وَقَفَاتٌ مَعَ الحب.. مِن روايَة / قُلوبٌ لا تَموت ..


نُـور مؤيد الجندلي


(1)

- مسكينٌ الحب ! طوّقوا عليه الحصار، وزجّوا به في زنزانة يومٍ يتيم، وقالوا له إنه عيدك، وطالبوا من الناس أن يحب بعضهم بعضاً في هذا اليوم، وأن يرتدوا اللون الأحمر، كمن يبحث عن دليلٍ ليصدّقه النّاسُ بأنه حقاً يحب!
باعوا الورد بأسعار باهظة، ليستغلوا هذا اليوم بأرباحٍ طائلة، إنني أفهم لغة التّجار، إنهم يعلبون المشاعر، ويغلفونها بألف غلاف، ثم يعرضونها بأشكال مختلفة، ويوهمونكَ بأنك تحتاجها حقاً، وبأنك لا تفهم معنى الحب، ولا تعرفه، مادمت لا ترتدي الأحمر، ولا تبتهج كما يبتهجون!
***
(2)
زميلتي بيان، كانت تبكي طوال اليوم لأنها لم تحصل على زهرة الحب ممن تحب، فكأنها ترياق الحياة بالنسبة إليها!
وسلمى ذهبت خلسة إلى محل الزهور وابتاعت وردة حمراء وأخذت تلوّح بها على مرأى من صديقاتها بغرور وكأنها عثرت عبر هذه الزّهرة على حب حياتها.
رنيم الأوفر حظاً بين فتيات الكلّيّة، والتي كانت تحسدها الفتيات على طاقة الزهر الرائعة التي وصلتها السنة الماضية في عيد الحب مع ساعة ثمينة من معجب، تغيّبت هذا اليوم، ولم تستطع الحضور، فقد انهارت تماماً بعد أن مزّق حبيبها عقد الزواج العرفي، فكانت ثمن حياتها طاقة من الورد وساعة ثمينة!

***
(3)
الحب يا أستاذتي كلمة سهلة في الكلام ، لكنها عميقة متقلبة وكثيرة التشعب . إنها تختلف كثيراً عن تلك المشاعر الزائفة التي يتحدثون عنها في الروايات . عندما يضيقون على الحب ويحصرونه بين المرأة والرجل في علاقة محرّمة ، ويوهموننا أن الزواج جحيم أبدي ، يروجون أن الحب يموت بالزواج ، ويتنامى كلما ازداد المرء انحلالاً . الحب في زماننا ضائع الهوية ، مسلوب القيمة ، مشوش الصورة ، لا معنى له ولا أمان باتباع سراب يشبهه . الحب مكتوبٌ بعضه هنا في سطور ، والبعض الآخر موجود في سطور الحياة ، ومن أحب الله أحب أرضه فأعمرها ، وأحب الخلق فأعانهم ، وأحب نفسه فقوّمها .. فهل أنا على خطأ ؟ أرجوكِ أخبريني ..
***
(4)
كم أتمنى يا مجد أن تكتبي عن الحب ، أن تبلغيهم الرسالة النبوية التي تقول : " المرء مع من أحب " .
لعلهم يفكرون بعلاقاتٍ تختفي داخل المقاهي المشبوهة ، والمطاعم البعيدة عن الرقباء ،والتي يتخرج منها مدمنو المخدرات ومرضى الإيدز وغيرهم من بؤساء .. ولعلهم يصغون إلى معنى مختلف من معاني الحب قد أضاعوه .. أو سلب منهم فتكون عودتهم مفعمة بالإيمان والثقة والحياة !

***
(5)
الحب والتفاهم بين الزوجين لا يأتي ببساطة ، قد تعانين يا سارة من اختلافٍ بينكما ، ولكن كوني حكيمة ، وحاولي أن تجدي طريقاً يوصلكِ إلى قلبه ، فإن وصلتِ فلن تتألمي أبداً معه .. وحكمي عقلك في كل الأمور ، فسينقذكِ اجتماع القلب والعقل من كل مأزق !
***
(6)
هل فقدنا حقاً حب الوطن عندما استسلمنا لرغباتنا الشخصية ومطامعنا ، فأبحنا لأنفسنا ما لا يحل لنا ، قبلنا الرشوة ، وتجاهلنا السرقة ، وصادقنا المحتال ، وضحكنا مع الكاذب ! ورغم ذلك ندعي الحب ، وتخفق قلوبنا له كلما سمعنا عنه ..! هل لأننا لم نحسن اكتشافه فظنناه في مال أو جاهٍ أو منصب ؟!أم لأننا نغمض أعيننا عن صورته الحقيقية المنطبعة في قلوبنا .
***
(7)
بلغة الخير والأمل سأكتب عن الحب الحقيقي في عالمنا . حب الأرض للزرع ، وحب الغريب للوطن ، وحب الأم لوليدها . لأهديها إلى سيدة عظيمة علمتني أبجديات الحب ، أتمنى أن يحوز على رضاها ..
***
(8)
" اكتشفتُ اليوم حباً كبيراً ولد في أعماقي ، كنتُ لا أراه ، ولا أحسّه ، فكأنني عشت معصوبة العينين والآن – حمداً لله - أخيراً قد رأيت ! " .
***
(9)
لم أكن أحلم يا أستاذتي بقصّة حبّ أعيشها حقيقة لما رأيتُ سامي في المرة الأولى ، وكنت أبتعد بحزني بعد ارتباطنا لشعوري أنني قد فقدت الأمل من أن تضيء شعلة حب حياتنا الباردة .
لكن الأمر اليوم مختلف ، شعوري مختلف ، وسعادتي أكبر من كل أمنية قد أتمناها في حياتي . فلتشطبي أمنيتي فإنني لم أعد أتمنى مالاً بقدر ما أحتاج السعادة الدائمة .
***
(10)

تلك الطفلة ..
ما الذي يدعوها لأن تخلع وجه البراءة عنها ، وأن تتلذذ بعذاب الآخرين ؟ ومن أين تعلمت فنون الغزل والحب والهيام ، ولغات الحب الكاذب ؟ّ!
هل هو الفراغ الذي استولى بوحشية على أوقات هذا الجيل ، فاحتار كيف يشغله ؟ أم صنوف الأفلام والمسلسلات التي تبثُّ على مدار الأربع والعشرين ساعة بكافة اللغات واللهجات والأفكار ، ليصغي إليها الجميع ويتشربون سمها ، ويشبّون عليها كأمرٍ معتاد ! يقلدون الأبطال ، بل وينافسونهم في أدوار البطولة ، وهم لا يعرفون أنها منافسة نحو الحضيض !
مسكينة أنتِ يا سهى ، ولستُ ألومك ، بل ألوم من قد حملوا أمانة تربيتكِ فخانوها !
ألوم والدتك وقد أودعتك إلى ضلال ولم تلتفت إلى خطر يداهمك ، وألوم والدك وهو يراكِ تتابعين ما تتابعين ، وقد يشاركك الاهتمام والمشاهدة ! دون أن يهتم كيف ستكبرين ، وأيّ وحشٍ بشري ستكونين ؟ وأي قيم ستحملين !
آه يا سهى بم أعدكِ وكيف أنتشلكِ أو أواسيكِ ، وفي قلبي قد بنيتِ مدائن الحزن ..
أيُّ فرح سيهدمها بعد اليوم.. أي فرح !
***
(11)
- سنبقى معاً من نهر الحب نستقي ماء زلالاً عذباً لنروي به كل العطاش لهذه العاطفة الجميلة ..


الأديبة / نُـور مؤيد الجندلي