نظرية الفضيحة


كثيرا ما توقفت أمام مشكلتي فأراها دائما أنها عادية ومكررة في المجتمع ولهذا كلما هممت ان اكتب الي بابكم الكريم المفتوح علي مصراعيه لمختلف المشكلات الاجتماعية تتوقف يدي عن الكتابة وأقول ليس هناك داع ان يمل الناس من قراءة حكايات معادة تتكرر يوميا فأكف عن الكتابة وادعو الله ان يأتي اليوم الذي تستقيم فيه الأمور‏,‏ متمسكا في ذلك بإيماني بالله ثم بالأمل والتفاؤل الذي يجب أن يكون عنوان الإنسان في حياته مهما هاجمته المشكلات ومهما قسا عليه الآخرون‏.‏

فأنا يا سيدي رجل قاربت علي الخمسين من عمري وأعمل في وظيفة مرموقة وطموح إلي درجة وضعتني من المتميزين بين أقراني‏.‏ تزوجت في بداية حياتي العملية قبل أن يكون لدي الخبرات الكافية للحكم علي الآخر والاختيارالصحيح من فتاة تصغرني بشهور قليلة‏,‏ لم أفطن في بداية الأمر أنها متسلطة ذات شخصيتين مختلفتين تماما‏.‏ الأولي كريمة ودود والثانية وهي السائدة متسلطة سيادية لديها قدرة عظيمة علي صناعة المشكلة علي أتفه الأسباب فتثور بعصبية وتقول ما لا يود أي انسان سماعه‏,‏ حيث إنها تعتمد علي نظرية الفضيحة‏,‏ فتفتح الشبابيك وتزعق كالبوم بأعلي صوتها بكلام فارغ ليس له أي صلة بالموضوع محل الخلاف ومواضيع مضي عليها سنوات عديدة‏

وعبثا احاول إسكاتها وبأي وسيلة حتي لا يستمع الجيران إلي ما تقول وكنت أضطر في كثير من الأحيان الي ان اضربها لتدوخ أو يغمي عليها فتفوق بعدها وتندم علي ما فعلت وتقبل يدي وتطلب السماح لثورتها علي شئ تافه وان الحياة جميلة ولا يجب أن نلوثها بالمشكلات علي تفاهات وتطلب مني أن أحاول وبأي وسيلة إيقافها عندما تبدأ ثورتها حتي لا تصل الي هذه الحالة ولكن هيهات أن افعل عندما تتكرر مثل هذه الحالات‏,‏ فهي عندما تبدأ ليس لها من إيقاف إلا لطمة قوية علي وجهها ليغمي عليها تفوق بعدها لتندم علي ما كان منها‏.‏

وهذا السيناريو كان هو السائد في أول عشر سنوات من عمر حياتنا الزوجية التي رزقنا فيها الله بولد وبنت‏,‏ وخلال هذه السنوات العشر قضينا أربع سنوات في إحدي الدول العربية أكرمنا الله فيها وغيرنا فيها معظم الأجهزة والموبيليات واشترينا شقة جديدة وسيارة جميلة‏.‏ وتسألني‏:‏ وهل طبقت نفس السيناريو في خارج مصر؟ اقول نعم وعلي نفس الوتيرة‏,‏ لدرجة أننا عقدنا العزم من شدة الحالة أن تعود هي مع أولادنا وتتركني ولكنني لم أفعل لتمسكي بأمل ان يأتي اليوم الذي نعيش فيه ولا يتكرر هذا السيناريو‏,‏ وعدنا الي مصر لتستمر نفس الحالة ولكن مع اختلاف السيناريو فقد وجدت ان الضرب ليس هو الوسيلة التي ينبغي أن تكون في مثل هذا العمر أو حتي في غيره خصوصا مع وجود أولاد ليسوا صغارا وتربيتهم أصبحت من اهم محاور الحياة‏.‏ فما هو السيناريو الجديد؟‏.‏

