يسير الناس بتعجل...اسفل الشمس الحارقه فى المدينه المتسرعه
يبتعد الماره بعضهم عن بعض لافساح الطريق للسياره الفاخره المتعجله بدورها
يتشبت بها احد راكبين الدراجات ممسكا بمؤخره السياره بيده اليسره وبيده اليمنى يحاول التحكم فى قياده دراجته
تطلق السياره بعض المنبهات وتطلق الدراجه هى الاخرى اجراسها لتعبر عن حمى الجنون الناتج من احتراق الجو......ويبتعد الماره اكثر عن الطريق فيصبح فارغا تماما الا من تلك السيده العجوز التى تعبر الطريق فى بطىء قاتل ومميت ...والسياره تقترب باتجاها فى سرعه تحمل معها تيار الموت
تتسمر العجوز فى مكانها وتنظر الى السياره وعلى ملامحى شتى انواع الرعب...تحاول السياره الفاخره ان تتجاوز العجوز ..وتبتعد عنها وتتفادها فتنتطلق باتجاه اليسار ..لتخترق زجاج ذلك المحل ولتلقى براكب الدراجه هناك........ملقى على الارض تنزف منه الدماء بغزاره


مر اسبوعان على هذا الحال
والمسكين ما يزال فى المشفى يتلقى العلاج
عرفوا عنه الاطباء من دراجته ومن ملابسه ومن ادواته
انه ساعى بريد
يحمل خطاب عاجل
عاجل .. عاجل



المياه تتبعثر على الازهار الحزينه الملاقاه على الارض
يسقيها الرجل المسن الحزين
تتساقط مع المياه بعض دموعه
فتمتزج بعضها ببعض
ويصعب التفريق بينهما
تنقطع المياه من السقوط من ذلك الكوز
وكأن الازهار قد انتعشت وأعلنت عودتها للانتعاش
وانقطع مع سقوط المياه
دموع المسن وحزنه
وعادت ابتسامه طيبه من قلب رحيم
وذلك حين رأى حفيده يلهو ويقفز ويطارد الفراشات الجميله
ثم يتجه الى الداخل ليأتى باحدى البلونات فيقزفها الى اعلى وفى عين ضحكه طفل متفائل بالحياه
اتسعت الابتسامه على شفتيه وظل ينظر باتجاه حفيده وشرد بعقله
فى
حفيده البالغ من العمر العاشره
الذى اصيب بامراض شتى
وكان من ضمن الامراض
مرض علاجه ان يفقد خصلات شعره
واحده تلو الاخرى
وبدأت الابتسامه تختفى من وجه الجد
ولكن لم يمنع ذلك من وجود شبح ابتسامه
يحمل معها بعض الامل


(اى امل ذلك الذى تتحدث عنه)
قالها الطبيب بعصبيه الى مساعده الغبى
رد عليه مساعده "الا يمكننا ان نفعل شىء له ايها الطبيب...اى شىء؟؟
حك الطبيب رأسه ثم قال فى فتور"كل مشكلته انه عنده سيوله فى الدم حقنه واحده وسيشفى ولكن هل تعلم انت كم ثمن هذه الحقنه؟....دعه ينتظر اجله
ثم نظر اليه وتابع بأستنكار"ما همك به؟؟........انه بوسطجى؟؟
(وهنا مشفى خاص)
بدأت خيبه الامل واضحه على وجه مساعده
وهم بقول شىء للطبيب الذى لم ينتظره وغادر المكان
واتجه المساعد الى الركن الخالى هناك
وشعر بنفسه ينكمش وينكمش
وجسده الهزيل يرتعش
ونطق بكلمات ضعيفه خاليه من الحياه
"انه صديقى..ايها الطبيب
انه صديقى ..ايها الطبيب
انه صديقى
ايها الحقير..!!


ظل الجد يداعب حفيده
من مزاح الى قصص خرافيه
يحاول ان يعطيه الامل
لا للطفل
بل لقلبه المسن
يحاول ان يغرس الامل بالمستقبل فى قلبه
احيانا ينظر الى حفيده فيرى شمس الامل امامه
واحيانا ينظر الى سعاله
لمجرد السعال
فيرى شبح المرض يقتله هو
لا حفيده
وكم كان يتمنى ان يقتله هو
بدلا عن حفيده


