[size=10pt]قصة قديمة جداً تقريبا من اوائل القصص اللي كتبتها



--------------------------------




طيف البحيره

كان القمر بدراً يفيض بضؤه الفضي الخافت على أرجاء البلدة ، وجلس رجل مسن بجانب البحيره التي بدت وكان مائها من فضه تتلألأ في ظلمه الليل ينشد كلمات مليئة بالحزن والشجن
بينما كان هو يستمع لصوت العجوز متأثراً بالشجن الذي ملأ قلبه ظل ينظر للظل الذي ينعكس على وجه العجوز جراء النار الموقدة أمامه وكم تعكس التجاعيد وملامح التجهم على وجهه ، ومرت ساعه لم يصمت فيها العجوز ولم يتوقف هو عن الإستماع ، بعدها توقف العجوز وساد الصمت للحظات فأقترب من النار وقال للعجوز أتعبت ؟ فرد عليه العجوز : نعم ساعود لبيتي الآن وقام بصعوبة وانطلق ليخرج من الأحراش ببطئ ، وكانت هيأته مثل شبح مسن وظل يبتعد عن نظره حتى تلاشت رؤيته تماماً فأزاد النار حطباً وظل يراقبها وهي تأكله رويدا رويدا.
كان المكان رغم سحره إلا أن هدوءه أعاد له ذكريات الطفولة والخوف من الليل والغابة ، فظل يسترجع في ذهنه ماقصت عليه جدته وهو طفل من قصص الأطياف والأشباح التى تملئ البحيره ، وقطع أفكاره صوت شئ يتحرك فى الماء على بعد أمتار منه فاعتدل في جلسته ودق قلبه بعنف ثم نظر حوله ولم يجد شيئاً وبعد دقائق تكرر الأمر فوقف وتسارعت دقات قلبه أكثر وأكثر ووجد خيالاً أسوداً يخرج من الماء ويمشى باتجاهه فتصلب مكانه وكادت أن تتوقف دقات قلبه المتسارعه من هول مارأى وعندما إقترب هذا الطيف منه بدت له ملامحه وكانت ملامح أنثى شديدة الجمال على وجهها ابتسامة خافتة وظل هو بدون حراك وكاد أن يغشى عليه من حدة المفاجأه ، نظرت له ثم قالت لاتخف مني فأنا لا أستطيع أن أؤذيك فلم يستطيع حتى تحريك لسانه لينطق بحرف واحد ولكنه تمالك نفسه وجمع قواه وقال لها ماذا تكوني فقالت أنا مخلوق مثلك أسكن تلك البحيره لا أخرج منها إلا أحياناً ولقد رأيتك حزيناً فقررت الظهور لك إني فقط أرغب في مساعدتك ، لقد شعرت كل وردة وشجرة بالمكان بحزنك ولا أعتقد أن كل هذا الحزن بسبب صوت العجوز ؟


قال : لا أعلم.. لقد كنت في البدايه أحزن فقط بسبب صوته ولكن صوته يستحضر في نفسي كل مامررت به من أحزان..خيانه وفراق وفشل لم يتبقى لي في حياتي إلا القليل أعتقد أن هذا سبب حزني فنظر لها وقد زالت الرهبه من قلبه وقال أتستطيعين مساعدتي في هذا ؟ فلم تجب ونظرت إلى الأرض لبرهه وقالت أنت بشر ومصيرك ليس كله بين يديك وقد يكون به ألوانا من الألم والعذاب فما لك إلا أن ترضى وتفعل ماعليك فعله ولكني أعرف عنك أنك لاترضى أبداً بقضاء الله تحاول أن تجمع كل شئ المال والأحباب والصحة والجاه ولا تريد تحمل المتاعب ولا تكبد العناء والعذاب قط ! فأنظر ماذا جنيت خيانة وفراق وفشل ألا تعتقد أنك السبب ؟!
فكعادته أحس بالغضب وخرج فكره القديم الدفين وعدم قناعته وقال لها لا إنه ليس خطئي ، لما لا أستطيع فقط العيش كغيري محققا كل ما أريد بدون أن أتحمل عذاباً وألماً !؟ ، فقالت له ألم تعي حتى الآن !


إنك لاترضى أبدا ولاتريد أن تدفع الثمن فقاطعها وقال : هراء هذا ليس إلا كلامًا أسمعه ولا أري منه نفعاً فنظرت لأرض وقد زالت إبتسامتها الرقيقه ، وظل ينظر لها وقد بدأت ملامح الغضب ترتسم على وجهها الملائكي وتبدلت ملامحها رويداً رويداً وأصبحت تتحول لوجه بشع في هيئة بشعة وهي تقول له أهكذا رأيك..؟ فسيظل هكذا حالك خاسراً حزيناً وحيداً إلى الأبد

فلم يحتمل أن ينظر لهذا المشهد البشع ووقع على الأرض مغشياً عليه بدون أن ينطق بكلمه ، ومع أول شعاع نور أرسلته الشمس أفاق وكان لازال يحس بالرعب كما لو كان ماحدث حدث منذ ثوان فانطلق مسرعاً يجري ليخرج من الأحراش المحيطه بالبحيره حتى وصل لبيته المصنوع من الطين على جانب الطريق وقفل بابه بعنف وارتمى على فراشه البالي يشعر بالإعياء الشديد واستغرق في نوم عميق لم يفق منه إلا في المساء وفى اليوم التالي كان قد إسترد عافيته فذهب للعجوز وجلسا أمام داره وقص عليه ماحدث بالتفصيل فإبتسم العجوز ولم يرد.
فقال له مالذي يجعلك تبتسم أيها العجوز؟!..أظهر لك هذا الشبح من قبل ؟؟؟
فتنهد العجوز وقال نعم لقد ظهر لي فاستطرد العجوز قائلا ولكنه ليس شبحاً ياولدي
فقال هو : فماذا بحق الله يكون ما ظهر لي ؟؟؟

قال هي نفسك ياولدي كل مارأيته حدث داخلك ولا يوجد أشباح ولا أطياف عند البحيره لقد حدث لي ماحدث لك منذ زمن لكني كنت غبياً لأني لم أستمع لنصح عقلي والخير الذي بداخلي ، وها أنا الآن عجوزاً وحيداً لا أملك إلا صوتي الذي أخرج به مافي قلبي من حزن وحسره ، إن مكان هذه البحيره به شئ غريب لا أعرف ماهيته ! ولكن المهم ياولدي هو أن تستمع لجانبك الطيب الصادق حتى لاتري سوء فعلك يتجسد أمام عينيك .
فصمت وقد أغرقت الدموع عيناه ولم يرد ، ظل الصمت سائداً لم يدر أحدهم ماذا يقول ، ثم قال هو نعم أصبت أيها العجوز يجب أن أتغير فنظر له العجوز بإبتسامه ودوده أظهرت الشقوق التى حفرها الزمان في وجهه ، وإستمرا الإثنان في الذهاب والجلوس أمام البحيره كل فتره وظل العجوز وينشد ويشدو ولكن كلمات تبعث في النفس الأمل والسكينة ، ولم يتكرر ماحدث في البحيره أبداً بعد ذلك بعد أن بدأ هو في الإستماع لصوت العقل والفعل الطيب بداخل نفسه ، وأدرك مافقده في الماضي وأصبح بكل بساطة سعيدًا .



[/size]