بسم الله الرحمن الرحيم


في الدروس السابقة عرفنا كيف ينظم الشعر على الأوزان وعرفنا مما تتكون هذه الأوزان ( التفاعبل ) وعرفنا أيضًا تركيب التفاعيل وبهذا عرفنا تركيب الوزن من أكبر إلى أصغر وحدة فيه ، وهذا الدرس يتناول موضوع مهم جدًا في العروض وهو الزحافات والعلل أو التغييرات العروضية .


ماهي الزحافات والعلل ؟؟


ذكرنا في الدروس السابقة التفاعيل وعرفنا شكلاً محددًا لها مثل مستفعلن و متفاعلن..الخ ، وسنعطي مثالاً بسيط يوضح فكرة البحر الشعري - الذي ليس هذا موضوعه - ، فمثلاً البحر "الكامل" يتكون من التفعيلة متفاعلن ، كيف ؟ بالشكل التالي


متفاعلن متفاعلن متفاعلن ** متفاعلن متفاعلن متفاعلن
///ه//ه ///ه//ه ///ه//ه *** ///ه//ه ///ه//ه ///ه//ه

أي أن كل شطر يتكون من ثلاث تفعيلات ويجب على الشاعر أن ينظم كلامه على هذا التفعيلات وهذا مثال بسيط جدًا


نفسي تئنُّ مِنَ الصّروفِ وما لها *** غير الثرى أفتستريحُ وتهتدي

/ه/ه//ه ///ه//ه ///ه//ه *** /ه/ه//ه ///ه//ه ///ه//ه


نلاحظ أن الكلمات تتفق تمامًا مع التفعيلات ، ولكن نلاحظ أن هناك تفعيلتان في البيت حدث بهما اختلاف ، فبعد أن كانت مُتَفَاعِلُنْ بفتح التاء أصبحت مُتْفاعِلُنْ بتسكين التاء والتي بدورها أصبحت على وزن التفعيلة مُستَفعِلُن !

والسؤال هنا لماذا حدث هذا التغيير وعلى أي أساس ؟! ، والإجابة أن هذا هو تغيير محدد ومسموح كي يعطي بعض الحرية للشاعر في إختيار الكلمات والألفاظ المناسبة ، لأنه لو لم يكن هناك بعض التغييرات المسموحة في التفاعيل لأصبح نظم القصيدة شئ صعب جدًا وأصبحت قدرة الشاعر على التعبير محدودة ، ولن يستطيع كتابة قصيدة طويلة في أي بحر /scenic ، ولهذا كانت هذه التغييرات المحددة مسموحة كي تزيد من مرونة القالب الشعري وتساعد الشاعر على التأليف والإبداع .


ونلاحظ أنني قلت التغييرات المحددة ، بمعنى أن كل بحر من البحور الشعرية به تغييرات محددة مسموحة للشاعر ، ولكنه إذا قام بأي تغيير في التفاعيل غير ذلك التغيير المسموح أصبحت أبياته مكسورة الوزن ، فمثلاً في البحر الكامل يسمح للشاعر بتسكين الثاني المتحرك من كل تفعيلة فتصبح مُتْفاعِلُنْ أو مستفعلن ، ولكن إذا قام الشاعر بأي تغيير آخر فقد كسر الوزن .


وهذه هي فكرة الدرس ، أن نعرف أن التفاعيل التي حفظناها قد تطرأ عليها التغييرات والتعديلات المحددة كي تعطي المساحة الأكبر للشاعر ، وماذا تسمى هذه التغييرات التي تطرأ على التفاعيل ؟


تسمى الزحافات والعلل


وفي المثال السابق كان التغيير عبارة عن تسكين متحرك ، وقد يكون في بحر آخر مسموح حذف أحد حروف التفعيلة أو زيادة حروف وهكذا.......


والآن ما الفرق بين الزحاف والعلة ؟!

لُغويًا لن أطيل بذكر أصل الكلمة ومعانيها المتعددة ، ولكن زحاف من زحف ، أي مشى رويدًا أو زحف الصبي وزحف الجيش ، وفي الإصطلاح :

الزحاف هو تغيير يلحق ثواني الأسباب


ونحن نعرف ماهو السبب ( خفيف وثقيل ) إما حرفان متحركان // أو متحرك وساكن ، فإن التغيير الذي يلحق بالحرف الثاني من السبب يسمى زحافًا

فمثلاً السبب الثقيل // ، إذا دخل عليه زحافًا فقد يسكن الحرف التاني فيصبح هكذا أو يحذف الحرف الثاني
وإذا كان السبب خفيفًا فيلحقه نوع واحد من الزحاف وهو حذف الساكن لانه لا يمكن تسكين الساكن ولا تحريكه

ونلخص ماقلناه عن الزحافات حتى الآن

تدخل على السببين الخفيف والثقيل وعملها يكون في الحرف الثاني منهما

في الثقيل تحذف الحرف الثاني أو تسكنه
في السبب الخفيف تحذف الثاني فقط

والزحاف لا يلزمك أن تستخدمه في كل القصيدة ، بمعنى أنه يمكنك استخدامه في بيت ثم تأتي في باقي القصيدة تستخدم التفعيلات كما هي بدون أن تدخل عليها أي تغييرات ، فبالتالي الزحاف لا يلتزم في كل القصيدة ، أما لو التزم الزحاف في حالات محددة ستأتينا لاحقًا ، أصبح الزحاف يجري مجرى العلة ( ) وهذا لأن العلة كما سيأتينا عبارة عن تغييرات أيضًا ولكنها تلتزم في القصيدة كلها .


