا أعفي نفسي من المسئولية والإقرار بالخطأ تجاه الأمر لكن لكل إنسان لحظات ضعف يمر بها خلال حياته‏,‏ وتحول الموضوع داخلي لأزمة نفسية بعدم مقدرتي علي الاقتراب من تلك السيدة زوجتي لدرجة أنني لم أقترب منها في العام الأخير إلا مرتين واستشرت الاطباء‏,‏ وأقروا بأنني سليم وأن الموضوع نفسي لا أكثر‏.‏ وتكرر الموقف مرة أخري وبحثت عمن يشبعني نفسيا‏,‏ وكان من الطبيعي أن تكتشف رسائل موبايل خاصة بشخصية يبعد بيني وبينها أكثر من‏3000‏ كم وأقامت الدنيا وأصرت علي الانفصال‏,‏ وفوجئت خلال تلك الفترة بأنني كنت غافلا عن انني متزوج سيدة جميلة بشخصية رجل في منتهي القوة والجبروت الداخلي ـ قامت باتخاذ كل القرارات الخاصة بحياتنا بمفردها‏,‏ وتقدمت باستقالتها من عملها وحجزت لنفسها للعودة مع الأولاد لمصر بدون موافقتي‏,‏ وتقدمت للعمل في مصر وتمت الموافقة علي عملها بدون موافقتي وكأنها هي رجل البيت وليس أنا‏.‏
وخلال مناقشاتنا في تلك الفترة اعترفت لها بما يجول داخلي من مشاعر سيئة لها واني لا استطيع الاقتراب منها‏,‏ وهي فقط‏,‏ واعترفت لها لانها بدأت تسيء لي وتتهمني بصبرها علي عيوبي ومرضي‏,‏ وعندها صدمت بكلامي وتحولت لوحش كاسر أهانني واهان أهلي ومستواي‏,‏ وأنني المفترض أن أكون أسعد رجال الكون لأنها قبلت الزواج مني‏.‏
نزلت الزوجة الكريمة لبلدها معززة مكرمة وطلبت الانفصال قبل النزول وطلبت منها الوصول لبيتها أولا وهي علي ذمتي مثلما خرجت منه علي ذمتي وبعدها يحق لها طلب الطلاق وسوف أقوم بتطليقها بمجرد طلبها الانفصال‏,‏ ولم تطلب لليوم الانفصال برغم تأكدها بأنني فعلا لا استطيع أن أكمل معها مشوار حياتنا‏.‏
وتوسط من صديقاتها من توسط في الأمر‏,‏ وأنا رافض تماما لفكرة الصلح‏,‏ وهي تعامل أهلي أسوأ معاملة‏,‏ وحرمت أهلي من رؤية أولادي‏,‏ وحرمتني منهم‏,‏ ومع ذلك لم اقم بأي عمل أندم عليه لخوفي علي أولادي‏,‏ وأقوم بتحويل كل ما تطلبه من مصاريف لأولادي شهريا ويعتبر مبلغا ضخما جدا بشهادة كل من استشرتهم‏.‏
واليوم اكتب لسيادتكم برسالتي لطلب المشورة في أمر رغبتي الحقيقية في الزواج مرة اخري لأني عانيت الأمرين خلال فترة وجودي بمفردي في الغربة التي قاربت علي العام‏,‏ وكل مايجول بخاطري اولادي وتقبلهم لفكرة زواج أبيهم وهل انا سأظلمهم باقدامي علي فكرة الزواج؟
أي عروسة سأتقدم للزواج بها ستشترط أولا قيامي بتطليق زوجتي الأولي وانا لا أستطيع إكراما لها إلا بعد طلبها هي‏,‏ وليس لمجرد طلب العروس الجديدة وأهلها‏.‏
خوفي من علاقة اولادي بإخواتهم من أم أخري وخوفي من قيامها بتشويه صورتي أمام أولادي رغم انني لا أقصر في أي شيء تجاههم‏.‏
كل ماسبق أثر علي ظروفي الصحية ودخلت المستشفي عدة مرات بأزمات قلبية‏,‏ وتدهور وضعي في العمل لعدم قدرتي علي التركيز في عملي‏,‏ وأشعر بأن الدنيا تهرب من تحت قدمي‏.‏



