"سيدي، أنا من قرائك الدائمين لكني لم أتصور أبدا أن أجد نفسي بحاجة الي ارسال مشكلتي اليك، فقد اعتدت دائما التغلب علي مشاكلي بقوة و حزم أما الان فأنا في حيرة حقيقية و أرجو ان تساعدني قبل أن يصيبني الجنون.

أنا يا سيدي فتاة في الثالثة و العشرين من عمري. لدي جهاز كمبيوتر بمبي أنيق أحتفظ عليه بثروة حقيقية من الأغاني التي تمثل لي كنزا ثمينا، و مع ذلك فلم أفكر أبدا في أخذ نسخة احتياطية من تلك الأغاني خشية حدوث عطل في الجهاز، و دائما ما تحدث الكارثة، يتحطم الجهاز تماما و أفقد جميع أغنياتي المحببة الي قلبي.

مهلا سيدي، هذه ليست المشكلة، بالعكس فأنا أعتبر فقداني لتلك الأغاني فرصة جيدة للتخلص من سيطرتها التامة علي و فرصة أفضل للحصول علي أغان جديدة من أجهزة مختلفة و أذواق مختلفة و لذلك فلم أفكر ابدا في استرجاع الاغاني القديمة لأنني استمتع دوما بأشيائي الجديدة. ستسألني إذن أين المشكلة؟

المشكلة يا سيدي هي أنني أتعامل بنفس هذا المنطق مع من أحبهم، فأنا يا سيدي، و أعتذر لصفاقتي، مليش عزيز و لا غالي.

يحدث لي دائما ان ارتبط بشخص أو مجموعة من الأشخاص و التصق بهم حتي لا أتخيل حياتي بدونهم، ثم أختفي من حياتهم او يختفون من حياتي فجأة و بدون مقدمات، فينتابني حزن لا يمكن احتماله ، لكنه للأسف يتحول بعد فترة قصير الي تجاهل تام و كأن هؤلاء لم يوجدوا أبدا. أطول فترة حزن مررت بها حتي الان لم تتجاوز السبعة أشهر، و مازالت فترات حزني في انكماش مستمر حتي وصلت الي ثلاثة أيام. مشكلتي الحقيقية يا سيدي ، و هي مشكلة تؤرقني و تقض مضجعي، هي أنني فتاة بلا حب أول. فأنا و قد بلغت من العمر أرذله، و بالرغم من كل قصص الحب التي مررت بها، مازلت أفتش في ثنايا عقلي فلا أجد بقايا أو حتي أطياف حب قديم، و اكاد أتذكر بصعوبة شديدة من أحببتهم فهم كثر. علاوة علي ذلك فأنا حتي الان لم اتمكن من التوصل الي مواصفات محددة تمكنني من اكتشاف حبي الأول. فالشاعر عندما قال:

نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب الا للحبيب الأول

لم يحدد في أي فترة زمنية من عمر الانسان يظهر ذلك الحب، و كيف يمكنني التفريق بين ما هو حب و ما هو غير حب. بالاضافة الي انه لم يحدد مواصفات ذلك الحب و لا عمره الافتراضي. يمكننا اذن ان نري بوضوح أن الشاعر لم يتحري الدقة عندما ألف قصيدته و هو خطأ لو تلافاه لوفر علي وقتا كبيرا أضعته في استرجاع جميع قصصي القديمة.

سيدي، لن أطيل عليك، لكني قررت أن تكون نقطة البداية في بحثي هي أول حب أتذكره. كنت في السادسة من عمري، بالتحديد في سنة اولي ابتدائي. كنت شخصية قوية و مسيطرة، أشطر واحدة في المدرسة، رئيسة الفصل، عضوة بفرقة الموسيقي، محبوبة من جميع المدرسين. باختصار كنت فتاة أحلام اي تلميذ. أما هو فكان مستمعا، و الطالب المستمع طالب مميز جدا لانه دائما ما يكون ابن أحد المدرسين مما يمنحه سلطة مطلقة علي جميع التلاميذ، و كان أيضا وسيما و له عينان ملونتان و بشرة فاتحة و هو شيء نادر الحدوث في بلدتنا. و مع ذلك فلم التفت له ابدا، أولا لانه كان أصغر مني بعام كامل، و كنت وقتها مقتنعة بأن الرجل يجب أن يكبر زوجته بثمانية أعوام لأن أبي كان أكبر من امي بثمانية أعوام، ثانيا لأنني لم أكن أفكر في الزواج وقتها. بدأت الشائعات تنتشر حولنا و أخبرتني صديقتي بأن شادي أخبر الجميع بأنه سيتزوجني! صدمني الخبر و تشاجرت معه في ذلك اليوم و كتبت اسمه علي السبورة. استمرت مطارداته لي و كان يجري و رائي في الفصل بين الادراج و في حوش المدرسة عارضا الزواج و بدأت مقاومتي في الانهيار تدريجيا و انجذبت اليه أخيرا حتي حدث ما لم يكن في الحسبان. تحداني ذات يوم بأنه يستطيع قراءة الصحف أفضل مني، جمعنا التلاميذ و بدأنا مسابقة قراءة الصحف و استطعت قراءة الخبر الأول كاملا بينما لم يستطع هو قراءة خبره كاملا. كانت تلك نهاية قصتنا، فلم يكن من المعقول أن اتزوج واحد بليد.