سكون الليل يظلل المشفى
تتحرك اقدام فى خفه متسلله
تحاول ان تصل الى الغرفه الملقى بها ساعى البريد
وجميع العاملين فى المشفى غارقين فى نوم عميق
يقترب اكثر واكثر من الغرفه الملقى بها صديقه
يفتح مساعد الطبيب الباب
ويتلفت حوله متأكدا انه غير مرئى
ويغلق الباب فى ليونه
متجها الى صديقه الغير مدرك بنفسه يغمم بكلمات
(لن يمت الصبى)
(لن يمت)
نظر اليه مساعد الطبيب فى شفقه
ووضع يده على جبهته
وغمم بحزن"انه يهزى ..انه يهزى
غير مدركا ان ما قاله البوسطجى كان صوابا بكل المقاييس
يقترب منه اكثر ويخرج من جيبه حقنه
يحقنه بها
وتعلو وجه ابتسامه ارتياح
و
يفتح باب الغرفه ليرى امامه امن المشفى وبعض العاملين فيها والمسئولين عن خزنه الادويه
يشيرون عليه كلهم اشاره رجل واحد
ولكن هذا لم يمنع ان ابتسامه الارتياح لم تتلاشى من وجهه
بل ازدادت بريقا
امسكه الامن وظل يستجوبوه
وعرفوا انه مساعد الطبيب (...)
تركهم احدهم وذهب ليتصل به فى منزله
وطلب الرقم ورفع سماعه الهاتف وعلى ملامحه شعار (لا للصبر)
وما من ان اتاه صوت الطبيب المستيقظ فى كسل
حتى رد عليه وقال"الشخص الذى يعمل تحت اشرافك
صمت قليلا ثم قال فى عصبيه"نعم هو لقد حقن احد المرضى الان حقنه تدعى (..)
ثم صمت وتابع فى فتور"نعم لسيوله الدم
الامر خطير لماذا؟؟!
الجرعه..لا اعلم
ماذا تسبب شلل..شلل نصفى
يا اللهى .. يا اللهى
ثم تابع فى هدوء" بانتظارك ايها الطبيب


استيقظ الجد من نومه
وان لم يكن نائما
فى غرفه حفيده
المكونه من فراشين
نهض من فراشه
وتحرك باتجاه فراش الطفل
ونظر على الجدار ليرى صوره والدى الطفل
الهاربان من المسؤليه
ليعلقوها على رقبه الجد المسكين
نفض عن نفسه كل ذلك
والقى نظره على طفله الوحيد


تحرك الطبيب بسيارته مسرعا
الى المشفى وفى عقله الكثير واالكثير من الافكار
يحاول ان يبحث عن حل ما
انه يعلم تماما ان رجل الامن سيلقى بالامر تماما فى اقرب صندوق نفايه
ولن يعيره اى اهتمام
وانه سيتحمل المسئوليه كامله
عن خطأ لم يقترفه
ضغط اكثر على دواسه الوقود
وظل شاردا
ربما ستعاقبه نقابه الاطباء
وربما عقابه هذا سيكون نهايه له
لا
سيعاقبون مساعده الغبى
بل هوالشخص الغبى
لماذا استفز مساعده
لقد كان سينجو البوسطجى
انه شىء تافه
حبه من دواء ثمنه لن يتعدى الجنيهات
والان
الحقيقه انه هو من امام المدفع
والمدفع سيضربه بلا هواده وبلا رحمه
زاد من سرعه السياره اكثر
ونظر الى اسفل لاخراج هاتفه ليتصل بالاطباء افى المشفى
وهم بفعل ذلك
وما من ان رفع عينه الى اعلى
حتى فوجأ ب شاحنه امامه مباشره
تعلن له ان نهايته اصبحت مبكرا جدا جد
ا

وضع الجد يده على حفيده
ودموعه تتساقط على خديه
يدعو الله ان ينجيه
يدعو الله ان يطمنه على حفيده
يدعو الله ان يأتيه الخطاب
لقد اوصى الساعى
واعطاه الكثير من النقود
ليتعجله ان يأتى بالخطاب
الذى سيصف حاله الطفل كيف انحدرت؟؟
ويبدو ان الله لم يستجب دعائه


صراخ المساعد يصم الاذن
هو الان من يهذى
بكلمات قاتل
لم يدرى انه قاتل
(ماذا تعنوا؟..ماذا تقصدوا؟)
اكان سينجو؟؟
لا
لم يكن سينجو
أأنا من قتله
لا
انتم من قتله
اريد اجابه واحده
وما من مجيب
الكل ينظر اليه فى شفقه
جرى باتجاه صديقه
ولكن لقد رحل صديقه


يا الله
ما زال الجد يدعى
ما زال قلبه يحترق
ما زال لا يدرى بما فى الخطاب
من اعتزار من اكبر مستشفيات بريطنيا
لا يعلم
انه كان خطأ
وان الصغير غير مريض
وان سقوط الشعر بسبب الدواء
بسبب التشخيص الخاطىء
وكيف يعلم؟؟