أن الله عز وجلّ أخبر الناس من إنس وجان وكشف لهم عن الكثير من العلوم التي قد تتجاوز إدراكهم لسبب عِظمها ، وخاصة ما يتعلق بالكتاب ونشء المادة وخلق الحياة الدنيا ، ومن ثم البعث ونشء الدار الآخرة ، ولسبب قِصر إدراك الناس وهم تحت تأثير تَغَشي زوج الحياة الدنيا ، صور الله عز وجلّ الأحداث وعرفها لهم ضمن ما ألفوه وحدود فطرتهم في نشء الحاضر ، ويرجع سبب ذلك التصوير بدلاً من الكشف عن ماهيّة أو هيئة الشيء المراد بيانه لسبب عدم توافق ماهيّة نشء مادة الحياة الدنيا وماهيّة الدار الآخرة أوالسماء العُلا ، مما يجعل الكشف عن حقيقتها أمرا يخرج عن حدود الإدراك الفطري للناس ، لذا ضرب الله عز وجلّ للناس في القرآن الكريم الكثير من الأمثال ، ليس بهدف تشبيه ذات الشيء بما هو من مثله في نشء الحياة الدنيا ، إنما لتعريفه ولبيان حسناته أوسيئاته بما يتناسب وقدرة الناس على فهمهم له ، وبالمثل ، فكلمة عرش الرحمن لا تتفق من حيث المضمون ومعنى كراسي ملوك الناس التي يجلسون عليها ، لكنها تُعرف الناس في مضمونها عن سلطان الله عز وجلّ في نشء الكون وملكه جلّ شأنه له ، وللسبب نفسه وردت الكثير من الآيات الكريمة في القرآن الكريم التي تَفصل بين ملك الناس المعنوي للأشياء المختلفة في الحياة الدنيا ، وبين ملك الله عز وجلّ المطلق المرتبط بأصل نشوء الأشياء وفي جوهر وجودها كقوله تعالى " أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ " 107 البقرة ، بمعنى أن ملك الله عز وجلّ للسماوات والأرض لا يقتصرعلى سيطرته جلّ شأنه عليها ، أو على التحكم في شئونها وحسب ، إنما يشمل ملكه جلّ شأنه لوجودها ولبقائها في الوضع التي هي عليه إلى أن تزول بأمره كقوله تعالى " إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَاإِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا " 41 فاطر ، بمعنى أن لو لم يُمسك الله عز وجلّ المادة المكونة للسماوات والأرض على الوضع التي هي عليه الآن ، لزالت ولأصبحت والعدم سواء ، لذا فملك الله عز وجلّ أصيل وراسخ في أسباب وفي وجود المملوك ، أمّا ملك الناس فهو استخلاف مؤقت للأشياء ينتقل بين شخص وآخر دون أن يتغيّر أو أن يزول ، وقوله تعالى " وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "189 آل عمران به بيان يَظهر فيه قدرته جلّ شأنه المطلقة القاهرة فوق كل شيء ضمن ملكه الشامل كقوله تعالى " لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "120 المائدة ، أو كقوله تعالى " تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "1 الملك ، فإن شاء عزوجلّ أن يترك ذلك المُلك لزال في اللحظة نفسها ، ولأصبح والعدم سواء من حيث لايستطيع أحد أن يبقيه بالوضع الذي هو عليه ، وهذا ما تؤيده الآية الكريمة السابقة في قوله تعالى" إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا "41 فاطر .

كذلك بيّن الله عز وجلّ للناس في القرآن الكريم عن السبب الذي من أجله خلق الوجود الدنيوي .... اقراء البحث.....

" وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ " 7 هود .

يُبين الله عز وجلّ في الآية الكريمة وغيرها ذات العلاقة أهمية الماء العظيمة التي يقوم عليه نشء الزوج الحيّ في الوجود الدنيوي ، وقوله تعالى " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ " ،لبيان سلطانه جلّ شأنه وما يتعلق بأسباب وجود السماوات والأرض وخلق الناس في الحياة الدنيا كهيئة زوج مُركب يقوم في نشئه على وجوده على الماء ، ... فلولا وجود الماء ما وجدت الحياة ، ولولا وجود الحياة ما خلق الله عز وجلّ السماوات والأرض التي تخدم خلق الناس عليها واستخلافهم لها ، وبذلك يُصبح المعنى من قوله تعالى " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ " إنما بيان يُظهر أهمية الماء وعلاقته بسلطان الله عزوجلّ فيما يخص النشأة الأولى ، لذا نود أن ننوه أنه لا يجوز لناس أن يُصورو الله عزوجلّ على أنه جلّ شأنه يقف أو يجلس أو أن تكون له صفة تقترب وما للناس من ماهيّة أوهيئة أو فطرة في خلقهم الدنيوي لقوله تعالى " فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير" 11 الشورى ، لذا فقوله تعالى " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء " به نفي قاطع يؤكد عدم التماثل بين ما هو في الوجود من ماهيّة وهيئة أو صفة وكل ما قد يخطر على بال بشر ووجه الحق جلّ وعلا ، وقوله تعالى في الآية السابقة " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ " ، يُظهر أهمية الماء في ملك الله عز وجلّ المتمثل بنشء الكون والحياة الدنيا .
....... اقراء البقية من البحث ...........

" اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ " 255 البقرة .