ظللت بلا حب لفترة من الوقت، حتي دق قلبي مرة أخري و أنا في السابعة من العمر. أحببت الساحر ديفيد كوبر فيلد و كنت انتظر فقرته بفارغ الصبر بسهرة يوم الاربعاء علي القناة الثانية، و انظر اليه بولع شديد و هو يقطع امرأة الي نصفين بينما يبتسم ببرود أو يمسك البيضة بقبضته ثم يفتحها لنجد أن البيضة قد اختفت. أحببت شعره الاسود اللامع و ابتسامته العريضة، و خلال الاسبوع كنت اعيش علي ذكراه بينما استمع الي اغنية I wanna a hero .

لم يستغرق الامر وقتا طويلا حتي بدأت قصتي الجديدة. تلك المرة كان ممثلا مغمورا أدي دورا لا يذكر في فيلم عمر المختار مع انتوني كوين. أحببته لأنه أنقذ عمر المختار بالرغم من انه كان ضابطا ايطاليا و كان حبه أزمة كبيرة لي لأنه لم يظهر الا في مشهدين و كنت كلما تذكرته أتذكره من خلال هذين المشهدين فقط مما تسبب في أزمة حقيقية لخيالي.

في نهاية الصف الخامس الابتدائي، و بالتحديد يوم اعلان النتيجة، حدث شيئ غير متوقع علي الاطلاق. جاءت هناء احدي زميلاتي في المدرسة بخطاب من حسين زميلنا في نفس الفصل. كنت دائما الاولي علي المدرسة بينما تنافس حسين و هشام علي المركزين الثاني و الثالث. كنت أكره هشام لأنه شديد البياض و كان من وجه بحري و كنت أشعر دائما أنه ولد مايع و متدلع. أما حسين فكنت أكرهه جدا لأن شعره مفلفل و شبه ولد غلس جدا بيمثل في برامج الاطفال و المسلسلات. فتحت الخطاب لأجد مفاجأة كبري. كتب لي حسين أنه يحبني جدا و أنه أحبني منذ كنا في الصف الأول لكنه لم يستطع أبدا مصارحتي بحبه و أنه لا يتخيل حياته بدوني عندما ينتقل الي مدرسته الاعدادية (اولاد فقط) و انه يتمني أن نظل علي اتصال. شعرت بغضب شديد لصفاقته و قلة أدبه و انتابني قلق علي سمعتي في المدرسة، و خفت من ان تنشر هناء أمر الخطاب في المدرسة فأخبرتها أنه أراد فقط أن يطمئن علي مجموعي و طلبت منها اخباره بمجموعي و أني سأظل دائما أشطر منه (قلت ذلك بتشفي). بعد أن انصرفت هناء قمت بتقطيع الجواب الي 900 قطعة و رميته في الزبالة خوفا من أن تراه أمي. بالليل حلمت أنني ضربت حسين بالقلم و قلت له ان انا اهون علي احب هشام المايص و لا ابصله. أشفقت بعدها جدا علي حسين و تخيلت وقع الصدمة عليه و تحولت شفقتي الي حب، لكن للاسف اختفي حسين من حياتي تماما و لا اعرف طريقه أو اخباره حتي الان.

سيدي، لا تختلف قصص حبي الطفولية كثيرا عن قصصي في مختلف مراحل حياتي، عامل واحد فقط يجمع بين كل قصصي، هو البلاهة. و يبقي سؤالي حائرا بلا اجابة ... من هو حبي الأول؟!