عبثا مني لجأت إلي الأهل لأول مرة وصعقوا لوجود مثل هذه المشكلات طوال كل هذه الفترة من العمر دون أدني تصريح بشيء عن تلك المشكلات‏.‏ واستمر سيناريو ومسلسل اختلاق المشكلات ونظرية الفضيحة التي امتدت إلي الاتصال بالتليفون لتحكي أشياء تافهة لأصحابها أو لاخوتها‏,‏ ووجدت نفسي‏,‏ شيئا فشيئا ابتعد عنها عاطفيا نظرا لأن المشكلة الواحدة كانت تستمر لأكثر من ثلاثة أشهر في نكد وخصام ثم الصلح الذي لا تزيد مدته في أحسن الحالات علي أسبوع يعود بعدها المسلسل لنفس السيناريو الجديد مشكلة تافهة أو فهم خاطيء لشيء ما يعقبه ثورة عارمة لا يعلم مداها إلا الله ثم الجيران الذين يستمعون لهذه الفضيحة أو يتدخلون لإنقاذ إنسانة تصرخ وتنعق وكأنها في حريق

يعقب ذلك الهجر مني لمدة طويلة وأنغمس في عملي وأتقدم فيه بخطي ممتازة إلي ان تفاقمت الأمور بأني وجدت نفسي أميل إلي أن ارتبط بأخري‏.‏ وفي لحظة من لحظات الصفاء القليلة نبهتها إلي الخطر الذي بدأ يداهمني من شدة المشكلات والهجر بأنني لا أستطيع أن افعل المعاصي ـ وما أوفرها ـ لأنني من بيت تربي علي القرآن وعلي الفضيلة‏.‏ وأحذرها من الاستمرار في مسلسل المشكلات التي لا يحتملها بشر والتي سوف تؤدي بنا إلي الافتراق‏.‏

ولكن هيهات أن تضبط نفسها‏,‏ لدرجة أنها ذهبت الي الشيوخ والدجالين ظنا أن يكون هناك شيء ما يؤثر فيها ومع كل مرة تهدأ نفسها قليلا وأكاد اصدق ان هذا شيء خارج عن إرادتها‏,‏ وأسألها أحقا هذا‏:‏ أنت الآن جميلة هادئة مستأنسة أحقا هذا؟ هل كان ما حدث خارجا عن إرادتك وأنت الآن بشخصيتك الحقيقية‏,‏ فتقول نعم وتؤكد ذلك‏.‏ ثم لا تلبث أن تعود إلي ما كانت عليه وكما يقولون العجل في طينه لدرجة تجعلني أندم أنني أسايرها مع الآخرين في اللجوء إلي مثل هذه السبل وأندم أكثر لرجوعي الي حالتي الطبيعية في التعامل معها ثم افاجأ بنفس السيناريو الذي يجعلني في كثير من الأحيان أريد ان أقتلها لأتخلص من هذا السيناريو البشع في ردود الأفعال‏.‏

وتسألني‏:‏ وماذا فعلت كل هذه السنوات؟ وأقول‏:‏ لم أترك وسيلة للإصلاح إلا وفعلتها أملا في الإصلاح بل إنني اتبعت اسلوب البحث والتجريب‏(‏ وهي وظيفتي‏)‏ في المعاملة حتي تستقيم الأمور وحتي يتربي أبناؤنا بيننا ولكن هيهات‏.‏ وبدأنا ندخل في أنفاق مظلمة‏..‏ هجر طويل وطلاق وقسوة‏..‏ ثم ارتبطت بأخري وسافرت إلي الخارج في مهمة علمية رجعت بعدها لأجد جميع من أعرفهم ومن لا أعرفهم يقفون لي ويقولون إنها تغيرت كليا وعادت إنسانة طبيعية وتعلمت من تلك الفترة التي تركتها فيها‏,‏ لدرجة أن إخوتها طلبوا مني ذلك‏,‏ وذهبت وجلست معها لأستمع وأري‏.‏

وفعلا وجدت إنسانة ليس لها مثيل في التفاهم والحب الفياض والعطاء بلا حدود والإخلاص‏,‏ لدرجة أنها حتي أعود لها كتبت لي تنازلا عن جميع مستحقاتها حتي أضمن أنها لن تعود إلي الماضي المؤلم‏.‏ ماذا تفعل لو كنت مكاني‏,‏ زوجة كهذه مع أبناء يحتاجون إلي الأب كما يحتاجون إلي الأم مع بيت مكتمل الأركان بجميع المتطلبات‏.‏ هل تترك مثل هذا وتذهب إلي من ارتبطت بها لتعود من جديد الي تجهيزات وشقة وأعباء وخلافه وقد مر من العمر أكثر مما بقي‏.‏ لا أخفيك سرا تركت تلك الفتاة التي اتفقت معها علي الارتباط وأنا أؤنب نفسي أنني سببت ضررا نفسيا بالغا لفتاة ليس لها أي ذنب إلا أنها أحبتني ورغبت في الارتباط بي‏,‏ وعدت الي بيتي وأنا ألملم نفسي وأحاول استعادة الثقة المفقودة

