أكتب اليك الآن لأ تحدث عن مشكلة تعذبني وتؤرق ليلي ونهاري لعل كلماتك الحكيمة تريح قلبي وتجفف دموعي‏..‏ فأنا يا استاذي الفاضل سيدة شابة مررت بمحن وأزمات كثيرة في حياتي منذ أن تفتحت عيناي علي هذه الدنيا‏,‏ وكانت هذه المحن كثيرة ومتنوعة وصعبة علي جدا‏,‏ ولكني منذ صغري وإيماني بالله يمنحني الصبر والتفاؤل والأمل‏,‏ وكنت دائما أقول لنفسي إن غدا سيكون أفضل من اليوم وأمس وإن ما لا يكسرني يقويني وان الله مؤكدا سيجزيني خيرا علي صبري علي ابتلاءاته لي ورضائي بقضائه‏..‏ وانتظرت كثيرا لسنوات طويلة مكافأة الله لي وانتظرت ان يتحقق حلمي البسيط بأن أشعر بطعم الراحة والسعادة والاستقرار‏..‏ انتظرت يدا رحيمة تمتد لي وتجفف دموعي وقلبا حانيا يحتويني وحضنا دافئا يشعرني بالحنان والأمان‏..‏

انتظرت كثيرا ولكن حدث لي عكس كل ما كنت انتظره واحلم به فقد اعتصرتني الحياة وصبت علي المزيد من قسوتها وقسوة من عليها من الناس‏.‏ لن أحكي عن كل ما عانيته وتجاوزته بفضل الله ولكني سأحكي لك عن آخر صدمة حدثت لي وزلزلت كياني وحطمتني لدرجة تهدد بضياع كل ما فعلته من أعمال صالحة وعبادات وايمان بالله وصبر طوال سنوات عمري السابقة فقد طلقت من زواج دام لعدة سنوات مليئة بالمشاكل والدموع وحمدت الله وقلت لنفسي لعل هذا خير‏..‏

وكان هذا الزواج قد أثمر طفلا عمره الآن‏10‏ سنوات يعيش معي في شقة خاصة بي منذ طلاقي وحتي الآن ربيته وتحملت مسئوليته ومسئوليتي وحدي بدون معاونة من أي احد‏..‏ ومرت سنوات بعد طلاقي عانيت فيها الكثير وصادفت فيها الكثير من المشاكل والغش والخداع والمطاردة من الناس والشياطين ممن يحاولون استغلال سيدة وحيدة ومحاولة الاستفادة منها بكل الوسائل فهي في نظرهم فريسة سهلة تنتظر من يلتهمها وكانوا يغرونني في ذلك بالكثير والكثير حتي اضعف واستجيب لهم لكنني والحمد لله رفضت بشدة أيا من ذلك حتي وأنا في قمة ضعفي وذلك لخوفي من الله وعذابه ويقيني بأنه سيعوضني ويرزقني بزوج صالح يعفني ويحميني وأنسي معه حزني وآلامي وأجد معه كل ما افتقده وابحث عنه‏..‏

وتعرفت علي رجل كنت أحسبه ملتزما ويتقي الله ورأيت فيه الكثير من الصفات الجميلة التي قلما توجد في رجل واحد وعرض علي الزواج وفرحت كثيرا وقلت إنه اكثر انسان مناسب لي وانه هو الرجل المنتظر الذي بعثه الله لي لينقذني مما أنا فيه واحببته جدا لأكبر درجة ممكنة ووثقت به اشد الثقة‏,‏ وكان قد اخطأ في بداية تعارفنا وقال لي إنه مطلق لكنه أوضح لي فيما بعد أنه متزوج ولديه اطفال‏..‏ حاولت الابتعاد عنه بعد معرفتي لهذه الحقيقة وذلك لرفضي الزواج من رجل متزوج لأسباب عديدة‏,‏ ولكني لم استطع الابتعاد عنه‏,‏ لأنني كنت قد تعلقت به جدا وهو ايضا كذلك‏,‏ فعدت اليه بعد وعد منه بانه سيحاول اقناع زوجته بزواجنا حتي يكون ذلك بعلمها ورضاها وانه سوف يعاملنا بالعدل وفق شرع الله وقد قابل والدي وقال له هذا الكلام ووافقنا كلنا عليه ولم نجد فيه أي مشكلة‏..‏