قوله تعالى " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ " ، بمعنى شمل بسلطانه وأحاط بعلمه جلّ شأنه مجمل الكون وأحداثه بما فيه من سماوات وأرضٍ من خلق الدّابة ، ذلك أن كلمة " كُرْسِيُّه " الوارد ذكرها في الآية الكريمة لا تعني أنه مِقعد جلوس ، لسبب أن المعنى ينطوي عليه تفسير لهيئة ذات الله عز وجلّ بإعطائه صفة الجلوس أو الوقوف التي تخص خلق الناس وفطرتهم ، وبذلك يكون المعنى الصحيح لكلمة " وَسِعَ كُرْسِيُّهُ " ينحصر على بيان إحاطة وشمول الله عز وجلّ بسلطانه وبعلمه المطلق لكل شيء بما في ذلك زمان ومكان نشء المادة الكونية وتشكيلها من العدم ، وخلق الأنفس في السماء العُلا ، ومن ثم نشء زوج الحياة الدنيا في جميع الأرض التي في جميع السماوات السبع ، ونشء البعث ومن بعده نشوء الدار الآخرة ... وما بعدها !!! .

.... راجع موقع البحث ..........

بالرجوع إلى ما سبق بيانه عن المادة وكيفيّة نشوئها ، اتضح أن العنصر الأصيل منها والقائم عليها في الوجود لا يتمثل في طاقتها الموجبة لحظة تحولها إلى مادة ( اقرأ باب مصدر المادةالكونية ) ، إنما يكمن في ذات الدهر الذي يقوم على احتوائها ومن ثم تحويلها إلى ماهي عليه كمادة ملموسة ، كما تَبين أن المادة تزول عندما يرفع الله عز وجلّ عنها تأثير الدهر ، لتتعادل وما هو مضاد لها من طاقة ، ثم لتزول ولتعود إلى حال العدم الذي كانت عليه قبل نشوئها ، لكن الدهر باقٍ ولا يتأثر أو يزول كما تزول المادة كونه من ذات الله عز وجلّ ، وكونه الأصل الذي أحدث وجودها أول مرّة ومن ثم احتوى مكوناتها في بعديّ الزمان والمكان ( الزمان والمكان من خصائص الدهر ) ، لذا نستنتج مما سبق أن الدهر هو العنصر الأصيل في نشوء مادة الدار الأولى ، ومن بعدها نشوء مادة الدار الآخرة ، لسبب أن التغيير بين الدارين قد يكون على نوعية الطاقة المحتواة من كل مادة وبعدها الزمني دون المكان ، كما تَبين أن مُلك الله عز وجل لا يقتصر على ذات المادة ، بل يشمل مُلكه جلّ شأنه الأصل منها المتمثل في ذات الدهر وما ينتج عنه من شقيّ المكان والزمان في كِلا حالتيّ النشء ( الدار الأولى ، والدارالآخرة ) بالإضافة إلى طاقتها المحتواة ، وبالمثل نجد أن زوال المادة وتفكك طاقتها ومن ثم صرفها عند قيام الساعة لا يُغير من ملك الله عز وجلّ في شيء لسبب أن المادة نشء مؤقت وغير أصيل ، ولسبب أن سلطان الله عز وجلّ لا يقوم على نشوء المادة المؤقتة ، إنما على الأصل منها المتمثل في ذات الدهر الذي أوجدها أول مرّة ومن ثم أبقاها على ما هي عليه بمشيئة الله عز وجلّ ، ومن قبله مُلك الله عز وجلّ للسماء العُلا ،وقوله تعالى " قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ " 86 المؤمنون ، به بيان يُميز الفرق بين مُلك الله عز وجلّ لذات السماوات والأرض ، وبين عظيم سلطانه الأزلي المتمثل في كلمة " الْعَرْشِ الْعَظِيمِ " ، التي تُضيف في معناها إلى مُلك الله عز وجلّ في أصل نشوء المادة ومن قبلها مُلك الله عز وجلّ للسماء العُلا لقوله تعالى " سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ "82 الزخرف ، أمّا بخصوص ما ورد عن قيام الساعة وصرف المادة الكونية تمهيدا لنشوء الدار الآخرة في قوله تعالى " وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ "75 الزمر ، فبه بيان يُظهر أن ملكوت الرحمن الأزلي بنشوء السماء العُلا من بعد زوال المادة في قوله تعالى " وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ "(16) الحاقة ، أي صُرفت جميع المادة وأصبح الكون خاليا منها ، وقوله تعالى " وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ " 17الحاقة ، لبيان ثبات سلطان الله عز وجلّ فيما يخص مكان النشء ، وما سينتج عنه من تغيير وخلق جديد للدار الآخرة التي هي الأخرى من ملكوت الله عز وجلّ ، بالإضافة إلى مُلك الله عز وجل للنشء الأزلي المتمثل في خلق السماء العُلا بما فيها من نشء الملائكة والأنفس والروح ، والتي يُرد إليها جميع أشكال النشء المادي في الحياة الدنيا ومن بعدها الدار الآخرة ، والتي لا يَحكمها زمان ولا مكان ، لذا فمُلك الرحمن المتمثل في كلمة " الْعَرْشِ " يشمل الأصل من النشء المادي في الحالتين كلتيهما ، بالإضافة إلى خاصيَّة مُلك الله عز وجلّ المتمثلة في السماء العُلا بمن فيها

منقووول