والزحاف نوعان ( مفردًا ومركبًا )


إتفقنا أن الزحاف يدخل على السبب الخفيف أو الثقيل


فلو كان هناك تفعيلة تحتوي على سبب أو أكثر ، فإن الزحاف المفرد يدخل على سبب واحد فقط

أما الزحاف المركب فإنه يدخل على سببين في التفعيلة الواحدة

وهذا هو الفرق بين الزحاف المركب والمفرد


وسنذكر الزحافات المفردة وعددها ثمانية :

الإضمار : هو تسكين الثاني المتحرك ( لو نتذكر البيت الذي أتينا به كمثال نجد أن الزحاف الذي دخل عليه هو الإضمارُ )

فهو يدخل كما أسلفت على مُتَفَاْعِلُنْ فتصبح مُتْفاعِلُنْ وقد نطلق عليه مستفعلن إذا شئنا لأنهما الآن على نفس الوزن

الخبن : وهو حذف الثاني الساكن ، مثلاً في التفعيلة مُستَفعِلُن نحذف الثاني الساكن فتصبح مُتَفْعِلُن ، أو فاعلن فتصبح فَعِلُن ، وفاعلاتن فتصبح فَعِلاتُن ، ومفعولاتُ فتصبح معولاتُ وهكذا....

الوقص : حذف الثاني المتحرك ، فتدخل مثلاً على متفاعلن نحذف الثاني المتحرك فتكون مفاعلن

الطي : هو حذف رابع التفعيلة متى كان ساكناً وثاني سبب ، فيدخل مثلا في مستفعلن فالرابع الساكن هو الفاء ، فتصبح مُسْتَعِلُنْ

العصب : هو تسكين الخامس المتحرك ، تدخل مثلا على مُفَاْعَلَتُنْ ، فإذا سكنّا الخامس ( اللام ) أصبحت مُفَاْعَلْتُنْ
من //ه///ه إلى //ه/ه/ه

العقل : حذف الخامس المتحرك ، في مفاعلتن نحذف الخامس فتصبح مفاعَتُن أو مفاعلن وهما سيان في الوزن

القبض : حذف الخامس الساكن ، فعولن ، الخامس هو النون فنحذفها فتصبح التفعيلة فعولُ ، أو مفاعيلن الخامس هو الياء تحذف فتصبح مفاعلن وتصبح التفعيلة مقبوضة

الكفُّ : حذف السابع الساكن ، فاعلاتن يحذف النون فتصبح فاعلاتُ ، أو فاعِ لاتُن يحذف السابع الساكن فتصبح فاعِ لاتُ ، أو مفاعيلن فتصبح مفاعيلُ
وقد يسأل أحدنا لماذا لم نذكرلا مستفعلن ونجعلها مستفعلُ ؟؟؟!!
لأن مستفعِلُن تتكون من سببين خفيفين ووتد مجموع وكما قلنا أن الزحافات لا تدخل إلا على الأسباب فقط





أما الزحافات المركبة فهي أربعة


الخَبْلُ : يتكون من الخبن والطي ، أي إذا دخل الزحافان السابق ذكرهما على تفعيلة واحدة أصبح لدينا زحافاً مركب وهو الخبل
مثلاً مفعولات تصبح مَعُلاتُ

الخَزْلُ : يتكون من إضمار وطي ، متفاعلن تصبح مُتْفَعِلُنْ

الشَّكْل : يتكون من الخبن والكف ، فاعلاتن تصبح فعلاتُ

النقصُ : يكون بالجمع بين العصب والكف ، مُفَاْعَلَتُنْ فتصبح مُفَاعلْتُ وهي تساوي في الوزن مفاعيلُ


وبهذا إنتهت الزحافات ويبقى لنا العلة ثم البحور الشعرية ، والمطلوب في هذا الدرس ( الفهم التام ) لمعنى الزحاف وما عمله وكيف يدخل
على التفاعيل في القصيدة التي بدورها تتحول لكلمات عند النظم وهذا أهم شئ ، ثم بعد ذلك التدقيق في المصطلحات ومحاولة حفظها ولكن على
أي حال لا نرهق أنفسنا كثيرًا في الحفظ في هذه المرحلة والأهم هو الفهم التام للدرس وإن شاء الله يتبع شرح العلل في نفس الدرس
والأهم بعد الإنتهاء من الفهم الرجوع للدروس الصوتية ، وسماع الدرس الخاص بالزحافات والعلل .