ولكن زوجته رفضت بشدة وحدثت مشاكل كبيرة بينهما وصلت لطلبها الطلاق‏,‏ وقد اتصلت بها وشرحت لها ظروفي ومدي معاناتي واحتياجي الشديد من كل النواحي للزواج من هذا الرجل‏,‏ وتوسلت لها لكي توافق علي زواجي من زوجها بأي شروط تشترطها هي وقلت لها بأنني لن أجور علي حقوقها ولن آخذه منها ومن أولاده وانني مستعدة أن اتخلي عن حقي في أن يعاملني بالعدل والمساواة معها وانني موافقة علي ان يأتيني في الوقت الذي تحدده هي ولو ليوم واحد في الأسبوع‏..‏ يوم واحد أشعر فيه بالسعادة والراحة والأمان وانسي فيه هموم ومشاكل باقي أيام الأسبوع وأشحن فيه طاقتي لكي استطيع تحمل ومواجهة كل المشاق والصعاب التي أواجهها وحدي‏..‏ ولكنها رفضت بمنتهي القسوة والأنانية وقالت لي إنها لن تتركه ولو لدقيقة واحدة‏..‏ وأمام عنادها وأنانيتها وخوفه هو علي بيته وأطفاله قال لها إنه سوف يعدل عن هذه الفكرة‏..‏

ولكن في ذات الوقت ولتمسكنا ببعضنا اقترح علي ان نتزوج عرفيا حتي يستطيع مع الوقت ان يقنع زوجته واهله بزواجنا ويجعلهم يتقبلونه‏..‏ ووافقت علي هذه الفكرة التي لم أقبلها من كثيرين طلبوها مني قبله ولكني وافقت عليها معه هو بالذات لحبي الشديد‏.‏

وحدث ان تزوجنا عرفيا في وجود شهود وعاشرني معاشرة الأزواج لمدة نصف ساعة فقط كنت فيها اسعد انسانة في الوجود وحمدت الله وشكرته كثيرا علي السعادة التي منحني اياها بعد كل مالاقيته في حياتي وكنت اعتقد ان هذا بداية سعادتي ونهاية تعاستي‏,‏ ولم اكن اتوقع ابدا انني سأفقد هذه السعادة التي شعرت بها لدقائق معدودة وان تعاستي الحقيقية ستبدأ وانني سأصدم صدمة حياتي التي لم ولن اتحملها منذ حدوثها من عدة اشهر وحتي الآن‏..‏ لن تتوقع ماحدث ياسيدي‏..‏

فبعد زواجي منه بنصف ساعة تركني لاسباب واهية وبعدها بأيام قليلة طلقني بحجة ان زوجته اكتشفت زواجنا وانه لن يستطيع الاستمرار معي خاصة بعد الحاحي عليه بالاتصالات ورسائل الموبايل خلال الايام التي تركني فيها بعد زواجنا‏..‏ توسلت اليه لكي لايتركني واقسمت له بانني لن استطيع ان اعيش بدونه ولكنه لم يرحمني ولم يبال بتوسلاتي ودموعي وأدار لي ظهره وانا في اشد الاحتياج له‏..‏ رماني من اعلي السماوات الي اسفل ارض‏..‏

نسي كلامه عن حبه لي وتمسكه بي ووعوده بالوقوف بجانبي وعدم التخلي عني وتحول الي انسان آخر عكس تماما الانسان الذي عرفته واحببته بمنتهي الصدق والاخلاص والجنون‏..‏ تركني ونسيني وعاش حياته عادي جدا ولم يفكر حتي في الاتصال بي ولو لمرة واحدة منذ حدث ذلك من عدة شهور والي الان حتي يطمئن علي او علي الاقل ليعلم ماحدث لي بعد مافعله بي‏,‏ بل علي العكس غير ارقام تليفوناته واختفي من حياتي وأخرجني من حياته وكأني لم ادخلها ابدا‏..‏ ولم اكن اتوقع ذلك منه ابدا وكنت اعتقد ان لو كل الناس غدروا بي فهو الوحيد الذي لن يغدر بي وانه لن يخذلني ابدا‏..‏ لكنه مع الاسف فعلها وغدر بي وخذلني وقتل كل شيء جميل في‏,‏ ولم يترك لي الا الالم والعذاب والدموع واليأس وصدمة نفسية رهيبة لم اشف منها حتي الان برغم لجوئي الي الطب النفسي بدون فائدة‏..‏

