جحا العربي

تأليف
د . محمد رجب النجار

الباب الأول
شخصيّة جحا بين الواقع التاريخي والرمز الفني جحا العربي في ضوء المصادر العربية في ضوء غلبة الرمز الفني للنموذج الجحوي في الأدب العربي غاب عن بال الكثير من الدارسين أن جحا العربي شخصية حقيقية ذات واقع تاريخي ، وأن نسبه ينتهي به إلى قبيلة فزارة العربية... إذ ولد في العقد السادس من القرن الأول الهجري وقضى الشطر الأكبر من حياته في الكوفة... وبذلك تخبرنا كتب التراث العربي ، وبخاصة كتب الأدب والأخبار والتراجم والسير... وقد أشارت إلى اسمه ،وما يشتهر به من نوادر وحكايات ،هو صاحبها...وعلى الرغم ، من اضطراب أخباره أحيانا في تلك المصادر إلا أنها تجمع في النهاية على وجوده»التاريخي « بسمته وملامحه المعروفة بيننا. وفي ضوء تلك الأخبار وما نسب إليه من نوادر وأقوال نحاول أن نجمع بينها في نسيج واحد يكشف عن حقيقة تلك الشخصية ، ونصيبها من الواقع التاريخي والفني معا. وعنايتنا بالواقع التاريخي لجحا ، أو بالأحرى للنموذج الجحوي قد لا تجد من يؤيدها من دارسي الفولكلور ، الذين يحتفون عادة بالرمز الفني ودلالاته

ووظائفه الحيوية أكثر من احتفائهم بالواقع التاريخي للشخصية ، ما دامت قد تحولت إلى نموذج فن، ورمز قومي ، يحمل في أعطافه جانبا من جوانب التعبير عن الجماعة ،وقد اتخذ أسلوبا مميزا في الإبداع الأدبي الشعبي هو أسلوب الحكاية المرحة... التي عرفت في كتب التراث باسم »النوادر « غير أن عنايتنا هنا بالواقع التاريخي جاءت لأكثر من سبب ،فالوقوف عند تاريخ هذه الشخصية-ما دامت حقيقية-يشكل حلقة من حلقات تطورها إلى نموذج فني قومي ، ويحسم في الوقت نفسه ،ذلك الخلق أو الاضطراب الذي يلحق بالنموذج الجحوي وأصالته في تراثنا العربي عامة ،ومأثوراتنا
الشعبية خاصة... وما يترتب على ذلك من نتائج تساعدنا في تحليل البواعث التي أدت إلى نمو هذه الشخصية وتطورها إلى رمز فني ،ولسوف نرى عند التناول التاريخي بعض الحقائق الأدبية والفنية التي اقترنت بهذا النموذج ، وصارت معلما مشتركا بين النموذج العربي وببن النماذج الجحوية اللاحقة... وبخاصة النموذجين التركي والمصري. فضلا عن أن هذا التناول سوف يتيح لنا-إلى حد ما-إمكانية تتبع النوادر المنسوبةإلى النموذج الجحوي بعامة ،ودراستها ومعرفة أصولها ، ومن ثم مقارنتها ،والوقوف على مدى ما أصابها من حذف أو تغيير أو إضافة... في ضوء المزاج القومي الذي
أبدعها ورددها تراثا شفهيا أو مدونا لأجيال متعاقبة وقرون متطاولة. و مما هو جدير بالذكر أن »ابن النديم المتوفي 3توفى سنة ٣٨٥ ه ٩٨٧ م ،صاحب الفهرست (الذي انتهى من تأليفه سنة ٣٧٧ ه) يذكر لنا كتابا قائما بذاته اسمه »كتاب نوادر جحا « وقد وضعه في أول قائمة كتيب النوادر ضمن
»أسماء قوم من المغفلين ألف في نوادرهم الكتب ، ولا يعلم مؤلفها . وإذا كان ابن النديم قد صنف نوادره ضمن نوادر الحمقى والمغفلين فالذي يعنينا هنا أن نوادر جحا العربي قد باتت في القرن الرابع الهجري من الشهرة والذيوع ،بحيث وجدت من يحفل جمعها وتدوينها وتصنيفها ، ويأتي ابن النديم نفسه ليضع هذا الكتاب ، في صدر قائمة كتب النوادر التي أشار إليها ، مما يؤكد مدى شيوعها وذيوعها آنذاك. ويرى أحد الدارس المعاصرين ان هذا الكتاب ، ربما كان عونا للآبي (المتوفي سنة ٤٢٢ ه) صاحب نثر الدرر ،

انتظروني