وأحاول وأجاهد نفسي لنسيان تلك الفتاة وادعو الله أن يعوضها عني خيرا‏.‏ وقضيت ما يقرب من الشهرين في رغد الحياة مع زوجة لم أسمع أن لها مثيلا من قبل مع تأثري الداخلي غير المعلن علي ما سببته لتلك الفتاة من ألم نفسي‏,‏ وما لبثت أن انقلبت الموازين وعادت زوجتي ليس إلي سابق عهدها فقط بل إلي أبشع مما كانت عليه لأن الذاكرة التي تستخدمها ساعة الشدة أي اثناء الصراخ لتفعيل نظريتها‏(‏ نظرية الفضيحة‏)‏ زادت ساعتها لتشمل مواضيع جديدة مثل خطوبتي السابقة لتدلي بتصريحات عنها أثناء نشرة الأخبار التي رخها علي الجيران وعبر التليفون من آن لآخر وتضيف اليها من وحي الخيال المريض ما شاءت‏,‏ وأنا أنظر إليها ولا أستطيع فعل شيء سوي أنني أحاول إسكاتها وحتي لا أتهور عليها أترك لها المكان وأخرج‏,‏ ولم يعجبها أنني أترك الشقة ساعة حدوث المشاكل فتهجم علي وتفعل كما الرجال في السوق‏.‏ ومر علي هذا الحال سبع سنوات أخري علي نفس الوتيرة مشاكل لأتفه الأسباب يعقبها فضائح ثم هجر ثم تطلب السماح وتقسم بأغلظ الأيمان بأنها لن تعود إلي مثل هذا الأسلوب أبدا‏,‏ ولكن كيف يتسني لها ذلك وهذا الفعل ليس فقط جزءا من الشخصية وإنما هو الشخصية ذاتها؟

وخلال حياتي المعذبة التي أصبحت أقضي معظم الوقت فيها في عملي أنغمس أكثر في حياتي العملية وأبني مستقبلي وأتقدم في الدرجات حتي صار الكثير يحسدونني بل ويحقدون علي وهم لا يعلمون أنني وإن كنت أحب العمل الي درجة كبيرة إلا أنني أهرب من الجحيم لأجد نفسي في عمل يأخذ مني كل ساعات النهار وجزءا من الليل‏,‏ وصرت فقط الممول الصامت الذي يحاول ألا ينطق بكلمة عن اي موضوع ولا يعلق علي أي كلمة خشية عرض المسلسل الذي كرهته وكرهت بطلته‏,‏ وصرت أخرس أبكم في بيتي الذي صار لي فقط مكانا للمبيت في فراش خاص في معظم أوقاتي وليس لي في البيت إلا حب ابنتي الصغيرة التي نسيت أن أقول إنها كان نتاج تلك الأيام الجميلة التي عشتها بعد رجوعي إلي البيت مباشرة وهي الآن بهجتي وحياتي‏.‏ والآن وبعد مرور حوالي‏22‏ عاما من عرض ذلك المسلسل الممل وبعد أن كبر الأبناء ودخلوا الجامعات لم أعد أحتمل وصرت أثور لأتفه الأسباب ولا أطيق أن أسمع حتي صوتها‏.‏ وارتبطت عاطفيا مع قريبة لي واتفقنا علي الزواج وأنا أنازع نفسي بين حياتي الماضية التي قضيتها في دمار نفسي داخل بيتي وبين أبنائي الذين أحبهم‏(‏ والذين تؤلبهم علي ويعترفون لي بذلك لحظات الصفاء‏)‏

وبين حياتي المقبلة التي أريد أن أعيشها في هدوء نفسي بعيدا عن مشكلات مشابهة في الوقت الذي هي مازالت تقسم وبعد مرور أكثر من‏22‏ عاما أنها سوف تصلح من نفسها‏,‏ وبالطبع لا أستطيع تصديقها ولا أريد أن اسمعها‏.‏ أريد ان اسمع نصيحتك‏,‏ هل لإنسان مهما أوتي من صبر أن يتحمل ويعاني مثل ما عانيته ويستمر في تلك المعاناة داخل بيته في الوقت الذي أصبحت فيه عصبيا لا أتحملها وقد يحدث ما لا تحمد عقباه في إحدي حلقات مسلسلها فأخسر نفسي ويخسرنا أولادنا وتضيع حياة الأسرة‏..‏ أم ابتعد عنها وأطلقها للمرة الثالثة وقد يكون هذا أقل الضررين؟‏!.‏