والاكثر من ذلك انه افقدني اي امل في غدي وفي الحياة كلها وفي الناس وفي كل الاشياء الجميلة التي كنت احلم بها واتمناها من الله‏..‏ تصور افقدني الامل في الله؟ فقد شعرت بإحساس فظيع ارجو ان يسامحني الله عليه وهو ان الله قد خذلني وخيب رجائي فيه‏..‏ فقد كنت احسب نفسي من عباده المتقين المقربين الذين هم في رعايته وحمايته وكنت قد صليت كثيرا صلاة الاستخارة لله قبل هذا الزواج ودعوته كثيرا في كل وقت ان يقدر لي الزواج من هذا الانسان ويبارك زواجنا اذا كان هذا خيرا لي وان يبعد عني هذا الانسان ولا يزوجني به اذا كان هذا شرا لي‏..‏ فلما حدث وتزوجنا لم يكن عندي ادني شك في ان الله اختار لي الزواج به لعلمه بأن هذا خير لي‏..‏ ولكن بعد ماحدث اجد نفسي مضطربة واتساءل لماذا فعل الله هذا بي وانا العبدة الملتزمة المتقية له؟ فإذا كان هذا الزواج ليس خيرا لي فلماذا قدره الله لي ولم يبعد عني هذا الشخص بدون أن اتزوجه وكان هذا سيكون افضل وارحم لي؟

هل هذه هي مكافأة الله لي علي تديني والتزامي ومقاومتي للمعصية والشيطان واعوانه في احلك لحظات حياتي؟ لقد فقدت رغبتي في الحياة في هذه الدنيا المليئة بالكذب والخداع والظلم والقسوة والانانية‏..‏ كيف احيا وسط ناس يعيشون بهذه الصفات الكريهة‏.‏

كيف استطيع ان احب مرة أخري أو ان اثق في انسان آخر وأنا اعيش الآن كالاموات واتألم في كل لحظة بسبب اكثر انسان احببته ووثقت فيه في هذه الدنيا؟ وحالتي هذه دفعتني كثيرا الي التفكير في الانتحار حتي اتخلص من هذه الحياة ومن هذا العذاب واقدمت فعلا علي ذلك اكثر من مرة ولكني كنت اتراجع في آخر لحظة ليس حبا في الحياة أوخوفا من الموت ولكن فقط لخوفي من الله ومن عقابه برغم علمي بأن الرضا بالمقسوم عبادة ولكني مازلت بيني وبين نفسي غير راضية عما حدث لي ولا أجد فيه أي خير لي ولا حتي في المستقبل البعيد لأن لو كان استمراري مع هذا الشخص شرا لي لأبعده الله عني منذ البداية ومنعني من الزواج منه أصلا‏..‏ أرجو أن يسامحني الله علي شعوري هذا وعلي لومي له كلما تألمت وبكيت لانه كان قادرا علي تجنيبي هذه الصدمة وهذا العتاب ولكنه لم يفعل‏.‏

اعرف انك ربما تلومني علي ما قلته ولكن صدقني ما اعانيه اكبر بكثير مما قلته‏,‏ ومهما قلت فلن اجد كلمات تصف بحق ما أنا فيه واعرف انني قلت في البداية ان مالا يكسرني يقويني ولكن ما حدث لي لم يستطع أن يقويني هذه المرة لأنه بالفعل كسرني إلي آلاف القطع الصغيرة التي يستحيل جمعها واعادتها إلي ما كانت عليه فليس هناك اصعب من انكسار النفس والروح‏..‏ فماذا تقول لي وهل لديك ما تقوله لهذا الرجل ولزوجته؟