*‏ سيدي‏..‏ لتسمح لي من البداية أن اعترف لك بأن سطور رسالتك لم تدفعني ـ داخليا ـ لإدانة زوجتك وتحميلها مسئولية فشل علاقتكما الزوجية وإن كان هذا لايعني أيضا ـ حسب ماجاء في رسالتك ـ أنها أخطأت في بعض تصرفاتها‏.‏
في نفس الوقت أميل إلي تحميلك المسئولية الكبري فيما وصلت إليه بأسرتك‏,‏ وأن الحل في يدك أنت لافي يد غيرك‏,‏ ودعني أبدأ معك منذ البداية‏,‏ أي منذ بداية الزواج‏,‏ من تلك اللحظة التي أحسست أنها من مستوي اجتماعي وعائلي أعلي منك‏,‏ فأي إنسان يتسرب إليه هذا الإحساس وهو مقدم علي الزواج من فتاة عليه أن يستشعر الخطر‏,‏ ويفهم أن تلك الزيجة مهددة بالانهيار‏,‏ سواء كان هذا الاحساس نابعا من داخلك‏,‏ أو نتيجة لتصرفات وسلوك زوجتك‏.‏ هذا الشعور ياصديقي يهزم الرجل‏,‏ يهز ثقته بنفسه يجعله يحس بأنه أقل‏,‏ لذا فعليه تقديم التنازلات‏,‏ وقد يفسر هذا احساسك منذ الأيام الأولي للزواج بأن زوجتك باردة
وأنها السبب في الاضطراب الذي ألم بك وأبعدك عنها‏,‏ هي حالة من الإسقاط للشعور بأنها أقل منك‏,‏ وأن بها عيبا يبعدك عنها‏..‏ فيزداد صراعك الداخلي‏,‏ تراها مثالية في أشياء عديدة‏,‏ ثم تبتعد عنها وتتهمها بالإهمال والانشغال بصديقاتها‏,‏ لتذهب أنت وحيدا بمبرراتك‏,‏ لتستمتع بمشاعر الأخريات واعجابهن واهتمامهن‏,‏ عبر الهاتف أو النت أو غيرهما من الوسائل‏.‏ كل هذا ولم تتوقف للحظة لتسأل نفسك عن مشاعر امرأتك تجاهك‏,‏ كيف تقترب وكيف تحنو وتهتم‏,‏ وهي تري نفورا وضعفا من زوجها‏.‏ المرأة الشرقية في مثل هذه الحالة تنسحب وتصمت‏,‏ لاتواجه ولاتجرح ولاتطلب‏,‏ تشعر فقط بالاهانة‏,‏ وقد تفسر هذا الغياب بأنه مرض ألم بزوجها‏,‏ فتندفع إلي إشغال نفسها بالعمل والصديقات‏.‏
ولكن عندما تكتشف وهي الصابرة الصامتة ـ أن زوجها الغائب المهين يعرف أخريات‏,‏ ماذا تنتظر منها أن تفعل؟

غضبت وهي المجروحة‏,‏ ولم تهدم المعبد‏,‏ عادت إليك بعد تدخل أمها‏,‏ عادت معك ولكنها لم تقبل أن تقبع وحيدة مع ألمها من غيابك في البيت وتشبثت بعملها لتحقق ذاتها‏,‏ فماذا فعلت أنت‏,‏استسلمت للحظات ضعفك‏,‏ وواصلت علاقاتك التي تمنحك الرضي النفسي عن ذاتك‏.‏ لم تسع ياسيدي مرة واحدة لمواجهتها بالأزمة التي تعيشها‏,‏ لم تأخذ بيدها‏,‏ وكأنك تريدها أن تبقي هكذا بعيدة مهانة‏.‏

الأسوا دائما في مثل هذه العلاقة هوالصمت‏,‏ فهو خنجر في المشاعر‏,‏ والعلاج الوحيد هو الحوار‏,‏ فإذا لم يؤت أكله‏,‏ فليس هناك مفر من استشارة متخصص في العلاج النفسي أو الأسري‏.‏
سيدي‏..‏ لم تغلق كل النوافذ بعد‏,‏ فرضي زوجتك بالوضع الحالي وعدم اصرارها علي الطلاق يشير إلي رغبتها في إنجاح هذه الزيجة‏,‏ والحفاظ علي أسرتكما الصغيرة‏,‏ لذا فإني أقترح عليك أن تعود إليها‏,‏ تصارحها بكل ماتشعر به‏,‏ تحاول أن تفتش في نفسك عن مواطن جمالها التي تعجبك ولاتتوقف عند عيوبها‏,‏ قل لها إنك تحبها وتحتاج إليها‏,‏ قل لها كلاما حلوا‏,‏ فالمرأة تلين من أذنيها‏,‏ تعاهدا علي المصارحة والاقتراب‏..‏ تحدثا طويلا عن أولادكما ومصلحتهما في استمرار حياتكما‏,‏ وثق بأن الحياة تذهب بنا حيث نشاء‏.‏ فليكن ذهابكما إلي السعادة‏,‏ لأن صفات زوجتك الطيبة أكثر من أخطائها‏,‏ وأنت ايضا بداخلك حرص علي عدم هدم البيت‏.‏ إنها خطوة واحدة ياصديقي تفصلك عن الاستقرار‏,‏ فلماذا تجعلها أميالا من الغضب والبعاد‏,‏ الفجوة بينكما ليست رهيبة كما تعتقد‏,‏ بل قد تكون ثقبا في المشاعر تحتاج لرتقه نية خالصة من كليكما‏,‏ فهل تفعلان؟