الرد :*‏ سيدي‏..‏ نعم قصتك متكررة‏,‏ بدءا من الزواج بدون تأن أو دراسة أو معرفة كافية بشريك الحياة‏,‏ ومرورا بالأزمات القاسية التي تكشف عن وجهها مبكرا ولا نتعامل معها بالأهمية التي تستحقها‏,‏ ونعتقد أننا قادرون علي تجاوزها مع الأيام‏,‏ لأننا لم نرها بحجمها الطبيعي‏,‏ حتي يأتي الي الحياة شركاء جدد وهم الابناء‏,‏ فنواصل التنازل تلو الآخر حماية للأبناء‏,‏ حتي نصل في النهاية‏,‏ وبعد تسرب سنوات العمر الي ما وصلت اليه الآن‏,‏ فيصبح القرار أكثر قسوة وصعوبة وتأثيرا علي كل الأطراف‏.‏

ليتك سيدي حدثتني قليلا عن أبنائك‏,‏ وعما حدث لهم بسبب هذه العلاقة الغريبة‏,‏ لعل هذا كان يسعفني أو يساعدني في التفكير معك‏.‏ هل أولادك طبيعيون؟‏,‏ كيف يواجهون مجتمعهم الذي يشاهد فضائح والديهم علي الهواء مباشرة؟‏,‏ وهل هم راضون عن تصرفات أمهم ويلتمسون لها الأعذار؟ لو كانت إجابة السؤال الأخير بنعم‏,‏ فهذا يعني غياب الحقيقة عن روايتك؟ ولو غضبوا يوما‏,‏ ماذا فعلوا؟ هل لاموها أواتخذوا موقفا منها ليعيدوها إلي رشدها؟

سيدي‏..‏ لو سلمت تماما بما جاء في رسالتك‏,‏ فهذا يعني أنك زوج غير محظوظ‏,‏ عانيت كثيرا علي مدي‏22‏ عاما‏,‏ ودفعت الكثير من أعصابك وإحساسك حرصا علي استقرار أسرتك‏,‏ وأملك في أن ينصلح الحال ـ الذي لم ينصلح أبدا ـ فليكن جزاؤك علي ما فات عند الله الذي لا تضيع عنده الحقوق‏.‏

والحقيقة التي لم أستطع أن أخفيها‏,‏ أن تعاطفا ما بداخلي تجاه زوجتك‏,‏ شيء ما يرفضه عقلي‏,‏ فلا أتخيل أن امرأة ما يمكنها التفريط بهذه السهولة في سعادتها واستقرارها‏,‏ مع رجل مثلك‏,‏ خاصة انها قبلت الذهاب إلي دجالين ومشعوذين وتنازلت لك عن كل حقوقها أملا في أن تردع نفسها ولكنها فشلت‏,‏ فهل يمكن أن تفعل ذلك بإرادتها؟

ما أقصده ـ يا سيدي ـ من سؤالي‏,‏ هو أنك سلكت معها كل الطرق غير الطبيعية فلم تؤت ثمارا‏,‏ وأغمضتم عيونكم عن الطريق الطبيعي لمثل هذه الحالة وهو الذهاب الي طبيب نفسي‏..‏ فقد تكون مريضة وتحتاج إلي العلاج لا إلي الضرب أو الطلاق‏,‏ فإذا كانت كذلك فهي تستحق الرعاية لا التطليق‏.‏ أما اذا أكد لك الأطباء أن ما تفعله سوء سلوك ليس له علاج‏,‏ فليس أمامك الا خياران‏,‏ الأول هو أن تبقي عليها من أجل الأبناء‏,‏ تقديرا لهم وحرصا عليهم‏,‏ وتتزوج بمن اخترت‏,‏ فإذا صعب هذا القرار لأسباب تتعلق بها هي وليس بالزوجة الثانية‏,‏ فلن يكون أمامك الا أبغض الحلال‏,‏ حماية لنفسك ولأبنائك‏..‏ وفقك الله وهدي لك زوجتك وحفظ أبناءكما‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