*‏ سيدتي‏..‏ لم يستوقفني في رسالتك إحساسك بالمرارة والألم تجاه شخص خدعك ـ بمساعدتك ـ وخان ثقتك التي وضعتها في غير محلها‏,‏ فهذا ليس بجديد‏,‏ وكلنا معرض لذلك‏,‏ ولكن ما استوقفني في كلماتك‏,‏ هو هذا العتاب لله سبحانه وتعالي‏,‏ وتعاملك مع هذه العلاقة السامية بالقطعة‏,‏ وكأن التزامك بالحفاظ علي نفسك من الزلل‏,‏ أو طاعتك لله‏,‏ يفرض عليه ـ حاشا لله ـ أن يحقق لك ما تريدين حسب حاجتك ورؤيتك‏,‏ متشككة في عدله ورحمته‏,‏ مطالبة بأن تريهما في اللحظة التي تناسبك وترضيك جاهلة قوله سبحانه وتعالي‏:‏ قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر صدق الله العظيم‏.‏

سيدتي‏..‏ ليست القلوب الطاهرة هي التي تتجنب المطر‏,‏ بل تلك التي تحمل المظلات‏,‏ وأنت وعلي الرغم من معاناتك في تجربة زواجك الأولي‏,‏ إلا فإنك اندفعت إلي موجة هادرة‏,‏ فيما كان عليك أن ترتجفي قبل الوقوف أمام الموجة الهادئة‏,‏ هكذا يفعل سيدتي من سبق له الغرق‏.‏

لا أعرف إلي أي شئ استندت إلي قبولك الارتباط برجل عجز أن يواجه واقعه ويتحمل ثمن اختياره‏,‏ فقرر أن يقودك إلي الطريق الخطأ‏,‏ لم تصل صلاة استخارة ليطمئن قلبك إلي زواج سري‏,‏ بل كانت صلاتك للسؤال والهداية إلي الخطأ‏,‏ ولأنك كنت مندفعة بمشاعرك قبلت أن تتزوجي سرا‏,‏ وهذا ما قال عنه علماؤنا إنه ليس زواجا شرعيا‏,‏ فالخطأ منك وعليك أن تتوبي إلي الله‏,‏ فالثمرة المحرمة لم تكن أبدا ثمرة الجائعين‏.‏

اخترت الإنسان الخطأ والوسيلة الخطأ‏,‏ فلومي نفسك أولا‏,‏ وثقي بعدل الله وعفوه وانتقامه‏,‏ ولا تيأسي من الحياة‏,‏ فليس من الحكمة أبدا أن نلقي بأنفسنا في البحر قبل أن تغرق السفينة‏,‏ فالحياة تستحق أن نعيشها لأنها كالشعلة إما أن نحترق بنارها‏,‏ أو نطفئها ونعيش في ظلام فماذا سيكون اختيارك؟‏!.‏

نصف ساعة زواج فقط تلك التي عشتها وتسألينني هل لدي ما أقوله لهذا الرجل المخادع وزوجته‏,‏ أما عن الزوجة فليس لدي أي عتب عليها ولا أتصور أبدا قبول زوجة وأم بنفس راضية أن تشاركها أخري في زوجها‏,‏ ومن حقها أن تدافع عن حياتها واستقرار أسرتها‏.‏

أما ما فعله معك هذا الرجل‏,‏ فهو ظلم بين‏,‏ اشتهاك ولم يستطع الوصول إليك‏,‏ فلجأ إلي صيغة الزواج العرفي المحرم‏,‏ أشبع شهوته الدونية في نصف ساعة‏,‏ ثم فر ليحافظ علي أسرته‏,‏ غافلا أن الله سبحانه وتعالي يقول في كتابه الكريم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم فوعد الله حق‏.‏

سيدتي‏..‏ لا تضربي رأسك في الحائط‏,‏ لأنك وحدك ستتألمين‏,‏ تذكري أن لك ابنا صغيرا في حاجة إليك وأنت مكلفة برعايته والاهتمام به‏..‏ ارض بما أنت فيه‏,‏ فليس الشقاء أن تكون أعمي‏,‏ بل الشقاء أن تعجز عن احتمال العمي‏,‏ كما قال المفكر الفيلسوف جون ميلتون‏..‏ فابحثي عن الجميل في حياتك‏..‏ ارضي بابتلاء الله ليكون لك الرضا‏,‏ وأصبري‏,‏ فالصبر ضياء‏,‏ وانسي هذا الرجل لأنه لا يستحق تألمك من أجله‏..‏ الأولي أن تتألمي لسوء ظنك بالرحمن الرحيم‏..‏ رحمك وهداك وخفف عنك وغفر لك ولنا‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.